القاهرة ـ «القدس العربي»: ريشار جاكمون مُستعرب وأكاديمي فرنسي، يُدرّس اللغة العربية المعاصرة في جامعة (أكس أون بروفانس) الفرنسية، كما ترجم العديد من الروايات العربية، خاصة المصرية إلى الفرنسية. وبمناسبة إصدار طبعة ثانية من كتابه المهم (بين كَتَبَة وكُتّاب.. الحقل الأدبي في مصر المعاصرة) عن دار (صفصافة) للنشر في معرض القاهرة الحالي، أقيمت ندوة في المركز الثقافي الفرنسي في القاهرة، لمناقشة بعض أفكار الكتاب، والجديد الذي تمت إضافته. يُذكر أن الكتاب صدرت طبعته الأولى عام 2004 عن دار المستقبل العربي، التي توقفت إصداراتها منذ فترة، ويعد الإصدار الجديد نسخة منقحة ومُزيّدة، وقد ضمت دراستين جديدتين، ومقدمة جديدة توضح السياق الأدبي الجديد المختلف تماماً عن وقت صدور الطبعة الأولى. قام بترجمة المتن المترجم الراحل بشير السباعي، كما قام المترجم عبد الرحيم يوسف بترجمة الفصلين الجديدين عن الإنكليزية، وكتبت المقدمة الأكاديمية شيرين أبو النجا.
كَتَبَة وكُتّاب.. العنوان ودلالته
بالسؤال عن المفارقة في العنوان، وأنه يحمل تصنيفاً ما لنوعين أو شكلين من الكتابة، أوضح ريشار جاكمون أن الكتاب في الأصل هو رسالته لنيل درجة الدكتوراه، وقد جاء إلى مصر في عام 1983 لدراسة اللغة العربية أولاً، واستقر بها منذ 1988 وحتى 1995، وهي تعد فترة تأسيسية لعلاقته بالكُتّاب والمترجمين والمثقفين المصريين بشكل عام، وكانت هذه الرؤية هي التي ساعدت على الكتابة في الموضوع، فكانت وجهة النظر تتلخص في معالجة الأدب العربي ـ المصري خاصة ـ ليس من خلال قراءة النصوص، لكن عبر التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي لصُنّاع هذه الكتب والمؤلفات، فاستقراء هذا التاريخ هو المفتاح لفهم هذه النصوص، دون الاقتصار على القراءة الداخلية للنصوص كحالة قائمة بذاتها.
ويعود سؤال الكتاب إلى أيام النهضة حتى آواخر القرن الفائت، وبالتالي تحليل علاقة الأديب بالمؤسسة ـ الدولة وأجهزتها ـ فمنذ أول النهضة حتى نهاية الألفية كانت النخبة الثقافية (المثقفون) معظمهم على علاقة بأجهزة الدولة بشكل أو بآخر، حيث مشروعهم مرتبط بالنهوض بهذه الدولة، في محاولة لخلق تجربة تحديثية بعيداً عن النخبة القديمة التي بنت مشروعها على الدين والثقافة الدينية، لنجد قضية كتاب (في الشعر الجاهلي) لطه حسين، التي تمثل الصراع بين الطربوش والعمامة.
بين هويتين
ويضيف جاكمون.. هذه الترجمة التحديثية استوحت نموذجها من الخارج ـ الكاتب الأوروبي ـ متجسدة في رومانسية القرن الـ19، والبحث عن الحرية، بمعنى الفكاك من قيود المجتمع ومؤسساته، دينية واجتماعية وسياسية، ومن هنا نصل إلى دلالة العنوان (بين كَتَبَة وكُتّاب) حيث تنتمي كلمة (كَتَبَة) إلى الماضي القديم، وهي المهمة التي كان يقوم بها ما يُشبه سكرتير الحاكم، وكانت كلمة أديب عبارة عن وظيفة في الدولة، تحمل مفهومها السياسي والأخلاقي ـ الأدب ـ بخلاف (الكُتّاب) وهم أتباع تيار التحديث. ولا يمكن أن نجد إلا التأرجح بين المفهومين لدى معظم الأدباء، لذا جاءت كلمة (بين) في بداية العنوان لتوضح مثل هذه الإشكالية. فالجميع تعامل مع الهويتين طوال تاريخهم ـ إلا في تجارب قليلة ـ فنجيب محفوظ نفسه تفاوض بين الهويتين، بخلاف صنع الله إبراهيم، الذي ابتعد تماماً عن أي وظيفة حكومية، أو أي علاقة مع مؤسسات الدولة، واقتصر على الكتابة الحرّة، هذا الموقف الذي اتضح في رفضه جائزة وزارة الثقافة المصرية (مُلتقى الرواية العربية) في 2003. تناسى جاكمون إصدار رواية «شرف» لصنع الله إبراهيم عام 1997، تبع إصدارات (دار الهلال) وهي مؤسسة حكومية، ربما للإيحاء بهامش الحرية المزعوم وقتها.

ريشار جاكمون والناشر محمد البعلي في جانب من الندوة
ظاهرة البيست سيلر
تمت مناقشة هذه القضية في أحد الفصلين المضافين للكتاب، وبما أن (الكتاب) طوال الوقت عبارة عن سلعة، إلا أن ظاهرة (البيست سيلر) ظهرت في مصر بعد سنوات قليلة من الألفية الجديدة، واستفحلت مع السوشيال ميديا، وظهور وسائط مختلفة وأجيال أصغر سناً، وبالتالي تجاوزت فكرة النخب الثقافية المعهودة. ويوضح جاكمون هذه الظاهرة واختلافها عما كان سائداً، بأن هدف الكاتب في السابق هو الحصول على موارد الدولة وليس السوق، وهو ما يظهر في الوظائف، الجوائز، مِنح التفرغ، وهكذا. وهو بدوره ما شكّل الجماعات الأدبية ـ ليس الأجيال ـ كالستينيات والسبعينيات وما شابه، كحالة من حالات التكتلات في مواجهة الكتاب الكبار أصحاب الموارد. أما الآن وفي ظل سياسات السوق، فقد اختفت التكتلات وظهرت الفردانية، وعلى كل كاتب أن يبحث له عن موقع قدم بمعنى.. «كل واحد وشطارته». وهو ما يبدو في الإصدارات الجديدة.. الرعب، الجريمة، الرومانسية، وبالتالي تلاشت فكرة (الجماعة الأدبية) والصوت المشترك، الذي كان يميزها. مع ملاحظة أن الظاهرة بدأت مع رواية «عمارة يعقوبيان» لعلاء الأسواني، كما استحدثت مكتبة (ديوان) فكرة حفلات التوقيع، التي أصبحت عادة مُصاحبة لكل إصدار جديد، وهي طريقة أخرى من طرق التسويق الحديثة.
الأنواع المنتشرة المُهمّشة
ويستكمل جاكمون فكرته من خلال الكتابات المُهمّشة، حيث أعطى بعض النقاد والأدباء لبعضهم بعضا الحق في أن يطلقوا على أنفسهم (كُتّاب) بينما الخارجون عنهم لا يستحقون ذلك، فتم استبعاد ما يُقارب 90% من الإنتاج الأدبي المصري. ولنأخذ حالة الكاتب خليل حنا تادرس الذي كان يُمثل ظاهرة (البيست سيلر) وقتها، والذي راجت كتبه بشكل لافت، حتى إنه استغنى عن الوظيفة، وأسس داراً للنشر، وأصبح يقوم بنشر كتبه بنفسه، فجمهوره العريض شجعه على القيام بهذه الخطوة الخطرة، على العكس مما تدّعيه النخبة الثقافية بأن هناك قطيعة من القرّاء مع هذه الأشكال الأدبية الاستهلاكية.
الجوائز ودورها كنفوذ ثقافي
تنوعت الجوائز بدورها واختلفت، من جوائز الدولة، وإدخال المثقفين حظيرتها، وفق مفهوم وزير الثقافة السابق فاروق حسني ورفاقه من كهنة الثقافة المصرية، ثم أصبحت الآن جوائز رجال الأعمال والأسر الحاكمة في الدول العربية، لدعم أشكال معينة من الكتابة، والهيمنة بشكل أو بآخر لتأسيس نفوذ ثقافي، وبينما كان النوع الأول يمثل هيمنة الدولة على الموارد الثقافية والأدبية، بينما النوع الآخر ينفي ذلك تماماً. فالجوائز أصبحت عاملا رئيسيا في تسويق الكتاب، إضافة إلى أن الجائزة في بعض الأحيان تكون السبيل إلى ترجمة الكتاب، وبالتالي تدويل الأدب العربي على المستوى الإقليمي والعالمي، في ما يُسمى بـ(بورصة الكتب).
حالة نجيب محفوظ
ويبدو أن نجيب محفوظ دوماً محل أسئلة لا تنتهي، وهنا كان السؤال عن موقفه، كنموذج عن علاقة الكاتب بالمؤسسة، وتحديد هويته الأدبية، خاصة أن علاقته مُلتبسة بالسلطة، وهو الموظف المسؤول في وزارة الثقافة ــ مدير رقابة المصنفات الفنية ــ ويرى ريشار جاكمون أن نجيب محفوظ حالة (مثالية) للتذبذب بين الحالتين، ويمكن ملاحظة أنه نفسه عالج هذه الحالة في رواية «أولاد حارتنا» كتحليل ذاتي لمحفوظ ككاتب في ظرف جديد ـ منتصف الخمسينيات ـ وقد وجد نفسه في وضع مُغاير، وفي وظائف مهمة في الدولة. ومن خلال قراءة بعض الأعمال تصبح هذه القراءة كاشفة لموقف الكاتب ووضعه الملتبس مع الدولة ونظامها، وفي أي كِفة يميل.. بين كَتَبَة وكُتّاب.