بين شومسكي وجابوتنسكي… و«السور الحديدي»: البلاغة اللغوية لصالح الأجندة السياسية

حجم الخط
0

في تشرين الثاني الماضي مرت 95 سنة على مقال «حول الحائط الحديدي ـ نحن والعرب» بقلم زئيف جابوتنسكي. كتب دمتري شومسكي في السابق، وبحق، أن هذا المقال يعدّ «شهادة الهوية الفكرية» لجابوتنسكي. حسب أقوال جابوتنسكي «الحائط الحديدي» يجسد الوعي بأنه نظراً إلى أن «ليس بالإمكان أن نعرض على العرب أي تعويض عن أرض إسرائيل» فإن الصراع بين العرب والصهيونية أمر لا مناص منه. من هنا فإن انتهاء الصراع مرتبط بالحسم، الذي سيشكل انعطافة فكرية، يسلم فيها العرب بالسيادة اليهودية في أرض إسرائيل. جابوتنسكي كتب «شعب حي يوافق على تنازلات في مسائل مصيرية… عندما يفقد الأمل…وحينها تفقد المجموعات المتطرفة سحرها، وينتقل النفوذ إلى أيدي المجموعات المعتدلة… في حينه سيبدأون بالتفاوض معنا بإخلاص في مسائل فعلية، مثل إعطاء ضمانات ضد طردهم من البلاد، حول مسألة المساواة في الحقوق أو بشأن الكيان القومي».
ولكن شومسكي يخطئ عندما يقول إن المصدر الروسي للمقال خفي، «الوجه المكبوت والمنفي لجابوتنسكي» الذي يقول عندما سينتهي عهد الحائط الحديدي ستقوم دولة فلسطينية مستقلة على أرض إسرائيل. شومسكي يركز على تعبير «كيان قومي» الذي يظهر في المقال بدلاً من كيان -الذي يوازي المفهوم الروسي «سامو بايتنوست» لجابوتنسكي ـ شومسكي يفرض مفهوم «استقلال». جهود شومسكي في تسخير جابوتنسكي لفكرة تقسيم البلاد غير جديدة، ولسنا بحاجة إليها. ولكن حقيقة أنه استنتج ذلك بواسطة دراسة فقهية تحتاج من أتباع جابوتنسكي الرد عليها.
ليس واضحاً من أين يستقي شومسكي الصلاحية في القفز من الترجمة الحرفية لـ «كيان ذاتي» أو «ذاتية» إلى مفهوم «استقلال». إن البحث غير المنحاز في قاموس روسي ـ روسي سيظهر أن مفهوم «استقلال» لا يتساوق مع التعريفات في القواميس لكلمة «سامو بايتنوست». بيتر كريكسونوف، المترجم المعروف للأدب الروسي إلى العبرية يؤكد بأنه رغم التناظر فإن مفهوم «استقلال» ومفهوم «ذاتية» أمران متمايزان. ففي حين أن الأول موجه نحو الخارج فإن الثاني موجه نحو الداخل، إلى مصدر خلق التميز. «الذاتية» توجد أيضاً عندما لا يكون هناك «استقلال».
حسب شومسكي، منذ بداية عملية أوسلو: «الإسرائيليون والفلسطينيون غير موجودين في عهد الحائط الحديدي». وحسب قوله: «رجال الدوائر الفلسطينية المعتدلين جاؤوا إلى الإسرائيليين وهم يحملون اقتراحات لتنازلات متبادلة». الادعاء الذي يقول إن الحائط الحديدي في عملية أوسلو سقط إنما هو ادعاء مرفوض، لكن من أجل التمييز بين «الذاتية» و«الاستقلال» ثمة تداعيات سياسية.
هل هناك، في عهد الحائط الحديدي بدون ثقوب، مفاوضات على تنازلات متبادلة تضم «ذاتية قومية» مثلما هي الترجمة السليمة لجابوتنسكي، أو «استقلال قومي» مثلما يشوه شومسكي الروسية؟ هل يدور الحديث عن حكم ذاتي ثقافي ـ وطني، أو تقسيم البلاد وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، لها جيش يسيطر على الحدود وعلى المجال الجوي؟ إن تصميم شومسكي اللغوي يثير الاستغراب، لكن من ليس له مانع في أن يسخر جابوتنسكي لإقامة دولة فلسطينية، ليس لديه أيضاً صعوبة في تجنيد البلاغة اللغوية لصالح أجندة سياسية.
شومسكي يستعرض الترجمة العبرية لـ «على الحائط الحديدي» ويشير إلى عدم موثوقية المترجم الذي نشرته عيري جابوتنسكي، والذي ذعر بسبب رؤية مفهوماً ظهر في الترجمة… رائحة تقسيم البلاد، ترجمها إلى «مساواة وطنية». أجل «مساواة» ليست الترجمة الصحيحة لمفهوم «سامو بايتنوست». ولكن ادعاء شومسكي الذي قال إن هدفه من جعل فكرة تقسيم البلاد غامضة ـ هو ادعاء غير منطقي.
في التطرق إلى كريكسونوف يكتب شومسكي أنه رغم حقيقة أنه «أصلح الترجمة القديمة بصورة مدهشة»، فإنه اختار «ترجمة تحمل معنيين إلى حد ما ـ كيان قومي ذاتي»، التلاعب واضح: شومسكي رمز إلى أن كريكسونوف أيضاً هو شريك في المؤامرة من أجل إخفاء نوايا جابوتنسكي المكبوتة. وحسب أقوال كريكسونوف فإن اختيار مفهوم «كيان قومي» وضع على يد المحررة اللغوية. وبعد ذلك هذا هو الأمر الذي أثار غضبه. هو نفسه يفضل «الذاتية»، وبهذا تعلق بأغصان أشجار عالية: لا شك لدى كريكسونوف في أن «سامو بايتنوست» كان المفهوم الروسي في وعي بياليك وباردي سبسكي وفخمان وشيلويسكي عندما استخدموا مفهوم «الذاتية». ومفهوم «الذاتية» عندهم تم تمييزه عن مفهوم «الاستقلال».
في حين أن تفسير شومسكي بشأن «استقلال قومي عربي» في أرض إسرائيل غير موجود في كتابات جابوتنسكي، فإن مفهوم «الذاتية» رئيسي فيها ويظهر في سياقات مختلفة. في مقال نشر في «اوديسكيا نوفوستي» في كانون الثاني 1908، الذي خصص لاحتفالات العيد الـ 25 لممثلة المسرح الأوكرانية ماريا زنغوفتسيا، فإن جابوتنسكي عبر عن تقديره لها لأنها تنازلت عن نجاحها المهني المشهور في الثقافة الروسية لصالح «الذاتية الشعبية». تقديره للالتزام بالذاتية الشعبية كان مبدئياً وتم التعبير عنه رغم التحفظات من اللاسامية الأوكرانية.
«الذاتية» هي «شهادة هوية فكرية». ومن ناحية جابوتنسكي يجب احترامها. «شهادة هويته الفكرية» تستحق معاملة كهذه.

غبرئيلا بارزن (الغرابلي)
هآرتس 17/6/2019

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية