بين سورية والهجوم على ايران

حجم الخط
0

تسفي برئيل

أثمرت جملة واحدة قالها وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف طوفان تحليلات صحافية عن ‘تغيير’ و’تحول’ و’انقلاب’ لموقف روسيا من بشار الاسد. ‘لا يهم من يحكم سوريا، فالمهم هو وقف القتل’، قال لافروف في مؤتمر صحافي يوم الاثنين. وهذه أول مرة تعرض فيها روسيا موقفا واضحا من استمرار حكم الاسد. هب الامر كذلك، فهل توافق روسيا على تدخل خارجي؟ وهل سترسل بعثات اسلحة الى المعارضة في سوريا كما ترسل الى النظام؟ أولم تكن روسيا هي التي عارضت يوم السبت ان يكون اعلان تنديد مجلس الامن قرارا ملزما؟

تعالج روسيا والصين والولايات المتحدة وحلف شمال الاطلسي والاتحاد الاوروبي الازمة في سوريا كأنها قضية داخلية. فيجب فقط الانتظار في صبر والاستمرار في الثرثرة لأن جانبا ما سينتصر في نهاية الامر. ولا يشذ طرد الدبلوماسيين السوريين من اوروبا والولايات المتحدة أمس عن هذا التوجه لأنه غير مقرون بدفع ثمن حقيقي. والمشكلة هي ان سياسة مديري العالم هؤلاء تعبر عما اعتيد ان يسمى ‘موقف المجتمع الدولي’ من الازمات. وهذه الدول هي التي تقرر ترتيب أهمية الازمات والنزاعات، وهي التي تصوغ طريقة التدخل الدولي وتقرر كم من البشر يجب ان يُقتلوا قبل ان يبدأ المجتمع الدولي تغيير موقفه.

ان أكثر الصراعات ‘لا تهم’ القوى العظمى، وقُتل ملايين البشر في العقود الاخيرة لأن الكلام الذي صدر عن الرُعاة لم يُترجم الى اعمال. متى سمع أحد ما بتدخل دولي في الصومال أو في جنوب السودان أو في شمال شرق باكستان أو في نيجيريا وغير ذلك. ان التدخل الدولي بالجملة يتم فقط حينما يهدد الصراع مصالح واحدة من القوى العظمى. فيمكن اذا ان نشتكي من ‘عدم العدل’ هذا وعدم وجود معيار اخلاقي موحد للتدخل الدولي، لكن السياسة الخارجية خاصة والسياسة الدولية عامة لم تعانيا قط من زيادة اخلاق أو رحمة.

يكون لخطوط الاخلاق والرحمة الحمراء في احيان نادرة هدف استراتيجي ايضا، لكنها تُستخدم آنذاك ايضا غطاءا منافقا لتدخل دولي. فتدخل حلف شمال الاطلسي في ليبيا لم يكن يرمي الى مساعدة الديمقراطية بل الى بناء ثقة في المستقبل بين المتمردين والغرب، وكان اسقاط صدام حسين باسم ‘الديمقراطية’ يرمي الى تصفية حساب ماض مع الطاغية ومحاولة تثبيت موطيء قدم استراتيجي غربي وامريكي خاصة في حقول النفط وفي الخليج الفارسي؛ ويستطيع الفلسطينيون ان يكتبوا موسوعة عن الفرق الكبير بين ‘الشفقة’ الدولية عليهم وبين عدم الاكتراث العملي.

يتعلم السوريون الآن ايضا على جلودهم ان تدويل أزمتهم الخاصة يعوق القوى العظمى من ادارة سياسة مصلحية. ان قول لافروف الذي قال ‘لا يهم من يحكم سوريا’ هو ايضا السياسة الامريكية التي ما زالت تتحدث في العلن عن تنحية الاسد لكن لا يهمها في واقع الامر من يحكم الدولة، فالشيء الأساسي ان يحكم شخص ما وألا تظل سوريا تزعزع المنطقة.

لكن الدرس السوري يتغلغل الى اسرائيل. ويمكن ان نزعم بتبسيط مهدد ان من يجعل نفسه في راحة القوى العظمى كي تنقذه من تهديد ايراني أو تهديد غيره يخون مسؤوليته القومية. والعجز العالمي في سوريا يعمل جيدا في مصلحة من يحثون على مهاجمة ايران لأنه كيف تمكن الثقة بتلك القوى العظمى التي تؤدي دور الناضج المسؤول وتُجري حوارا استراتيجيا مع ايران وتعلن ان الخيار العسكري لم يُزل عن الطاولة، ان تفي بالتزاماتها؟ ويسأل الباحثون عن الهجوم وبحق كيف تستطيع اسرائيل ان توكل وجودها للقوى العظمى غير المستعدة لأن تساعد الباحثين عن الحرية في سوريا بثمن ضئيل نسبيا؟ ان زعم ان الغرب امتنع عن التدخل في سوريا كي لا يُحدث ازمة عنيفة مع ايران وربما مع روسيا ايضا، هو زعم جليل مثل زعم ان التدخل العسكري ايضا لا يضمن الاستقرار أو منع سيطرة جهات معادية على الدولة. وفي المقابل يجب على هذه الدول ان تزن جيدا تأثير عجزها في سوريا فيمن يعد الايام استعدادا للهجوم على ايران. فليس التهديد السوري هو لمدن حمص وإدلب ودرعا فقط بل انه يُسخن محركات الطائرات الاسرائيلية.

هآرتس 30/5/2012

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية