لندن ـ ‘القدس العربي’ في رحلة جديدة له للعاصمة السورية دمشق، وعشية بدء المفاوضات المباشرة بين وفد الحكومة السورية والمعارضة، كتب الصحافي البريطاني باتريك كوكبيرن، في صحيفة ‘إندبندنت أون صاندي’: ‘كنت أظن أن دمشق أهدأ منها قبل ستة أشهر، في ذلك الوقت كان صوت الدبابات الحكومية وهي تدك المعاقل التي يسيطرعليها مقاتلو المعارضة لنظام بشار الأسد وكان صوتها يتردد يوميا في كل أنحاء العاصمة- وصوت قنبلة الهاون وهي تنفجر بضعة أمتار منك، حيث كانت تطلق من مناطق المعارضة على باب توما، الجزء المسيحي من المدينة القديمة حيث كنت أقيم، ولم تصب أحدا كما حدث في المرة الأخيرة التي كنت فيها هنا’.
الحرب الطويلة
لم يتغير شيء منذ الصيف الماضي، حسب ما قاله رجل أعمال، والتغير هو اعتياد الناس على العيش في ظل حالة دائمة من الحرب يظل فيها البحث عن النجاة هو ‘الهدف الوحيد’، و’في النهاية فسندخل السنة الرابعة من الحرب’ واعترف رجل الأعمال قائلا إن المعارك وتبادل إطلاق النار تراجعت معدلاتها حيث يستخدم النظام السوري أسلحة ثقيلة أكثر مما هو متوفر لدى المقاتلين في ضواحي دمشق.
ولا يتوقع أن يتغير الإنسداد الحالي في المعركة ولا من مؤتمر السلام الحالي في جنيف ‘لا نتوقع الكثير من محادثات جنيف 2’.
ويقول كوكبيرن إن تراجع حدة القتال في الأسابيع القليلة الماضية سببه كما يرى القتال الداخلي في صفوف المعارضة والمواجهات الدائرة بين مقاتلي الجيش الحر والتشكيلات الجديدة من جهة وبين الجهاديين من الدولة الإسلامية في العراق والشام حيث سقط في الأسابيع الثلاثة الأولى ما يقرب عن 1395 مقاتلا فيما يصفه الصحافي البريطاني ‘حرب أهلية داخلية داخل حرب أهلية’.
واستطاعت الدولة الإسلامية أو داعش استعادة مدينة الرقة، حيث فرضت على سكانها عدم التدخين أو الإستماع للموسيقى وفرضت على النساء لبس النقاب. ويقول الكاتب إنه عندما يستأنف القتال بين الحكومة وقوات المعارضة فالمعارك تتسم بالشراسة، حيث يعتمد الجيش على الأسلحة الثقيلة فيما يتسم المقاتلون من الجماعات الجهادية بالقسوة، وينزعون للعنف المفرط كما حدث عندما هاجموا بلدة عدرا في شمال- شرق العاصمة السورية، وذلك في كانون الأول/ديسمبر الماضي، حيث هاجموا المخابز والعيادات المحلية في البلدة. واختطفوا هيثم موسى، مدير الدائرة القانونية في وزارة الإعلام وزوجته وابنته، ولا يعرف مصيرهم حتى الآن. وكل المحاولات للإتصال بهاتفه النقال كان يجيب عليها صوت يقول إنهم معتقلون الآن لدى جبهة النصرة.
ويضيف كوكبيرن إن الحكومة لم تجن الكثير من مواجهة الجماعات المعارضة فيما بينها، ومواقف السوريين منها زال كما هو بعد الكشف عن صور 11 ألف معتقل تعرضوا للتعذيب والتجويع حتى الموت في سجون النظام، وقد تعود السوريون على جانبي الصراع على المذابح.
ولكن الإنقسام داخل المعارضة عظيم لدرجة لا يعرف الكيفية التي يمكن فيها فريق المعارضة التوافق مع الفريق الحكومي المفاوض لوقف إطلاق النار، وتبادل الأسرى وإيصال المساعدات الإنسانية. وبالتأكيد فجماعات المفاوضين في جنيف عن المعارضة لا يلقون دعما من جماعات مقاتلة في الشمال أو شمال- شرق البلاد حيث ينظر مقاتلين إليهم كخونة، ودعوا لمحاكمتهم بتهمة الخيانة.
ضعف الحكومة
وإذا كان هذا هو مكمن ضعف المعارضة فالحكومة لديها ملامح ضعفها هي الأخرى، فلم تستفد من خلافات المعارضين باستثناء بعض المناطق حول حلب وبعض الأجزاء المحدودة حول دمشق.
ويرى أن تردد الحكومة والدفع بقوة في داخل مناطق المعارضة ربما كان دافعه عدم توحيد المعارضة حال تقدمت قوات النظام السوري لهذه المناطق، وتريد تركهم مشغولين بأنفسهم. وهذا لا يعني أن قوات الحكومة منهكة بسبب القتال على أكثر من جبهة وليس لديها الأعداد الكافية من الجنود المشاة لنشرهم على الجبهات.
وهذا الضعف واضح من خلال استعادة جبهة النصرة للمرة الثانية السيطرة على بلدة معلولا المسيحية الواقعة على الطريق الرئيسي بين دمشق وحمص.
وعدم قدرة الحكومة على تأمين هذا الطريق وبشكل دائم يعطي فكرة عن قدرتها على القيام بهجمات مضادة. كما تم إغلاق الطريق لمدة 17 يوما في الآونة الأخيرة عندما سيطرت المعارضة على بلدة النبك الواقعة في منتصف الطريق حتى يتم تأمينها.
ويرى جوشوا لانديز، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما أن النظام وإن عانى من تشتت في قوته إلا أنه يحتفظ بقواعد في كل مدينة سورية مما يصعب بالتالي هزيمته في الوقت الحالي ومن هنا فالمفاوضات الجارية في جنيف 2 لم تحقق إنجازات بعد. وكتب في مقال على موقع قناة ‘الجزيرة ـ أمريكا’ أن مصفحات النظام وطائراته لا تزال تقصف مناطق المقاتلين في أي وقت تريد مخلفة وراءها الدمار والإنقسامات’.
إتفاقيات هشة
وفي السياق نفسه يشير كوكبيرن إلى عمليات الحصار التي تقوم بها الحكومة على المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون بهدف تجويعها، وبعض المناطق مثل حي البرزة أصبح في جزء منه تحت سيطرة الحكومة بعد اتفاق عقدته مع المقاتلين داخل الحي.
وتظل هذه الإتفاقيات هشة لأن الشروط التي تشمل عليها مثل الإفراج عن الأسرى لن يتم الإلتزام بها، كما أن بعض المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون مثل دوما لديها كميات كبيرة من المواد الغذائية والمنتوجات بشكل يجعلها قادرة على الصمود طويلا تحت الحصار. وفي هذه المناطق التي يحدث فيها القتال تراجع عدد السكان لأقل من الثلث بسبب القتال المستمر فيه ولا توجد أي إشارات عن إمكانية عودتهم.
ومن هربوا من هذه المناطق يعيشون في ظروف مزرية في الأماكن العامة أو الشقق المزدحمة، وليس بعيدا في لبنان يقوم رجال أعمال بتأجير الخيمة مقابل مبلغ 200 دولار أمريكي عاش فيها البدو أو العمال الموسميين استخدموها قبل ذلك.
وبالمقارنة مع هذه الأوضاع تحاول الحكومة تقديم صورة عن استمرار الحياة العادية، فالخبز متوفر بكثرة وبأسعار مخففة وكذا الغاز والكاز. ولكن الحرب في كل مكان وتظهر من خلال الإختناقات المرورية المرعبة بسبب نقاط التفتيش.
والرحلة التي كانت تحتاج عشر دقائق أصبحت تستغرق ساعة. ولا تزال الحكومة تدفع رواتب الموظفين المدنيين ورواتب التقاعد. ورغم ارتفاع الأسعار في دمشق لكنها تظل أحسن من الناحية الأمنية من بغداد.
وقف إطلاق النار
ويرى الكاتب أنه من الصعب رؤية كيف سيتحقق وقف إطلاق النار والإشراف عليه بدون مراقبين من الأمم المتحدة الذين قد يقومون بدور الوسيط أو المرسال لتبادل المعلومات بين الطرفين.
ومن هنا يمكن إعادة إحياء خطة المبعوث الدولي الخاص السابق كوفي عنان التي تقدم بها عام 2012 حيث لعب المراقبون الدوليون دورا مهما في تخفيف العنف، والفرق الآن وهناك أن كل طرف كان يأمل بتحقيق انتصار عسكري حاسم وتعامل مع الهدنة على أنها خطة مؤقتة.
ويعتقد الكاتب أن أفضل ما يمكن تحقيقه هو وقف إطلاق للنار واتفاقيات هدنة مؤقتة ولكن يجب عدم تجاهلها. وينقل عن أكاديمي لبناني قوله إن الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990) شهدت ‘600 اتفاق وقف إطلاق نار، وقد يبدو الأمر سخيفا لكنها أنقذت حياة الكثيرين’.
الجهاديون
ويختم بالقول إن الحكومة السورية تحاول أن تبدو وكأنها في موقع قوي أكثر من المعارضة المسلحة، وتحاول دمشق استغلال مخاوف الحكومات الغربية والأمريكية من نجاحات الدولة الإسلامية وجبهة النصرة وكذا الجماعات الجهادية التي شكلت الجبهة الإسلامية، وعلى الرغم من إختلاف هذه الجماعات في الإسلوب إلا أنها تتفق في الرؤية العامة حول إقامة النظام الإسلامي.
وينقل عمن أسماه ‘مراقب مقرب’ عاد من مناطق الشمال التي يسيطر على معظمها المقاتلون ‘ تتحدث طويلا مع هؤلاء الجهاديين قبل أن تجد أن أحدا منهم لا يدعم هجمات 9/11 وأنها ضربة تستحقها الولايات المتحدة’.
ويقول إن محاولات الولايات المتحدة الحديث مع الجهاديين في سوريا خطوة لم يتم التفكير فيها جيدا خاصة أنهم هم من قتلوا سفيرها في بنغازي. وليس غريبا أن تحذر المؤسسات الأمنية من المتطوعين الأجانب في سوريا، فقد أعلن بيتر فاهي، رئيس جمعية ضباط الشرطة البريطانية أنه سيتم التحقيق مع أي بريطاني قاتل في سوريا لأنه لا يعرف ماذا تعلم هناك. وقال في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية ‘نحن قلقون من إمكانية تشددهم أو مشاركتهم في تدريبات إرهابية’.
وقال ‘لقد أوقفنا عددا منهم لأننا كنا واضحين حول ما سيحدث’. وقال متحدث باسم الشرطة البريطانية إن معظم الذين يسافرون لسوريا هم من الرجال وهناك قلة من المتطوعات. ووجهت الشرطة البريطانية الأسبوع الماضي أول اتهام لبريطانية عادت من سوريا. فقد تم اعتقال نوال مسعد في مطار هيثرو واتهمت بمحاولة تهريب 20 ألف يورو (27 ألف دولار) للمقاتلين في سوريا.
وفي السياق نفسه ألقي القبض على فتاتين في عمر السابعة عشرة من عمرهما وهما تحاولان السفر خارج بريطانيا وبعد التحقيق معهما أفرج عنهما بدون توجيه اتهامات.
ونقل عن متحدث باسم الشرطة قوله’ إهتمامنا يتركز على الأشخاص الذين يتدربون في معسكرات إرهابية أو يشاركون في القتال ويعودون لبريطانيين كإرهابيين، ويشكلون تهديدا محتملا لمصالح بريطانيا في الداخل والخارج’.
ويقدر عدد المتطوعين البريطانيين في سوريا بحوالي 500 شخص وهم جزء من آلاف من المتطوعين الأجانب على طرفي النزاع. وتتراوح تقديرات مراكز البحث والمحللين ولكن وكالة أنباء أسوشيتدبرس نقلت عن مصدر إسرائيلي ان عدد المقاتلين المرتبطين بالقاعدة يصل إلى 30 ألف مقاتل.
ونقلت عن مسؤول قوله إن الزيادة الحادة في عدد المقاتلين تجبر إسرائيل على إعادة التفكير في موقفها ‘الحيادي’ من الحرب.
ويقول التقرير إن العدد زاد من ألفين في بداية الحرب الأهلية إلى 30 ألف خلال العامين الماضيين. ويعني بالمقاتلين من يعتقدون بالجهاد العالمي أو استلهموا افكار القاعدة. وحذر المسؤول من أن وجود جهاديين في سوريا يمثل تهديدا على منطقة الشرق الأوسط، وزعم أن المقاتلين في سوريا يرغبون بتحويل بنادقهم نحو إسرائيل بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.
وقال ‘ بعد الأسد وبعد تثبيت أقدامهم في سوريا فسيتحركون ويوجهون جهودهم نحو إسرائيل’.
وأشار المسؤول إلى عمليتي إطلاق صواريخ من الحدود اللبنانية والتي نسبت للجماعات المتطرفة مع أن المحللين فسروا هذه الهجمات كمحاولة لاستفزاز إسرائيل لضرب مواقع حزب الله الذي يقاتل إلى جانب قوات الأسد.
وكانت إسرائيل قد تبنت سياسة ترك الطرفين في سوريا قتل بعضهما البعض مع أنها فضلت بقاء الأسد في السلطة على حكومة إسلاميين في دمشق، لكن ‘كلما استمرت الحرب في سوريا كلمات تدفق الجهاديون والراديكاليون لأراضيها’.
ويقول المسؤول إن موقف إسرائيل من نظام الأسد خاصة بعد استخدامه السلاح الكيميائي لم يتغير، ولكن هناك لقاءات سرية ووراء الستار تجري بين المسؤولين الإسرائيليين.
المجتمع الدولي
وفي افتتاحيتها قالت صحيفة ‘الأوبزيرفر’ إن المجتمع الدولي مسؤول في جزء عن الكارثة السورية، التي لعبت دورا في زعزعة استقرار المنطقة. وقالت إن علاقة المجتمع الدولي مع سوريا مفروش بالأخطاء.
وأشارت إلى فن المؤتمرات وإن كان نبيل الهدف لكنه عادة ما يعزز النزاع ويطيل أمد الصراع. وترى أن أهم قصور جنيف-2 هو عدم دعوته لإيران، فالحل الشامل لا يعني فقط التعامل مع الجماعات التي تعترف بها فقط بل مع كافة الأطراف.
وقالت إن روسيا التي تعتبر الطرف الثالث في الدعوة للمؤتمر لم تخفف من مساعداتها لنظام بشار الأسدـ بل زادت من شحن الأسلحة. وترى إن سوريا وليبيا هما من أكثر دول الربيع العربي قتامة.
وقارنت بين ثورات العالم العربي وبين عام الثورات عام 1848 وهي التي قضي عليها في عام واحد ولكن أثارها ظلت قائمة. وتقول إن سوريا تعيش حربا أهلية دموية وطويلة وأدت إلى عمليات لجوء وتشريد واسعة للدول الجارة لسوريا، وأشعلت حربا بالوكالة بين السنة والشيعة في المنطقة وأصبحت عاملا يفاقم العنف في كل من العراق ولبنان.
وترى الصحيفة أنه من المبكر الحكم على محادثات السلام في سويسرا، لكن الضرر على حياة السوريين قد حدث وكان كبيرا.
وانتقدت الصحيفة محاولات المجتمع الدولي لوقف العنف في سوريا التي شابها العجز الدائم، فباستثناء حالات بسيطة، مثل جهود الأخضر الإبراهيمي فقد تعامل المسؤولون الغربيون البارزون مع الأزمة السورية بطريقة متغطرسة وقامت جهودهم على الأماني (مثل هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة وويليام هيغ، وزير الخارجية البريطاني الحالي)، اللذان دفعا باتجاه الإعتراف بالمجلس الوطني السوري.