بين “نوتردام دو باري” و”غرينفيل تاور” حريق باريس ولندن بوجهين.. ومحاولة اغتيال رمز عهد التميمي

حجم الخط
30

في أحد أيام شهر يونيو/حزيران من عام 2017 كنت في بيتي أشاهد التلفزيون، وفجأة وأنا أتنقل بين القنوات الفضائية رأيت مشهد برج «غرينفيل» وهو يحترق في لندن.
لم تكن الصدمة فقط بالكارثة الإنسانية، بل أيضاً بكيفية التعاطي مع الحريق.
فالحريق المشتعل كان في مدينة لطالما عُرفت بدار الأمن والأمان. في مدينة متحضرة. توقعت أن يخمد الحريق بسرعة قياسية.. وأن تأتي طائرات مختصة بإطفاء الحرائق.. أن تخرج المرأة المصرية في الطابق العلوي مع بناتها سالمات.
ولم أتوقع أبداً أن يموت المهندس السوري الشاب حرقاً بعد أن نجا من براميل دمشق وقرش البحر، ومن مافيات تتربص له في معظم البلاد، التي كان يمر بها قبل أن يصل الى لندن.
كنا ننتظر أن يخمد الحريق بين دقيقة وأخرى وأن تنجو العائلات المحاصرة بالنيران. ولكن عدد الضحايا كان يتزايد مع مرور الوقت.وهكذا مات الكثير من سكان البرج.
توقعنا أن تكون هناك مساعدات مادية كبيرة للعائلات المتضررة من الحريق تعوضها، ولو بصورة جزئية، عن حجم المصيبة والأضرار التي لحقت بها.
ولكن لحد الآن، وبعد مرور حوالي سنتين على الحادثة الأليمة لم تتم إعانة هذه العائلات أو الاهتمام بها، لا محلياً ولا عالمياً.
لا من السلطات البريطانية ولا من أغنياء العالم.

نصرتم نوتردام فأنصروا البؤساء

في 15 الجاري التهم حريق آخر كاتدرائية «نوتردام» في باريس، التي تعتبر واحدة من أكبر الرموز الدينية والحضارية والثقافية والتاريخية للعاصمة الفرنسية. إنها فاجعة كبيرة أصابت المعلم التاريخي الإنساني، الذي يزوره سنويا أكثر من 14 مليون سائح.
تناقلت الفضائيات جميعها خبر الحريق فتحرك العالم بأسره وتبرع الكثير من الأغنياء والمؤمنين لسيدة نوتردام بمبالغ طائلة في ظرف يومين فقط.
كم هو مفرح أن يتم إنقاذ «نوتردام دو باري» بسرعة قصوى وانقاذ سكان سطحها:200 ألف نحلة ما زالت تقطن سطح الكاتدرائية. ويا لسخرية القدر!
لقد نجت النحلات جميعها من حريق الكاتدرائية، ولكن مات معظم سكان غرينفيل كباراً وصغاراً من الحريق الشرس، الذي التهم البرج.
اهتم الإعلام العربي والعالمي بمصير خلايا النحل، وراح الجميع يتساءل عن حالها بعد كارثة الحريق.
ولكننا لم نشهد الاهتمام نفسه بمصير الأشخاص، الذين فقدوا عائلاتهم في حريق برج غرينفيل.. ألا يستحقون هم أيضاً بعض الاهتمام الذي منح لخلايا النحل؟
ترميم الكنائس والاهتمام بها واجب على البشر، ولكن أليس من اللازم أيضاً أن نهتم بالأشخاص، الذين بنيت لأجلهم الأماكن المقدسة؟
جاء المسيح على حمار، ولم يهتم لا بالعز ولا بالجاه ولا بالصور الثمينة، التي تتزين بها الكنائس ولا بالأحجار الكريمة التي ترصع بها ثياب الكهنة. جاء لأجل البشر ولم يهتم يوماً بالحجر.
أليست الكنيسة، كما علمنا كهنتها، في قلوب مؤمنيها؟
ويبقى السؤال، هل هناك من سيتبرع، بربع المبلغ، الذي جمع لترميم نوتردام، لأهالي ضحايا الكنائس في سيريلانكا بعد المذبحة البشرية الشنيعة، التي وقعت يوم عيد الفصح؟
لقد كتب أصحاب السترات الصفراء في باريس:
نصرتم نوتردام أنصروا البؤساء. معهم كل الحق.
إن بؤساء العالم يحتاجون من يمد لهم يد المساعدة ويساعدهم على ترميم حياتهم أكثر بكثير مما تحتاج له حجارة الأماكن مهما كانت أهميتها التاريخية.
كل الأماكن قد بنيت لأجل الإنسان ولا أهمية لها بدونه.

نعم… يحق لعهد التميمي أن تحلم!

تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي منذ أيام تصريحاَ قيل إنه جاء على لسان عهد التميمي، الشابة الفلسطينية الصغيرة الناشطة ضد الاحتلال الإسرائيلي البغيض تقول فيه: «سأذهب إلى بريطانيا لدراسة القانون الدولي، حتى أرجع وأحرر فلسطين من الاحتلال».
لم تسلم عهد، التي واجهت جنود الاحتلال الإسرائيلي منذ صغرها، كما لم يواجههم الكثير من كبارنا ومن رؤسائنا، من سخرية رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
لقد نسي كل من هزأ بما كتبته، هذا إن كانت فعلاً قد كتبته، أنها مجرد فتاة صغيرة من مواليد 2001، واعتقلت وهي في عمر 17 سنة، وهي تكافح الاحتلال بيديها الصغيرتين.
لقد نسي منتقدوها كل ذلك، وهم يحاولون أن يغتالوها كرمز من أجل حلم صغير. عهد يا سادة ليست مسؤولة سياسية في السلطة الوطنية الفلسطينية، وليست الأمين العام للجامعة العربية، حتى تشن هذه الحملة عليها، وتحاكم وكأن حلمها في دراسة الحقوق في بريطانيا، و«العودة لتحرير فلسطين من الاحتلال» تعني تقديم صك غفران لبلد وعد بلفور!

ما الضرر أن تحلم فتاة بإكمال دراستها؟

لماذا يريد البعض، الذي في نفسه مرض أن يشوه رمز النضال الجميل الذي تمثله التميمي؟
ولم نحاول دوماً أن نهاجم بعضنا البعض وننقسم، حتى على أنفسنا ورموزنا، بدل التركيز على مهاجمة العدو الذي صفعته عهد بيديها الصغيرتين؟
أتبالغ في تصريحاتها؟ ربما… ولكن يحق لها المبالغة.. إنها جزء من طفولتها التي حرمت منها.. من الطبيعي أن يكون القمر في عينيها أكبر وأن تكون الأحلام في متناول يديها.
من المنصف أن نتذكر أن شهد قد كبرت قبل وقتها وعاشت طفولتها وهي تناضل ضد العدو المدجج بأعتى الأسلحة، وهي لا تملك غير يديها الصغيرتين، ولسانها الذي دربته على لعنة الاحتلال الذي سرق طفولتها وبراءتها، فراحت تركض في المظاهرات بدل الملاعب، وتتصدى بلا خوف لرصاص الاحتلال ورشاشات جنوده المشهرة في وجهها الطفولي.
لقد صفعت جندياً على وجهه في الوقت الذي يقوم بعض حكامنا بمصافحة حكام إسرائيل .
عهد لا تحتاج لمثل هذه التصريحات، كما يقول بعضهم لتسلط الضوء عليها. إن وجهها البريء المناضل كالرغيف ينبعث منه الضوء في عتمة الضمائر النائمة.

 كاتبة لبنانية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية