بين صـدام وجعد بن درهم: لقـاء تحت جنح الظـلام
د. خالد الطراولي بين صـدام وجعد بن درهم: لقـاء تحت جنح الظـلام يروي ابن الأثير في تاريخه والبخاري في التاريخ الكبير وابن عساكر وغيرهم أن خالد بن عبد الله القسري أمير العراق خطب في الناس يوم عيد الاضحي بواسط، فقال: ايها الناس ارجعوا فضحوا تقبل الله منا ومنكم فاني مضح بالجعد بن درهم . ثم نزل من منبره وأخذ سيفه ونحر به ضحيته الذي كان مشدودا الي المنبر كالشاة. وبقي الجسد يقطر دما مقطوعا علي مرأي ومسمع من المصلين الذين لم يحركوا ساكنا سواء مغادرة المسجد لنحر أضاحيهم !كان الجعد بن درهم عالما يري بعضهم أنه كان زنديقا زعم أن الله لم يتخذ ابراهيم خليلا ولم يكلم موسي تكليما، ويري البعض الآخر وخاصة من المعاصرين أن الحادثة تدخل في اطار تصفية حساب سياسي بين الدولة الأموية ومعارضيها. ومهما كانت المستندات والتبريرات فان ما بقي من الحادثة وما تناقلته أخبار التاريخ من بشاعة الموقف هو هذا التشفي والقسوة والاعتداء الصارخ علي المقدسات دون اعتبار لها ولا لحامليها!كان اليوم يوم عيد الاضحي يوم تكريم الانسان وفدائه من النحر بكبش، كان الاطار المكاني مسجد وخطبة وتقرب وابتهال، كان السياق فرحة وسرور فاليوم عيد، كانت حرمة المكان والزمان ترمي بأطـــــرافها علي الجميع ولم يخيل لمن دخل المسجد للصلاة حينذاك أو لقارئ التاريخ فيما بعد أن يفاجئه الخطيب وهو ينهي خطبته الانسانية بمــــوقف بشع لا يضاهيه الا مواقف الوحوش وهي تسعي للفتك بضحاياها دون اعــــتبار الا لكسر جوعتها ويعــيد التاريخ نفسه تحت جنح الظلامتمر الأيام والسنون والقرون، ولا ينسي وحش الأمس أن يسري بأحفاده تحت جنح الظلام وتطل علينا صور بشعة يلفها اطار من الحقد والتشفي والاستفزاز الصارخ… لن أعيد الصورة فقد حبر العديد حولها الكثير ولعل التاريخ لن ينساها… رجل يتقدم الي حبل المشنقة ويتم اعدامه في اطار من الصياح والصراخ… كان اليوم يوم عيد، الكل كانوا فرحين الا المتدلي من حبل المشنقة….الزوايا كثيرة لقراءة ما حدث، غير أن الزاوية الصلبة والمنغصة والتي يبدو أنها الغالبة والتي لن يستطيع احد غلقها، هي زاوية الفضاعة والتنكيل والتشفي الطائفي يوم العيد….نعم كان صدام ديكتاتورا دمويا ولم يفلت من دمويته حتي أقرب الناس اليه كصهريه الاثنين، نعم نال صدام من شعبه علي اختلاف طوائفهم، أرهب الشيعة وقتل العديد من أبنائهم وعلمائهم، وقتل الآلاف من شعبه الكردي في أعنف وأغرب مذبحة بالغاز شهدها شعب من قبل حاكمه…نعم يستحق صدام محاكمة عادلة في ظروف طبيعية تكشف عن كل المجازر التي اقترفها في حق شعبه… ولكن هل كان يستحق أن يقع اعدامه في هذا الاطار الزماني والمكاني المشبوه والمستفز والمنغص؟لقد كانت الحادثة رسالة بعثها أصحابها وحملها سعاة مشبوهون.. أن الأضحية هذا العام كانت انسانا وقع التقرب به ابتغاء رضوان السماوات والأرض.. نعم وصلت الرسالة وأخطأت العنوان ولن تزيد النار الا وقودا وما حولها هشيما وغبارا.هل فكر شيعة العراق، رغم تعرضهم لأصناف العذاب أن الصورة التي بعثوها قد تنسي الناس كل ما تعرضوا له من بشاعة وجور، وأن ظالم الأمس ومستبد الماضي أضحي في أعين الناس ضحية اليوم ومظلوم الساعة، وأنه أصبح ينظر اليه بعين الرحمة والشفقة ولعله الاعجاب والتباهي؟هل فكر شيعة العراق أن الصورة التي تبقي حول عراق صدام أصبحت مشوشة، فمع الأهوال والفظائع التي ارتكبها، تصطحبها لاحقا صورة رجل شجاع واطار منهزم وطائفي، لقد غاب العراق أمام المشنقة ورأينا العراق يموت بدون مشنقة..هل فكر شيعة العراق لحظة أنهم فقدوا الكثير من السند عند الطوائف الأخري وخاصة السنة وهم يعكرون عليهم عيدهم؟ ما دخلت بيتا هذا العام وما زرت أسرة الا ووجدت القرف والاشمئزاز يعلو الوجوه، وبوادر كراهية عاصفة تسقط ما بناه شيعة لبنان في الصائفة الماضية من مقاومة وصمود. حتي أن البعض لم يعد يستسيغ ما حصل سابقا ويتساءل عن صحته ويشكك في العديد من المواقف والصور، وهـــــــو الذي كان يحلم بالوحدة وقوة الجماعة ونهاية الخلاف.لقد خلفت مقاومة الصائفة الماضية انبهارا واحتراما وتقديرا من قبل الطائفة السنية ومساندة منها لحزب الله ولأتباعه، حتي أن البعض بدأ يتحدث عن مدّ شيعي وتوغل للتشيع داخل عديد الأوطان منها مصر وسوريا، حيث ارتبط الفكر الشيعي عند البعض بفكر المقاومة والصمود والوحدة ورفض الطائفية مما جعل الكثير ينظر اليه بكثير من الود والحب وحتي التشيع…وولد عند البعض ساسة وفقهاء وعامة بعض التخوفات والحيطة.ان ما يحدث في العراق من عصابات الموت والقتل والتهجير والتشريد التي تقوم بها جماعات شيعية (مع وجود عصابات سنية متطرفة كذلك) زاد الطين بلة بعد اعدام صدام بهذه الصورة البشعة وفي هذا اليوم المقدس، وكرّس صورة التشفي والعصبية والكراهية والحقد الأعمي وعدم الاعتبار لمقدسات الآخرين، ولا حتي مقدساتهم أنفسهم، ولا نخال الشيعة الا قد خسروا من حيث ظنوا أنهم انتصروا، فقد عمقوا الخلاف وشيدوا للطائفية والكراهية سياجا من حديد وبناء صلبا من نحاس، وانهزموا اعلاميا فقد هزمتهم الصورة وأصبحوا عنوان السطوة والفضاعة، وأصبح المستبد عادلا وشجاعا وهي الصورة التي لن تمحي بسهولة من صفحات التاريخ. كثيرة هي زوايا الحدث، وكثيرة هي التعاليق حول ما وقع، ولكن التاريخ كثيرا ما يعيد نفسه بوضوح، ولا معتبر ولا قارئ له عن روية ورشد… ذهب جعد بن جهم في مذبحة بشعة يوم عيد المسلمين وتحت أنظارهم وبجانب منبرهم ومحرابهم، واختلف المكان والزمان والضحية والأسباب، لكن الصورة البدائية التي كانت مباشرة تراها بعض الأعين وتنتهي بجانب المسجد أو بأطراف الحي الملاصق له، قد أصبحت اليوم مركبة يراها مئات الملايين، وتنتشر انتشار النار في الهشيم يقتطفها الواعي وغير الواعي والذي به مرض وهنا مكمن المصائب والعلل.لقد ذكر لنا التاريخ أن نهاية الجعد بن درهم لم تنته تحت المنبر وهو يتخبط في دمائه، ولكنها تواصلت لتلمس منفذها الأول والمباشر قبل غيره من الأطراف فتروي الأحداث أن خالد القسري قد قُتل بعد قتله للجعد بوقت قصير في خلافات مع السلطة الأموية وذلك علي يد الخليفة الأموي الوليد بن يزيد الذي نكل به وحبسه وصادر أمواله وعذبه ثم دفعه الي واليه علي العراق ليزيده تنكيلا فقتله تحت التعذيب في نفس المدينة التي قتل فيها الجعد بن درهم ويقال أنه قتله بشيء وضعه علي وجهه وقيل وضع علي رجليه الأعواد وقام عليها الرجال حتي تكسرت قدماه… وتلك الأيام تداولها بين الناس… لن أختم حديثي الا بكلمات أمل وتفاءل رغم العواصف وشدة الظلمة حيث آمل كثيرا في وجود العاقلين والراشدين عند كل طرف وفي كل ضفة، وعليهم ينبني صرح الأمل في الخروج من هذا النفق الذي يصاحبه الظلام ولن ينتهي الا في الظلام، وليعلم الجميع سنة وشيعة أنه لن يكون هناك منتصر من بينهم فكلهم مهزومون أو كلهم منتصرون، فالانسان واحد والاسلام واحد والقضية واحدة والعدو مشترك حتي وان خيل لدي البعض أن الشيطان يبتسم!ہ رئيس اللقاء الاصلاحي الديمقراطي (تونس) [email protected]