عاشت العاصمة الأمريكية، واشنطن فضيحة أصبحت تعرف بفضيحة سيغنال،حيث استخدم المسؤولون البارزون في إدارة الرئيس دونالد ترامب تطبيقا شعبيا مشفرا للتواصل فيما بينهم وتبادل الأخبار والأفكار حول الضربات الأمريكية على اليمن.
ولم يكن يعرف المسؤولون بمن فيهم مستشار الأمن القومي، مايك والتز أنه أضاف اسم محرر مجلة «ذي اتلانتك» جيفري غولدبيرغ إلى المجموعة. وهو الذي فجر المجموعة.
وقد تبادل المسؤولون بمن فيهم جي دي فانس ووزير الدفاع بيت هيغسث وعدد آخر، تفاصيل ضربة أمريكية على مواقع الحوثيين في اليمن، في 15 آذار/مارس.
وحاولت إدارة ترامب إدارة ألأزمة، أولا من خلال تبرئة المسؤولين المتورطين علنا وتعنيفهم سرا، حيث ذكرت مجلة «بوليتيكو»(28/3/2025) أن فريق نائب الرئيس فانس، اقترحوا عزل والتز من منصب مستشار الأمن القومي. فيما نقلت عن مسؤولين آخرين في تقرير آخر أن ترامب لم يصدق درجة الغباء التي وصل إليها والتز وتعامله مع أسرار أمن قومي، وخاصة معلومات قالت صحيفة «وول ستريت جورنال» (27/3/2025) انها جاءت من مصادر إسرائيلية حددت مسؤولا للصواريخ في الحركة الحوثية وتم التعريف به وبمكانه من خلال مصدر أمني على الأرض في اليمن. وتساءل الكثير من المعلقين عن سبب استخدام المسؤولين التطبيق المشفر، والذي طالما هاجمه المسؤولون الأمريكيون باعتباره محصورا في اهتمام المجرمين والإرهابيين، وهو ما تناوله تقرير في موقع «ذي انترسبت»(25/3/2025) حيث ذكر أن مدراء مكتب التحقيقات الفدرالي «أف بي آي» حاولوا وعلى مدى سنين نشر فكرة أن تطبيقات مثل سيغنال تعطي فرصة لكارتل المخدرات والإرهابيين للعمل في الظلام ودعوا إلى التدخل فيها ومن الباب الخلفي، والمفاجأة هي أن المسؤولين الأمريكيين البارزين هم من باتوا يستخدمون التطبيق، وقد اعترف مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف أمام لجنة في مجلس الشيوخ حضرتها معه مديرة المخابرات الوطنية تولسي غابارد ومدير أف بي آي كاش باتل بأنه طلب وضع التطبيق على كمبيوتره الخاص عندما دخل الوكالة وانه يستخدمه مثل بقية المسؤولين الآخرين. والمفارقة أن الإدارة التي تتفاخر بأنها تحاول القضاء على التسريبات وتجنب فترة ترامب الأولى في الحكم والتي اتسمت بالفوضى والتسريبات اليومية، وقعت ضحية أكاذيبها، ومن هنا كانت استراتيجية ترامب الدفاع عن فريقه الذي ارتكب أول خطأ فادح له منذ تولي الإدارة السلطة في كانون الثاني/يناير.
حارس السجن الإسرائيلي
والأهم من ذلك، لم يكن غضب ترامب من التسريبات، ولكن فكرة أن مستشاره للأمن القومي تعامل مع مجلة يمقتها ويكره مدير تحريرها غولدبيرغ، وهي المجلة التي كتب على منصته «تروث سوشيال» بأنها من «الدرجة الثالثة» وأنه رفض طلبا لإجراء المقابلة. وتذكر الكثير من المعلقين تصرف ترامب وأنصاره في فضيحة استخدام هيلاري كلينتون برنامجا خاصا بها للتعامل مع شؤون الدولة، واعتبروها كشفا للأسرار. ولعل كشف ويكليكس في حينه عن هذه المعلومات كان واحدا من أسباب خسارة كلينتون السباق أمام ترامب في عام 2016. واشتكى غولدبيرغ، الذي يتهمه اليسار بالعداء المستحكم لإيران ودعم إسرائيل القوي وبخاصة أنه خدم في الجيش الإسرائيلي، من المعاملة التي عومل فيها كما قال لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» والتي أكد فيها معرفته بوالتز الذي نفى أنه يعرفه وأنه التقاه وان ضمه للمجموعة كان عن طريق الخطأ.
وأشارت صحيفة «الغارديان» (27/3/2025) إلى تاريخ غولدبيرغ وتركه دراسته في جامعة بنسلفانيا ثم هجرته لإسرائيل، حيث خدم في الجيش الإسرائيلي كحارس لسجن اعتقل فيه فلسطينيون في الفترة ما بين الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي. وأشارت إلى موقفه الصقوري من إيران وتقاريره في مجلة «نيويوركر» بداية القرن الحالي بشأن الخطر الذي يمثله صدام حسين، الرئيس العراقي السابق، وضرب المفاعل النووي الإيراني. ولأن الرئيس باراك أوباما منحه في أثناء ولايته خمسة لقاءات، فهذا بالضرورة واحد من أسباب كراهية ترامب له، إلى جانب دعم مجلة «ذي أتلانتك» لعزله في عنوان واضح وصريح.
والمشكلة في محاولة إدارة ترامب تغطية عورتها أنها أخفت الحقيقة بشأن حربها في اليمن وإن كانت الغارات التي تشنها ضد الحوثيين وإمطار المقاتلات الأمريكية المدن والبلدات اليمنية بالحمم والقنابل ستؤدي إلى إضعاف الحوثيين. وهو ما شكك به الكثير من المعلقين، ففي تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» (27/3/2025) جاء فيه أن الضربات الجوية قد تضعف الحوثيين لكنها لن تهزمهم، فقلة من الحروب تم فيها الانتصار بالحروب الجوية، وكان على أمريكا غزو العراق لكي تسقط صدام حسين، بعد ضربات «الصدمة والترويع» عام 2003. وإذا كان هدف ترامب من ضرب اليمن هو تأمين البحر الأحمر، فإن شركات الشحن البحري لن تعود إليه في ظل الظروف الحالية، كما أنها تكيفت مع الخط البديل الذي تسير به منذ بداية استهداف الحوثيين للسفن الإسرائيلية أو تلك المرتبطة بها في تشرين الثاني/نوفمبر 2023.
ونقلت الصحيفة عن خبير في كلية الحرب البحرية في رود أيلاند قوله: «عليك السيطرة على المنطقة لتحقيق النصر». وذكرت صحيفة «واشنطن بوست» (26/3/2025) بأن الحروب السياسية في واشنطن للتعامل مع تداعيات الفضيحة تعمي المسؤولين عن الواقع المعقد في اليمن، فرغم الحملات التي شنتها إدارة بايدن ضد الحوثيين وبتحالف دولي إلا أن الحركة زادت من قوتها، كما خرجت قوية من حرب مع تحالف سعودي- إماراتي استمرت لأكثر من ثماني سنوات. وذكر آخرون بتاريخ اليمن وان الغزاة له لا ينجحون بكسر شوكته. ولا يزال الأتراك يتذكرون بحزن خسائرهم على مدى أربعة قرون في اليمن وأن «الذاهب لن يعود» منه. وقد حذرت مجلة «إيكونوميست» (20/3/2025) من أن الغارات التي تحاول فيها أمريكا إرسال رسالة لإيران قد تؤدي إلى حرب إقليمية وربما طالت حلفاء أمريكا بالمنطقة وليس إسرائيل فقط. وأشار محمد بازي، من جامعة نيويورك في مقال بصحيفة «الغارديان» (27/3/2025) إلى نفس الموضوع وتساءل عن سبب استهداف ترامب لليمن؟ مشيرا إلى ان خمسة رؤساء أمريكيين متتابعين، من جورج دبليو بوش وباراك أوباما وترامب في لايته الأولى وجو بايدن وترامب في ولايته الثانية أمروا بشن هجمات ضد اليمن، الذي يعتبر من أفقر الدول في الشرق الأوسط. وواصلوا جميعا سياسة فاشلة تقوم على الغارات الجوية ومكافحة الإرهاب ودعم الديكتاتوريين. وعلى الرغم من تصوير ترامب لنفسه بأنه «مرشح السلام» إلا أنه راغب على ما يبدو بمواصلة أخطاء أسلافه. وأكد بازي أن الأمر لا يتعلق فقط بمواجهة الحوثيين وتهديدهم للملاحة البحرية، بل والتعامل مع دافعهم الحقيقي، وهو التضامن مع غزة. وقد تجاهل بايدن ولأكثر من عام ونصف المناشدات للضغط على رئيس الوزراء الإسرائيلي وقف الحرب في غزة وقبول وقف إطلاق النار، مقابل إفراج الحركة عن الأسرى الإسرائيليين لديها. وأشار إلى أن بايدن فشل بتأمين تحالف دولي ضد الحوثيين لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، بل وعلى العكس، منح الحوثيين شريان حياة بحيث عززوا من مكانتهم في اليمن، حيث كانوا يخسرون شعبيتهم وكذا في العالم العربي، لوقوفهم مع غزة. وفي التسريب الذي كشف عنه الأسبوع الماضي، أظهر المسؤولون البارزون في الإدارة احتقارهم لأوروبا، وكان فانس واضحا عندما قال إنه لا يريد إنقاذ أوروبا. وبدا المشاركون بمن فيهم وزير الخارجية ماركو روبيو على استعداد لتكرار أخطاء الإدارة السابق. ورفضوا التعامل مع الحوثيين بناء على تعهدهم وأنهم سيوقفون الهجمات ضد السفن وإسرائيل إلا في حالة توقف الحرب في غزة. وبدلا من ذلك تواصل المؤسسة الأمنية ضرب اليمن كما فعلت أمريكا منذ عقود، على أمل الحصول على نتيجة مختلفة.
وما يدور في ذهن روبيو، ليس مشكلة التسريبات واليمن، فالدبلوماسي الأمريكي الأبرز يخوض معركته الخاصة ضد «المجانين» (كما يطلق عليهم) الذين شاركوا في تظاهرات الجامعات المؤيدة لفلسطين وبعضهم من حملة التأشيرات الدائمة. وقد تفاخر روبيو بأنه ألغى 300 تأشيرة أو أكثر لطلاب وأكاديميين ومقيمين بطريقة شرعية في أمريكا مثل الناشط الفلسطيني محمود خليل الذي لا يزال محتجزا في لويزيانا.
وقالت صحيفة «نيويورك تايمز»(28/3/2025) إن روبيو ومنذ توليه منصب وزير الخارجية في كانون الثاني/يناير يوقع يوميا على رسائل يلغي فيها التأشيرات. وقال: «لا أعرف إن كانت تأشيرات الطلاب هي السبب الرئيسي. إنها مزيج من التأشيرات. إنهم زوار للبلاد، إذا قاموا بأنشطة تتعارض مع مصالحنا الخارجية أو مصالحنا الوطنية أو سياستنا الخارجية، فسنلغي التأشيرة». وأضاف أنه راجع كل حالة بنفسه قبل الموافقة على الإجراءات التي سيتخذها موظفو الهجرة. وقال روبيو إن حامل التأشيرة المتهم بارتكاب جريمة أثناء وجوده في الولايات المتحدة يجب أن يفقد تأشيرته تلقائيا. كما أنه يطرد المقيمين الدائمين في الولايات المتحدة بتجريدهم من بطاقات الإقامة الدائمة. ولكنه رفض الحديث عن الطريقة التي توصل فيها لقراراته قائلا: «لن نتحدث عن الإجراءات التي قمنا من خلالها بتحديدها لأننا نبحث كما هو واضح عن آخرين». ويعتبر روبيو من أبرز المسؤولين في إدارة ترامب المنخرطين في عمليات الترحيل، حيث توصل في منتصف آذار/مارس لاتفاق مع رئيس السلفادور نايب بقيلي لاستقبال طائرات أمريكية تقل ما لا يقل عن 200 شخص وسجنهم في سجونه المعروفة. ويقول محامو المرحلين، ومعظمهم من فنزويلا، إن بعضهم فر من نظام نيكولاس مادورو القمعي ولا علاقة لهم بالإجرام، لكن الحكومة الأمريكية تقوم من خلال وزارة الهجرة والجمارك بتجميعهم بدون منحهم إجراءات قانونية. كما طلب روبيو من وزارة الأمن الداخلي احتجاز الطلاب أو الخريجين الجدد لترحيلهم بسبب ما أسماه معارضتهم للسياسة الخارجية الأمريكية. وفي مؤتمر صحافي يوم الخميس بجورج تاون، عاصمة غويانا قال إنه ألغى تأشيرة الدراسة لطالبة دكتوراه في جامعة تافتس وحاصلة على منحة فولبرايت من تركيا. وكانت روميسا أوزتيرك واحدة من عدة مؤلفين لمقال نشر في صحيفة طلابية العام الماضي يدعو إلى دعم الجامعة لحقوق الفلسطينيين وسحب الاستثمارات من إسرائيل. وقام ستة عملاء فدراليين يرتدون أقنعة وملابس سوداء بالقبض على الطالبة في شارع خارج منزلها بسمرفيل، ماساتشوستس. وقد تم تداول شريط الفيديو لاعتقالها بشكل واسع.
وقال روبيو إنه وقع أمرا بتجريد خليل المولود في سوريا، خريج جامعة كولومبيا من إقامته الدائمة إلى جانب يونيسو تشانغ، المولودة في كوريا الجنوبية من إقامتهما الدائمة. ولم يقدم روبيو أية تفاصيل حول الحالات التي ألغى فيها تأشيرات وإقامات دائمة، ولكنه وصف الأشخاص بانهم نشطاء لعبوا دورا في تخريب البنايات والمشاركة في تظاهرات.
ويقول النقاد إن تصرفات ترامب وروبيو لا تختلف عن الأنظمة الديكتاتورية. وقد سئل روبيو إن كان من حق مسؤولي الحزب الشيوعي الصيني والسلطات في هونغ حرمان أجانب من تأشيراتهم لمجرد مشاركتهم في تظاهرات مؤيدة للديمقراطية عام 2019، والتي دعمها عندما كان سناتورا عن فلوريدا، فرد أن كل دولة في العالم لها الحق بحرمان أي شخص من التأشيرة «هذا ببساطة، وهذه حقيقة، أحببت أم كرهت، يستطيعون سحب التأشيرات».
الحرب على الجامعات
ورغم محاولة إدارة ترامب تصوير الحملة ضد مؤيدي فلسطين باعتبارها قضية هجرة وليست أمرا يتعلق بحرية التعبير المضمونة في التعديل الأول للدستور الأمريكي، إلا أنه حتى المسؤولين السابقين في وزارة الأمن الداخلي يرون ان المشاركة في تظاهرة لا تعد أمرا يعاقب الشخص عليه بسحب إقامته أو تأشيرته الطلابية. وهو ما أشارت إليه صحيفة «نيويورك تايمز»(27/3/2025) بمقال تناولت فيه معاملة العملاء لأوزتيرك، 30 عاما التي كانت في طريقها لتناول الإفطار مع أصدقائها. وبينما كانوا ينزعون عنها حقيبة ظهرها ويقيدونها بالأصفاد، أطلقت الطالبة المذعورة صرخة. وأوضح أحد الضباط: «نحن الشرطة». وقال إن نقاد الإدارة يرون أن السياح والطلاب الأجانب وغيرهم من المهاجرين الشرعيين يتعرضون لأساليب اعتقال عدوانية مخصصة عادة للمشتبه بهم جنائيا. فقد تم تجميعهم من قبل فرق من العملاء الملثمين الذين يرتدون أقنعة، مربوطين بقيود بلاستيكية ومحشورين في مركبات غير مميزة. ونقلت الصحيفة عن مسؤولة سابقة معلقة على حالة أوزتيرك: «اعتقد أن هذا انتهاك للتعديل الأول للدستور» و«لدى إدارة الهجرة والجمارك سياسة واضحة تقول إن نشاطات تقوم على التعديل الأول للدستور يجب ألا تكون أساسا لإنفاذ القانون، وهذا سبب عدم إنفاذه». ويبدو أن تهمة التعاطف مع حماس والتورط بنشاطات داعمة للإرهاب أصبحت الطريق الأسهل لدى مسؤولي إدارة ترامب لتبرير هذه الإجراءات القمعية. ويتماهى خطاب المسؤولين مع الجماعات المؤيدة لإسرائيل والتي كشف عن قيامها بتجميع أسماء وقوائم لناشطين ترسلها إلى مسؤولي إدارة ترامب. فالتأشيرة والإقامة ليست حقا ولكن امتيازا يمكن سحبه في أي وقت. وقالت فانيسا كارديناس، المديرة التنفيذية لمنظمة «صوت أمريكا» للدفاع عن المهاجرين، إن صور عملاء الهجرة الملثمين المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي تشبه الحكومات الاستبدادية التي فر منها الكثير من المهاجرين إلى الولايات المتحدة. وقالت: «لا أصدق أن هذا ما تفعله بلادنا الآن». ومع ذلك، بدلا من محاولة التقليل من شأن هذه الأساليب العدوانية، احتفى بها البيت الأبيض ومسؤولو الهجرة من خلال محاولة تحويل صور إنفاذ القانون إلى ترحيل. ونشر البيت الأبيض يوم الخميس صورةً كاريكاتوريةً لامرأة مكبلة اليدين تبكي، في استهزاء واضحٍ بمحتجز زعم مسؤولو دائرة الهجرة والجمارك الأمريكية أنه يتاجر بالفنتانيل أُلقي القبض عليه في فيلادلفيا. وهو نفس التصرف بعد اعتقال خليل حيث وضع البيت الأبيض منشورا «شالوم محمود»، أي مع السلامة.
موجة دولية
ورأى إيشان ثارور أن حملات الاعتقال وتجريد مقيمين شرعيين في الولايات المتحدة يعكس موجة دولية تقوم من خلال الأنظمة الديكتاتورية حول العالم من هنغاريا والهند إلى تركيا بمحاولة السيطرة على الجامعات. وفي مقال نشرته «واشنطن بوست» (28/3/2025) قالت فيه لا يوجد دليل واضح على أن أوزتيرك «تدعم الإرهابيين»، إلا إذا كنت تعتقد أن التعبير عن أي شكل من أشكال التضامن مع الفلسطينيين أو انتقاد إسرائيل يعد دعما لحماس. ويقول إن مهاجمة الناشطين هو جزء من هجوم إدارة ترامب على الجامعات الأمريكية التي ظلت مركزا لتظلمات اليمين المتطرف. وقد ركعت جامعة كولومبيا التي استقالت مديرتها المؤقتة كاترينا أرمسترونغ، بعد موافقتها على مطالب إدارة ترامب بمنع اللثام والكوفية والتظاهرات والسماح للشرطة باعتقال الطلاب المشاركين ومساءلتهم ووضع قسم دراسات الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا تحت الحراسة، مقابل استعادة الدعم الفدرالي الذي علقته الإدارة. ويرى أن الضغوط على جامعة كولومبيا والجامعات الأخرى التي سارعت وألغت برامج المساواة والشمولية والتنوع من برامجها، وتمثل بإعلان جامعة شيكاعو عن برامج من هذا النوع، رغم الملايين التي أنفقت، لن تتوقف عند هذا الحد، وستترك أثرا مخيفا على الإدارات والطلاب الأجانب الذين سيمارسون الرقابة الذاتية والباحثين الذين بدأوا بالنظر للعمل في جامعات غير أمريكية، مثل جيسون ستانلي، الفيلسوف في جامعة ييل ومؤلف كتاب «كيف تعمل الفاشية: سياسة الولايات المتحدة وسياستهم» (2018) بأنه قبل وظيفة للعمل في جامعة تورنتو بكندا. وبرر انتقاله بأنه «يريد تربية أولاده في بلد لا ينحرف نحو الديكتاتورية الفاشية». وفي مقابلة مع صحيفة «الغارديان» قال فيها إن «كولومبيا كانت فقط تحذيرا» و«قد شعرت بقلق بالغ لأنني لم أر رد فعل قويا بما يكفي في الجامعات الأخرى للوقوف إلى جانب كولومبيا. أرى جامعة ييل تحاول ألا تكون هدفا. وهذه استراتيجية خاسرة». وأضاف أن قمع حرية التعبير بين الطلاب الأجانب ليس سوى خطوة أولى: «إذا لم تستطع التعبير بصوت عالٍ وأنت لست مواطنا أمريكيا، فمتى سيلاحقون المواطنين الأمريكيين؟ إنه أمر لا مفر منه». وهذا يذكرنا بمقال كتبه المؤرخ الفلسطيني رشيد الخالدي في صحيفة «الغارديان» (25/3/2025) وصف فيه جامعة كولومبيا بأنها كانت دائما تدار كإمبراطورية مالية وليس كمؤسسة تعليمية، واليوم «تتصرف كفيشي على نهر هدسون»، في إشارة إلى حكومة فيشي الموالية للنازية في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية.
وقال موضحا السبب الحقيقي وراء الهجوم على الجماعات بأنه: «لم يكن الأمر أبدا عن اقتلاع معاداة السامية، بل كان دائما عن إسكات فلسطين. وكان هذا ما سيقود إليه تكميم أفواه الطلاب المحتجين، والآن تكميم أفواه أعضاء الهيئة التدريسية. ورغم استياء مؤيدي المذبحة الجماعية الإسرائيلية – الأمريكية في غزة من احتجاجاتهم، فإن أعدادا كبيرة من الطلاب الذين انتهكت حقوقهم في حرية التعبير عبر عقوبات قاسية كانوا يهودا». وقال الخالدي إن الجامعات الأمريكية تقترب من وضع يشبه وضع الجامعات التشيلية في عهد بينوشيه، حيث حظرت الأفكار والكتب وطردت الطلاب واعتقلتهم. وتم الاستيلاء على الأقسام وفصل أعضاء هيئة التدريس والموظفين، بأوامر من حكومة استبدادية.
ويعلق الخالدي قائلا: «علينا أن لا نحزن لما آلت إليه كولومبيا، فمها كانت عظيمة، فهذا الأمر ليس جديدا».