بين شجاعة الرياضي وجبن السياسي
د. علي محمد فخروبين شجاعة الرياضي وجبن السياسيلماذا يستطيع الرياضي العربي أن يقف شامخاً في مونديال كرة القدم بينما يقف المسؤول السياسي العربي قزماً في كل ساحات العالم؟ قد لا يحصل الأول علي جوائز البطولة النهائية لكنه إنسان أدي واجبه بأن حارب واقفاً وانبري ندُّاً للآخرين، وحين لم يصل إلي نهاية الشوط لم ير في عيون المليارات المشاهدين إلاُ التقدير لجهده والاحترام لمحاولاته. لكن أين ذلك من نظرات التعجب، وأحياناً الازدراء، التي ينظر بها العالم كله للقيادات العربية السياسية وهي تتعامل مع قضايا أمتها الكبري. في فلسطين تقف تلك القيادات عاجزة عن الاستفادة من أية أخطاء ترتكبها الآلة الصهيونية في تعاملها مع الشعب الفلسطيني الأعزل، وجاهلة عند الدفاع عن أعدل قضية يتعامل معها المجتمع الدولي. وهي تتراجع باستمرار، ودون مبرٍّر، عن كل ثوابت العدالة التي عرفتها البشرية طيلة تاريخها. ولم يجتمع مسؤول دولي قط بالزعماء العرب إلاً وأسرًّ للآخرين، أو كتب في مذكراته بعد سنين، بعظيم دهشته لرخاوة تعامل أولئك مع ثوابت القضية الفلسطينية. في العراق وفي السودان يتمًّ التعامل مع مآسي شعبيهما وكأنها لاتخصُّ أشقُّاءهم في العروبة. وفي الوقت الذي يطالب فيه العالم كله بالانسحاب الأمريكي من أرض العراق بصوت عالٍ لاغموض فيه يظلُّ الصوت العربي الرسمي حبيس الحناجر بانتظار الإشارات من واشنطن. وفي الخليج تكتفي الزعامات العربية بأن تقدم النصائح لإيران المسلمة بدلاً من الوقوف متضامنة أمام جنون القوة الأمريكي الذي يهًّدد الخليج بكارثة ثالثة في أقلٍّ من ربع قرن. والواقع أن بؤس التعامل العربي الرسمي مع كل مشكلة تواجهها الأمة هو في كل مكان ولايحتاج إلي تفصيل أكثر. نعود إذن لنطرح السؤال مرة أخري: لماذا ينجح الرياضي العربي ويفشل السياسي الرسمي العربي؟ في اعتقادي أن السبب يعود إلي أن الأول يعرف ثوابت الألعاب الرياضية ووسائلها وغاياتها وبالتالي يتعامل معها دون تزوير لما يعرف ودون خوف مريض علي نفسه ومستقبله. أما القيادة السياسية العربية فإنها تتعامل مع حقل السياسة بانتهازية لا تعرف التفريق بين الثوابت، وهي أخلاقية بالدرجة الأولي، وبين الوسائل، وهي عملية ممارسة للمرونة والحصافة، وبين الأهداف التي هي صيرورة متدرٍّجة متحركة دوماً إلي الأمام باتجاه غاية كبري نهائية. إن القائد السياسي غير الإنتهازي وغير الجبان يربط القضايا التي يتعامل معها باحدي الفضائل الإنسانية الكبري من مثل ربط القضية الفلسطينية بالعدالة مثلاً. إن ربط الموضوع بفضيلة ما أو بقيمة ما يجعل التعامل مع وسائل حلٍّ القضية ضمن ما يمليه التعقٌّل أو تستوجبه الحصافة. والحصافة ليست شطارة أو حربقة كما يقولها عرب الشام وإنما هي التفتيش عن الوسائل الممكنة المعقولة من أجل جعل الأهداف واقعية، ولكن دون التفريط بثوابت القيم والفضائل الإنسانية. الحصافة، كما يقول مفكر روما الشهير سيسرو، تعني أن تتنبأ وأن تهيٍّئ لمواجهة ذلك التنبٌّؤ. وهي لاتعني عدم المخاطرة المعقولة ولكنها حتماً تتجنُب الخوف المريض أو الجبن المذل. من هنا، من عدم الإرتباط بثوابت أخلاقية أو قيم إنسانية، من غياب الحصافة والحكمة الشجاعة في ممارسة الوسائل، من عدم تحكيم الثوابت في رسم الأهداف والعمل من أجلها، من غياب كل ذلك تغوص أرجل القيادات السياسية العربية الرسمية في أوحال الفشل الدائم الذي لا ينتهي. وفي تعاملهم مع قضايانا الكبري يصدق عليهم التعريف المضحك المشهور للجبن وهو أن الجبن يعني أن تفكٍّر بقدمك عند مواجهة الأخطار. وهل يفكر زعماء هذه الأمة إلاً بأقدامهم المنهزمة في مواجهة أخطار العراق وفلسطين والسودان والصومال ولبنان؟ تحية للرياضيين العرب الذين يفكرون بعقولهم فيمارسون حياة الشجاعة البطولية. أما الخائفون علي مناصبهم وامتيازاتهم ومسروقاتهم فانهم مثل الجبان المشهور عنه بأنه يموت ألف مرة ومرًّة قبل أن يواري التراب.9