بين قبرين في حديقتها المنزلية: المدينة الشهيدة التي لا تزال شمسها معلقة في السقف

حجم الخط
0

فاروق يوسف

لها أصبع في الزاوية. زاوية الدرس وزاوية الروح. ولها عبارتان تبدأ ان بحرف الشين: ‘شكو ماكو’ و’شعليه’ تجيب عليهما بتواضع مرير. لا السؤال نفع في القبض على الحقيقة ولا الرغبة في التخلي وهبت قدميها أمتارا للهرب. التاريخ يتألم وهو يرقد مستكينا مثل يوسف في بئر، هجرت القوافل الدرب الذي يمر بها. لا ينفعها اليوم ان تقتفي أثرا عابرا من اجل الخروج من متاهة أيامها. لقد رصف الغرباء حجرا على حجر لتصل صيحتها إلى فراغ المادة الصامتة. هناك في المبنى، لا أحد. في القلعة يدور العرافون حول نجمة ضلت الطريق إلى مجرتها. في الفلاة يمحق الريفي قدميه من أجل نبتة ضالة. ربما الأخضر يجدي ولو كان طارئا. يحق لك أن تهجي الريح. يحق لك أن تفقأي عين الثور. نسوك على طاولة التشريح. لم يقل أحد لنا أن هناك فسفورا أبيض، هو اللقية الوحيدة التي تتكافأ مع رغبتك في الهذيان. أيتها الصديقة، صورتك على القمر.

بين قبرين، في الحديقة المنزلية، بقايا الأثاث النباتي، كنت أبكي. ‘لدي ما أفعله’ تقول الصبية. أرمم مصحفا بالقلم الرصاص وبالرسم العثماني. ينصت عثمان خائفا إلى وقع الخطى الليلة. لا حرس ولا صحابة ولا فقهاء. لقد تخلى الجمع عنه. ‘هل لديك فكرة عن المدرسة؟’ لا يزال المعلم يخط السطر الاول من القراءة الخلدونية على اللوح الأسود ولا يزال الاطفال يكتبون ذلك السطر على الصفحة الأولى من دفاترهم. لم ينفد الطبشور في يد المعلم ولا الرصاص في أقلام الطلاب ولا انتهى السطر. ثماني سنوات مرت ولم يصل أحد منهم إلى نهاية السطر. دار دور نار نور نار دور دار نور. لا غروب ولا شروق هناك. في قاعة الدرس هنالك شمس معلقة في السقف وعلى وجه المعلم رسم دافنشي ابتسامة الموناليزا. في الحديقة المنزلية، بين صفصافتين قبر وحيد.

في الحديقة المنزلية كنت أسعى مثل أبن كان إلى وقت قريب ينظر من النافذة إلى الافق. لم ير علاوي ولا بوش ولا ابن خلدون ولا الرازي ولا مقتدى ولا سور الصين. كانت مياه الحبانية ترق وتشف عن ملاكين أعرجين. تعبر الجسر لتلقى مصرعك أو تذهب إلى الله عاريا بجثة نبي. أبي يا أبي. لمَ كل هذا الضياع؟ سنحفر بملاعق الطعام خندقا لنكون الانصار والمهاجرين معا. في لقاء الطوائف العربية سيمحو الخبراء ذلك الخندق من الخارطة. هنالك ذئب يعوي في بادية الشام. هنالك ديك يمشي بثقة في صحراء الربع الخالي. مَن رأى ديكا هناك فليعبده؟ يقول ابن خلدون وهو عدو الاعراب. الفسفور الابيض وحده ما يليق بنا.

العظم وحده يسلم. يكفي العظم اما اللحم فغذاء للديدان. نذهب الى الله هياكل عظمية. فكرة عن الخلق سيكون لها أثر عظيم في الانتقال إلى تصنيع جيل جديد من البشر. بشر لا تمحوهم الكيمياء. هل قرأت شيئا عن ماء النار؟ تراب للهواء أوهواء للتراب، لا فرق. العناصرنفسها تلوي عنقها لتسحر البيئة بعنفوان أبجديتها. عناصر للبقر وللبشر وللحجر. الفلوجة إن صامت فلن تفطر إلا على صوت مدفع خيالي.

تتغذى على الفجر، هناك شمس من لحم الضباع الصغيرة. تركتها الصورة هناك. بقعة الدم المتخثرة بين اسنان طفل يضحك. العلكة على العين ووتر زرياب الفائض عن غناء السلفيين. ثياب الامبراطور الذي نزل إلى النهرعاريا. غين الراء وزاي الضاد وهلاك المعنى في التقية التي ابتذلت حتى صارت نفاقا. سامحينا سيدتي. كان هناك جسر لم نعبره، لقد تعثرت أقدامنا بالقبور الصغيرة. أطفال كثيرون سقطوا قبل أن يصلوا إلى البحيرة. قال المراسلون ان مآذنك لم تكف عن الكلام، حتى بعد أن تشظت على الارض. مشت جملتك نضرة وصارت كلما لمست جدارا ارتعش وكلما داست على نبتة يابسة دبت الخضرة في عروقها. الله أكبر من أجل يد بأصبعين وفم من غير لسان وعينين لن تريا إلا أشجار الجنة. سأكلم الخادمة لكي ترعى أطفالا خرافيين ولدوا في لحظة خطأ.

سأكلم الالهة لكي تعيد النظر في صلاتها التي لن تصل إليها إلا مدماة.

أقع مع الفسفور الأبيض لأفسد الأرض والسماء معا. أخلط الماء بالزئبق وأشهق بالفضيحة. هناك سلام وحيد من أجلك ومن أجل العالم: أن نرى القتلة في الاقفاص. لقد رأوا ال(لا) فلم تعجبهم حين شقت الطريق إلى عيونهم فصار لزاما على البشرية من أجل أطفالها القادمين أن تنصت إلى (لا) أطفالك الميتين. هيروشيما تقبل قدميك وغورنيكا تقف منحنية حين تمرين. لن تكون المحكمة طويلة ولن تتعبي. لن تري قتلتك. سيكون بينك وبينهم سد من الرؤى، سد من الكلام. ‘لقد أخطأت أيتها السيدة إذ تأخرت في الحضور’ ولكن العراقيين كلهم علاوي. قتلوك وهم اليوم يبكون. يا ليتنا كنا معكم لنفوز فوزا عظيما. قالها نفر منهم للحسين. وحين قتلت لم يكن هناك منهم أحد. كان علاوي يشبع عينيه جمالا والزرقة تخضب عيني مكية. ولكن الله لن ينظر إلى علاوي.

سيربح العراق علاوي ويرتاح الله من العراق. القاتل علماني ولديه فضة الجمع بين الطائفتين اللتين سيفصل بينهما ذهب الحرب الاهلية، حينها يكون العلماني أقل أذى من صاحبه الشيعي الذي لا يرق قلبه لمقتل السنة في الفلوجة. ما الفرق إذاً؟ علمانيون عثمانيون فرس في هيأة روم واباطرة مسيحيون يصنعون من البابا نوعا من البراق الخشبي. كان بوش في الفلوجة زعيم عصابة مسيحية هي من بقايا الحملات الصليبية. مَن كان القاتل؟ في الحديقة المنزلية لا احد يسأل. بين صفصافتين ما من مآذنة. كان الله هناك وحده كعادته يبتسم.

تجيب الفلوجة اليوم على كل الاسئلة. ما من شيء تخشاه. بعد ثمان سنوات لا يزال السطر الأول من الدرس لم يكتمل. دار دور نار نور. لم يغادر الطلبة مدرستهم ولم يذهب المعلم إلى بيته. لا تزال في فمه كلمات لم يقلها بعد. غير أن الصيحة شلته فصار يكرر جملة وحيدة، هي السطر الأول من الدرس. ‘أمتني لتحييني’ لن يقولها بوش ولا علاوي ولا سدنة القبور في الرياض المتخيلة. هناك شوق للموت الأنيق هو ما جعل بلدة صغيرة مثل الفلوجة تتورط في نزاع طويل الأمد مع امبراطورية مثل أمريكا، يقال أاها لا تزال في عز شبابها. كانت الفلوجة على خطأ في تقديراتها. بكل تأكيد. هذه المرة لن تنسى المها. متر، متران، عشرة أمتار تبعدها عن الله. ستقول الحقيقة من أجلنا. من أجل بشرية لن ترى في العمى عاهة. في الاغنية الناقصة بلاهة عيش. من أجل لا تضيع الطاسة، ثُقبت فصارت لها اذن تسمع بها وفؤاد يغرزها مثل ابرة في نسيج التأوهات. الفلوجة عارنا الذي كلما أدرنا له الظهور غمرت مياه مستنقعاته الآسنة أقدامنا. سنمشي على أرض لزجة وستأكل الحشرات عروقنا. سيلتهمنا الملح ويمشي بنا الموتى إلى المدرسة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية