د. نهى خلف يزداد الحوار ‘القلق’ في أوساط المفكرين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة حول مدى انكماش وتدهور القوة الأمريكية في العالم وحول تزامن تلك الظاهرة مع صعود قوة الصين، وتنتشر هذه الأفكار في عدد من الكتب الحديثة والمقالات المتداولة في الأوساط الأكاديمية. ‘عصر القلق’ ألاميكيففي عدد مجلة ‘فورين بوليسي’ الأخير مقال حول الحوار الدائر فيما يخص تحديد مدى التدهور في القوة الأمريكية مثل الكتاب الصادر بعنوان ‘ القوة الأمريكية في ‘عصر القلق’: مستقبل مجموعة الصفر(زيرو سام)’ للكاتب غيديون راخمان وهو المحلل الرئيسي للشؤون الدولية في ‘الفاينانشال تايمز’ وفي مجلة ‘الايكونوميست’ سابقا، حيث يوضح في هذا الكتاب إن أمريكا قد خرجت من ‘عصر التفاؤل’ لتدخل في ‘عصر القلق’.. أما زبيغنيو بريجنسكي المفكر الاستراتيجي الأمريكي (البولوني الأصل) المشهور والذي كان قد خطط منذ أكثر من ثلاث عقود لتفتيت وانهيار الاتحاد السوفيتي فقد نشر كتابا في بداية هذا العام بعنوان ‘رؤية إستراتيجية: أمريكا وأزمة القوة العالمية ‘ ويوضح فيه انه كان يبدو في عام 1991، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إن هناك فرصة للولايات المتحدة بالاستمرار كالقوة العظمى العالمية رقم واحد في القرن الواحد والعشرين، ولكن هذا التفاؤل لم يدم كثيرا بسبب المشاكل التي أصابت البورصة الأمريكية من جهة وسياسة جورج بوش الابن الأحادية المكلفة في مجال السياسة الخارجية من جهة أخرى بالإضافة إلى الكارثة الاقتصادية التي أصابت الولايات المتحدة في عام 2008 مما كشف عن ‘الهشاشة النسقية’ للنظام الأمريكي في الوقت ذاته الذي اثبت ‘الشرق’ قدرة هائلة على النمو الإقتصادي والإبداع التكنولوجي، مما أدى إلى نشوب ‘قلق أمريكي’ حول مستقبل الولايات المتحدة كقوة عالمية رائدة مما يتطلب منها سياسة نشطة استراتيجيا ومستنيرة تاريخيا في علاقتها مع ‘الشرق الجديد’. كما جاء أيضا على لسان نفس المفكر، ان الصين أصبحت القوة المرشحة لتكون المنافس الأول على الصعيد العالمي للهيمنة الأمريكية على العالم وذلك في مقال آخر نشر الشهر الماضي في مجلة ‘فورين أفيرز’ بعنوان ‘نحو استراتيجية كبرى ‘ للولايات المتحدة’. وقد تبدلت اللغة السياسية الامريكية من التفكير’بإحتواء’ الآخرين أو مواجهتهم الى المطالبة فقط ‘بالتكيف’ مع المتغيرات. الصراع الدولي في منطقة الشرق الأوسط وقد نشر هذا المقال قبل أن تتجرأ الصين ولأول مرة بممارسة حق’الفيتو’ في مجلس الأمن في بداية شهر شباط وذلك بالتناغم مع روسيا من أجل منع نجاح المخطط الاستراتيجي الأمريكي والغربي للهيمنة على المنطقة العربية وللحفاظ على مصالحها في منطقة تعتبر بالنسبة لها امتدادا جيوسياسيا حيويا وخاصة بسبب مصلحتها الاقتصادية والإستراتيجية مع إيران كأهم قوة إسلامية آسيوية في المنطقة حيث تعبر كل من مواقف الصين وروسيا عن صراع استراتيجي عالمي ومصيري شامل سيحدد شكل النظام الإقليمي العربي والشرق أوسطي الجديد في المرحلة القادمة.
و رغم الآراء والتحاليل المختلفة والمتناقضة أحيانا حول وجود أو عدم وجود قوى خارجية قد تدخلت في التحريض أو للدفع من أجل تفجير الثورات العربية في بداية الأمر إلا انه أصبح واضحا الآن إن القوى الكبرى تتهافت وتتسابق من أجل التأثير في مجرى الأمور للدفاع عن مصالحها وتحقيق أغراضها في المنطقة العربية. فالتساؤل المطروح هنا هو هل توجد ‘للثورات العربية’ أي إستراتيجية أكان ذلك بشكل واعي أو غير واعي لمواجهة التطورات القادمة أم هل إنها تمر بمخاض عصيب متأرجحة بشكل عشوائي بين مطرقة الاستبداد والديكتاتوريات (بأشكالها المتعددة) وسندان الفوضى الناتجة عن عدم استيعاب ناضج لمفهوم الديمقراطية النيوليبرالية؟
؟ مفهوم الثقافة الإستراتيجيةإن بلورة مفهوم عربي ‘للثقافة الإستراتيجية’ قد يبدو ضروريا لمواجهة التطورات المستقبلية وقد تساهم محاولتنا في عرض موجز لهذا المفهوم في البحث عن مخرج للمأزق المفروض على الثورات العربية.
ورغم انه قد تم تطوير هذا المفهوم من قبل مفكرين غربيين بهدف تحليل السياسات الإستراتيجية والعسكرية والنووية لدول قائمة وقوية وليس لثورات في قيد التكوين إلا أن بعض الأفكار المكونة للمفهوم قد تساهم وبشكل نقدي في بلورة تصورات فكرية لدى الثورات العربية.
أن مفهوم ‘الثقافة الإستراتيجية’ ليس مفهوما جديدا وقد تم استخدامه وتطبيقه على عدد من الحالات مثل اليابان وألمانيا والدول الاسكندينافية ومنطقة المحيط الهادئ ولدراسة استراتيجيات بعض المؤسسات الإقليمية مثل الحلف الأطلسي.
ويساهم هذا المفهوم في تحديد وتفسير الثابت والمتغير في السياسات الأمنية القومية، وبالتالي إلى بلورة إطار نظري من أجل تفسير الأسباب آلتي تؤدي إلى اخذ قرار معين بدلا من آخر.
و يمكن تحديد بدايات استخدام هذ ا المفهوم في السبعينيات من القرن العشرين بعدما استنتج بعض المفكرين إن الولايات المتحدة كانت قد فشلت في التنبؤالصحيح لردود فعل السياسة السوفييتية.
وقد استنتج المحلل الاستراتيجي ‘سنايدر’ إن هذا الفشل قد جاء بسبب الاعتقاد الخاطئ بأن ردود فعل السوفييت تنطلق من نفس المنطق الذي يسير عليه الطرف الأميركي. وبالتالي فأن ذلك التنبؤ السلوكي كان مضللا لأن الحقيقة هي إن لكل دولة أسلوبها ونمطها الخاص لتفسير ما يحد ث، مما أعاد مسالةالأهمية المركزية ‘للثقافة’ السائدة في دولة أو منطقة ما، إلى صلب البحث والتحليل الإستراتيجي.
وحسب تحليل الباحث ‘أيان جونستون’ هناك ثلاث أجيال من العلماء المختصين في قضية الثقافة الإستراتيجية. فبالنسبة للجيل الأول الذي ينتمي إليه ‘سنايدر’ فقد قام بتعريف ‘الثقافة الإستراتيجية’ على أنها ـ’مجموع الأفكار وردود الفعل العاطفية المشروطة، وأنماط للسلوك المعتادة والمشتركة ما بين أعضاء جماعة قومية بالنسبة للاستراتيجية النووية’. ويعتبر جونستون إن الثقافة الإستراتيجية هي’البيئة الفكرية’ التي تضع حدا للخيارات السلوكية وان هذه البيئة مكونة من المعتقدات والقواعد المشتركة التي تبنى علي أساسها القرارات وآلتي تفرض قدر من النظام في تصورات الأفراد أو المجموعات فيما يخص علاقتهم بالبيئة الاجتماعية والتنظيمية والسياسية.
كما يرى أن للعقيدة الاستراتيجية العسكرية تأثيرا هاما على الثقافة بشكل عام ويعرف بالتالي الثقافة الاستراتيجية على أنها’نسق من الرموز ‘(مثلا البلاغة، اللغة، الأمثلة والمقارنات) التي تتفاعل لتثبيت أولويات دائمة ومستقرة على المدى البعيد وتؤدى إلى تطوير مفاهيم حول دور وفعالية القوة العسكرية في العلاقات ما بين الدول، ثم بتغليفها بهيبة من الواقعية حتى تظهر تلك الخيارات وكأنها في منتهى الواقعية والفاعلية مما يعنى أن لدى الثقافة الاستراتيجية شقين: الأول له علاقة بالتصورات حول النظام السائد في البيئة الاستراتيجية مما يشمل طبيعة العدو والخطر والتهديد الصادر عنه والثاني: له علاقة بالتصورات حول فعالية استخدام القوة والقدرة على إزالة التهديدات والتحكم بالنتائج والظروف التي تجعل استخدام القوة ذات إفادة. هذان الشقان يشكلان معا الحلقة المركزية للإطار النظري الخاص بالثقافة الاستراتيجية.
أما ‘كولين غراي’ وهو محلل إستراتيجي آخر من الجيل الأول فقد رأى في مفهوم الثقافة الاستراتيجية إمكانية لتفسير الأفعال والأفكار آلتي تبدو متناقضة مع ما هو مألوف عقلانيا كرد فعل من قبل دولة أو أخرى. وكما يفسر جونستون فان منهجية ‘الثقافة الإستراتيجية’ لا تلغى أهمية مفهوم ‘العقلانية’ في تحديد الخيارات الاستراتيجية ولكنها تتحدى الإطار’ اللا تاريخي’ ‘واللا ثقافي’ أو’النيو واقعي’ (الواقعية الجديدة)’لتحليل الخيارات الاستراتيجية… فالثقافة الإستراتيجية متناسقة مع مفاهيم مثل العقلانية المحدودة (حيث تقوم الثقافة الإستراتيجية بتبسيط الواقع) أو مع مفهوم العقلانية العملية (عندما تقوم الثقافة الإستراتيجية بتحديد الخيارات أو الأهداف الضيقة) أو مع العقلانية التكيفية (أي آلتي تتكيف مع الخيارات التاريخية، بناء على الأمثلة والمقارنات والسوابق آلتي تبرر الخيارات). وبالتالي بالنسبة للمحللين في مجال الثقافة الاستراتيجية لا يوجد نموذج عالمي موحد للعقلانية، وما قد يبدو عقلانيا لدولة ما قد يبدو غير عقلاني لدولة أخرى. ولذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار تاريخ وتجارب كل دولة لتوضيح عقلانية أو عدم عقلانية الخيارات السياسية التي ستتبعها تلك الدولة. ففي رأى جونستون ‘إن للدول المختلفة أولويات استراتيجية مهيمنة أو أساسية تمتد جذورها إلى التجارب التكوينية والأولى للدولة ومتأثرة إلى حد كبير بالمواصفات الفلسفية والسياسية والثقافية والمعرفية للدولة ونخبها’. و قد استمر البحث في مفهوم الثقافة الاستراتيجية عبر الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين ليتخطى المجال ‘النووي’ وليشمل البحث في المسائل الأمنية الأخرى والعمل من أجل التحسين من آليات التحليل المبلورة من قبل الجيل الأول وخاصة فيما يخص محاولة حل اللغز المرتبط بالعلاقة ما بين الثقافة الاستراتيجية والسلوك.
وقد بلور’كيرى لونغهرست’ إضافة مميزة لمفهوم الثقافة الاستراتيجية’ الجديدة’ حيث وضح ان الثقافة الاستراتيجية تستمر في الزمن وتتخطى مرحلة بروزها أو نشأتها الأصلية؛ ولكنها ليست ظاهرة دائمة استاتيكية: حيث أنها بالرغم من تشكلها وتأثرها بالمراحل التأسيسية,إلا أنه يمكنها أن تتبدل بشكل جوهري أو على مراحل في المفترقات التاريخية الحساسة من تجربة تلك الجماعة’. ويضيف غراي إن الثقافة الاستراتيجية هي الناقوس الذي يعرف البيئة العاطفية والسلوكية التي تعمل ضمنها المؤسسة الدفاعية.
و يرى أن الأفكار حول الحرب والاستراتيجية تتأثر بالجغرافيا الطبيعية والسياسية (بعض الثقافات الاستراتيجية لديها مثلا ميل ‘بحري’، وأخرى تتأثر بالأيديولوجيات الدينية أو السياسية أو ببعض التكنولوجيات العسكرية المألوفة للتوصل إلى خياراتها الإستراتيجية). كما حدد باحث آخر وهو ‘كارنز لورد’ ستة عوامل تشكل حسب رأيه ‘الثقافة الاستراتيجية’ وهي:
المركز الجغرافي، التاريخ العسكري، العلاقات الدولية، الأيديولوجية السياسية الثقافية، العلاقات ما بين المجتمع المدني والعسكري، والتكنولوجيا العسكرية.
من أجل ‘ثقافة إستراتيجية’ جديدة للثورات العربيةو أخيرا يبقى السؤال الحيوي مطروحا أمام النخب الثورية الجديدة في العالم العربي أي: هل ستتمكن هذه النخب من بلورة ثقافة إستراتيجية تمزج بين الحاضر والمستقبل وبين ديمقراطية ذات خصوصية قومية ووطنية مستغلة عصر ‘القلق الأمريكي النيوليبرالي’ والتغيرات الإستراتيجية في النظام العالمي مثل صعود الصين والتحالفات الآسيوية الناتجة عن ذلك، آخذة بعين الاعتبار كل العوامل المذكورة والمبنية على إرث ثقافي وتاريخي واستراتيجيي قادر على تحديد الأفق المستقبلية للصراع القائم رغم كل تشعبانه المعقدة متفادية بذلك الوقوع بين فخ استبداد من نوع جديد أو كضحية لمخطط غربي ‘نيو كولونيالي’ قد يدخل المنطقة في صراعات طائفية وجهوية ويعيدها إلى أوضاع شبيهة بأوائل القرن الماضي التي سمحت بإبرام اتفاقيات سايكس- بيكو بهدف تقسيم وتفتيت المنطقة والسماح بالتالي للمخطط الصهيوني باستغلال ‘عصر القلق الأمريكي’ للتأكيد مرة أخرى على دوره كرأس الحربة الأكثر فعالية في عملية إخضاع المنطقة للنفوذ الغربي؟ ‘ باحثة في الشؤون الدولية والإستراتيجية