الصورة من صفحة الفيلم على فيسبوك
لندن – “القدس العربي”:
تناول موقع “بي بي سي” أبعاد ودلالات النجاح الكبير الذي حققه فيلم “صوت الحرية”، الذي وصف بـ”فيلم إثارة مسيحي” ونال إعجاب ودعاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واليمين المتطرف الأمريكي.
وقد استطاع الفيلم “صوت الحرية” تحقيق مفاجأة كبرى وإيرادات وصلت إلى نحو 178 مليون دولار أمريكي، حتى نهاية الأسبوع الماضي، في الولايات المتحدة، بميزانية إنتاج متواضعة بحوالي 14.5 مليون دولار منها 5 ملايين دولار من حملة تبرع من متدينين مسيحيين، وذلك مقارنة بإنتاجات ذات ميزانيات ضخمة، مثل أحدث فيلم من سلسلة “إنديانا جونز”.
وبحسب “بي بي سي” يعزو كثيرون سبب النجاح غير المتوقع للفيلم الذي صدر في 4 يوليو/ تموز، يوم العيد الوطني الأمريكي، إلى الدعم من شخصيات سياسية ومؤسسات إعلامية تمثل تيار اليمين الأمريكي. كما أن الفيلم تحول إلى رمزٍ في ما يُسمّى بـ”الحروب الثقافية” التي تسم الاستقطاب السياسي في المجتمع الأمريكي.
وأشار الموقع إلى أنه بعد نجاحه الكبير في الولايات المتحدة، من المقرر إطلاق الفيلم دولياً، بما في ذلك في المملكة المتحدة الأسبوع المقبل.
يحكي الفيلم الذي أخرجه وشارك في كتابته المخرج الأمريكي المكسيكي أليخاندرو مونتيفيردي قصة حول الاتجار بالأطفال.
ويشير الفيلم إلى أن قصته تستند إلى قصة حقيقية لمهمة عميل أمريكي سابق في وزارة الأمن الداخلي يدعى تيموثي بالارد، لإنقاذ الأطفال المهرّبين من أمريكا الجنوبية.
ويروي الفيلم قصة بالارد الذي أنقذ شاباً مكسيكياً من عصابة الاستغلال الجنسي للأطفال، ثم استقال محاولاً تحرير شقيقته في كولومبيا.
وبحسب “بي بي سي” يوصف الفيلم بأنه “فيلم إثارة مسيحي” وتشير الحملة الإعلانية المواكبة له أحياناً إلى إيمان أبطاله. كما تضمن أحد مشاهده عبارة “أطفال الله ليسوا للبيع!”.
ويلفت الموقع إلى أن المخرج أليخاندرو مونتيفيردي (46 عاماً) يقول في حديث إلى صحيفة الغارديان إنه شاهد عام 2015 تقريراً عن الاتجار بالأطفال على شاشة التلفزيون، وشعر بأنه “مدعو لكتابة فيلم عن هذا الظلام”.
المخرج أليخاندرو مونتيفيردي (46 عاماً) قال إنه شاهد عام 2015 تقريراً عن الاتجار بالأطفال على شاشة التلفزيون، وشعر بأنه “مدعو لكتابة فيلم عن هذا الظلام”
بدأ مونتيفيردي بكتابة قصة خيالية حول الموضوع، ولكن بعد ذلك اقترح عليه المنتج المشارك، إدواردو فيراستيغي، أن يتحدث إلى تيم بالارد.
بالارد، وهو من طائفة المورمون من ولاية يوتا يقول إنه عميل خاص سابق للأمن الداخلي في الولايات المتحدة، ويقود منظمة غير حكومية تقول إنها أنقذت المئات من الاتجار الجنسي بالأطفال.
ويقول مونتيفيردي: “عندما التقيت به، أدركت أن حياته كانت أكثر إثارة من الروايات التي كنت أكتبها. ثم انتهى بنا الأمر بالشراكة في هذا الفيلم”.
واقترح بالارد اختيار الممثل جيم كافيزيل لتجسيد شخصيته في الفيلم. وقد عزز كافيزيل صلات الفيلم بمجموعة “كيو أنون” الأمريكية.
واشتهر الممثل البالغ من العمر 54 عاماً بتجسيده لشخصية المسيح في فيلم “آلام المسيح” لميل غيبسون عام 2004، وهو معروف بتديّنه الشديد.
وأشارت الغارديان إلى أن زملاء سابقين لكافيزيل شهدوا على ميله إلى “التجوّل والتبشير وتقليد هتلر وإظهار درجات مقلقة من الإسلاموفوبيا وعدم الحساسية الثقافية خلال العمل”.
ويشير الموقع أثناء الترويج للفيلم، إلى أن كافيزيل أشار مراراً وتكراراً إلى المركب الكيميائي الأدرينوكروم، وهو مكوّن رئيسي في أساطير حركة “كيو أنون”. ويزعم هؤلاء أن هذه المادة تُستخرج من الأطفال الذين تعرضوا للتعذيب أو الاعتداء الجنسي من قبل عصابة سرية تابعة لـ”الدولة العميقة”. وفي اعتقادهم تضمّ هذه العصابة سياسيين يساريين وأشخاصاً من هوليوود ومموّلين من شخصيات يهودية مثل جورج سوروس وعائلة روتشيلد.
ويلفت إلى قول كافيزيل في بودكاست للمستشار السابق لترامب ستيف بانون “إنه دواء النخبة الذي استخدموه لسنوات عديدة. إنه أقوى بعشر مرات من الهيرويين وله بعض الصفات الغامضة إذ يجعلك تبدو أصغر سناً”.
في المقابل نأى مونتيفيردي بنفسه عن الخلافات الإيديولوجية حول فيلمه وقال إنها “تؤلمه بشدة”: “أنا لست قريباً من السياسة ولا مع أي شيء يثير الانقسام. أنا فنان وراوي قصص”. وأضاف “لقد صنعت فيلماً للجمهور الديني، وللأشخاص غير المتدينين ولكل شخص بينهما… أنا سعيد فقط لأن الجمهور قد حضر”.
ويلفت “بي بي سي” إلى أنه منذ صدوره في يوليو/ تموز الماضي، انبرت شخصيات عامة ومؤسسات إعلامية أمريكية إلى الترويج الكبير لفيلم “صوت الحرية”، بينهم الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، الذي أوصى بتحميل الفيلم على منصة إكس (تويتر سابقاً) مجاناً لفترة قصيرة.
انبرت شخصيات عامة ومؤسسات إعلامية أمريكية إلى الترويج الكبير لفيلم “صوت الحرية”، بينهم إيلون ماسك
وبعدما حقق الفيلم نحو 41 مليون دولار في الأسبوع الأول من عرضه، استضاف الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عرضاً للفيلم في نادي الغولف الخاص به في بيدمينستر في ولاية نيو جيرسي، حضره ستيف بانون وإيفانكا ترامب وشخصيات أخرى من حملة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” ومسؤولون منتخبون مقرّبون من حركة “كيو أنون”.
وحلّ كافيزيل وبالارد وفيراستيغي ضيوفاً على العديد من برامج البودكاست اليمينية والدينية، كما ساعدت مؤسسات تتبنى الخطاب اليميني مثل “فوكس نيوز”، و”بريتبارت”، و”كريستيان بوست”، و”كاثوليك وورلد نيوز” في دعاية الفيلم، إلى جانب مشاهير مثل ميل غيبسون الذي كان منتجاً تنفيذياً للعمل.
وفي عام 2019، بعد تصوير الفيلم، دعا ترامب بالارد إلى البيت الأبيض، حيث أعرب عن دعمه لخطط ترامب لبناء الجدار الحدودي الجنوبي، معتبراً أنه “الشيء الرحيم الوحيد الذي يجب فعله إذا كنت تهتم بالأطفال”.
وفي عام 2020، عيّن ترامب بالارد رئيساً مشاركاً لمجلسه الاستشاري للشراكة بين القطاعين العام والخاص لإنهاء الاتجار بالبشر.
ويلفت الموقع إلى أنه في الوقت نفسه، اعتمدت التغطية الإعلامية اليمينية لصدور الفيلم سردية مفادها أن العمل يقدّم قصة “لا يريد اليسار أن تسمعها”، كما جاء في “بريتبارت نيوز”، وهي منصة إلكترونية داعمة لليمين المتطرف.
ما هي حركة “كيو أنون”؟
ويتناول موقع “بي بي سي” حركة “كيو أنون”، التي دعمت ترامب وتدعم الفيلم. ويقول إنه في عام 2017، قام شخص يطلق على نفسه اسم “كيو” بنشر تدوينات على منصة “4 تشان” الإلكترونية والتي تسمح لمستخدميها وضع صورهم ومنشوراتهم من دون ذكر أسمائهم، وتضمنت تدويناته إشارات إلى وجود مؤامرة كبيرة. وقال “كيو” آنذاك إنه يشغل منصباً رفيعاً في الحكومة الأمريكية، وإنه على اتصال بمجموعة صغيرة من المسؤولين بالجيش والاستخبارات تسعى إلى محاربة الجماعة السرية.
وزعم “كيو” أن الرئيس ترامب “على رأس المعركة ضد الشر”.
زعم “كيو” أن الرئيس ترامب “على رأس المعركة ضد الشر”
ويشير الجزء الأساسي من المؤامرة التي تحدث عنها هذا الشخص المجهول في ذلك الحين، إلى أن جماعة من “النخب تعبد الشيطان وتدير شبكة لاستغلال الأطفال جنسياً وتحاول الهيمنة على منظومتهم السياسية ووسائل إعلامهم”.
ويرى المؤمنون بـ”كيو أنون” أن هذه المعركة ستقرب “يوم الحساب” الذي سيلقى فيه القبض على شخصيات بارزة، من أمثال مرشحة الرئاسة السابقة هيلاري كلينتون، وسيُعدمون.
وكان من بين الأشخاص الذين شاركوا في اقتحام مبنى مجلس الشيوخ في السادس من شهر يناير/ كانون الثاني، أنصار جماعة “كيو أنون”.
ويقوم أتباع الحركة باستغلال وقائع خبرية وحقائق تاريخية وإحصاءات ليبنوا عليها استنتاجاتهم التي يصعب تصديقها.
وأظهر استطلاع أجرته منظمة “موري” أن 7 في المئة من الأمريكيين يصدّقون المؤامرة التي تروّج لها “كيو أنون”.
أظهر استطلاع أجرته منظمة “موري” أن 7 في المئة من الأمريكيين يصدّقون المؤامرة التي تروّج لها “كيو أنون”
وواحد من بين ثلاثة أمريكيين يقول إنه غير متأكد مما إذا كانت النظرية صحيحة أم لا.
وبحسب “بي بي سي” يتقاطع موضوع فيلم “صوت الحرية” مع الموضوع الأبرز لدى جماعة “كيو أنون” وهو استغلال الأطفال، إذ إن أنصار الحركة مقتنعون بأن حرباً سرية تضع ترامب في مقابل النخب الديمقراطية في التمويل ووسائل الإعلام وواشنطن الذين برأيهم هم على رأس شبكات الاستغلال الجنسي للأطفال الشيطانية ويعذبون الأطفال لاستخراج “الأدرينوكروم”، المادة المجددة للشباب، كما يزعمون.
ويؤكد الموقع أن كافيزيل، الممثل الرئيسي في الفيلم، كرر هذه الاتهامات خلال جولته للترويج للفيلم على وسائل الإعلام المؤيدة لترامب مثل التلفزيون الإلكتروني لموقع “صوت أمريكا الحقيقي”، إذ اتهم وكالات الاستخبارات الأمريكية بالتستر على شبكات الاستغلال الجنسي للأطفال.
ما هي “اليقظة”؟
ويشير الموقع إلى هجوم أنصار الفيلم على ما يسمون بـ”نازيي اليقظة”، ويلفت إلى أنه خلال العامين الأخيرين، انتشر بكثافة في الولايات المتحدة ثم في أنحاء العالم مصطلح “اليقظة” (Wokeness) لوصف الأفراد والمجموعات المؤيدة للعدالة الاجتماعية.
وأصبح المصطلح شيئاً فشيئاً يدلّ على الليبراليين واليساريين المنتبهين إلى قضايا العدالة العرقية والاجتماعية عموماً.
ويعود أصل مصطلح “يقظة” في هذا السياق إلى نشاط الأمريكيين الأفارقة الذين استخدموا الكلمة منذ ثلاثينيات القرن الماضي من أجل التنبيه إلى التحيّز والتمييز العنصري.
ونال المصطلح شعبية كبيرة في أواخر القرن العشرين، وبمرور الوقت أصبح مرتبطاً بشكل متزايد بمسائل تتجاوز العرق مثل الجنس والهويات المهمشة الأخرى.
وخلال احتجاجات فيرغسون عام 2014، عمّمت العبارة من قبل نشطاء حركة “حياة السود مهمة” الذين يسعون إلى زيادة الوعي حول إطلاق الشرطة النار على الأمريكيين من أصل أفريقي.
ومع انتشار استخدامها دولياً، تمت إضافة كلمة woke إلى قاموس أكسفورد الإنكليزي في عام 2017.
وبحلول عام 2020، بدأ المصطلح يكتسب دلالة سلبية، إذ تعمد التيارات اليمينية إلى توظيفه إيديولوجياً في معركتها مع التيارات الليبرالية واليسارية، ويشير غالباً إلى “تطرف” معيّن لدى هؤلاء في القضايا المتعلقة بسياسات الهوية والعدالة الاجتماعية وأحياناً إلى الأدائية وعدم الصدق.
ماذا تعني “الحروب الثقافية” في السياق الأمريكي؟
ويؤكد الموقع أن المعركة حول “ثقافة اليقظة” التي تنطوي على استقطاب سياسي وأخلاقي، تأتي في صلب ما يُسمّى بـ”الحروب الثقافية” في الولايات المتحدة.
ويلفت إلى أن مصطلح الحروب الثقافية يشير عموماً إلى الصراعات والنقاشات داخل المجتمع حول مختلف القضايا الثقافية والاجتماعية والأخلاقية.
مصطلح الحروب الثقافية يشير عموماً إلى الصراعات والنقاشات داخل المجتمع حول مختلف القضايا الثقافية والاجتماعية والأخلاقية
وتنشأ هذه الصراعات عادةً عندما تكون هناك اختلافات عميقة في القيم والمعتقدات والممارسات بين المجموعات أو الأيديولوجيات المختلفة داخل هذا المجتمع.
وتشمل القضايا التي تقع في قلب الحروب الثقافية مواضيع مثل الدين، والعرق، والجنس، والجنسانية، والهجرة، والسياسة، والتعليم.
وغالباً ما تنطوي هذه الصراعات على مشاعر قوية ويمكن أن يكون لها آثار بعيدة المدى على السياسة الاجتماعية والتشريعات والخطاب العام.
في السياق الأمريكي المعاصر، يشير مصطلح الحروب الثقافية إلى النقاشات المثيرة للانقسام والاستقطاب التي ظهرت حول مجموعة من القضايا لا سيما بين التيار المحافظ وبين التيار التقدّمي في المجتمع.
وتشمل هذه القضايا مواضيع مثل الإجهاض، وحقوق مجتمع المثليين والمتحولين جنسياً وسياسات الهجرة والسيطرة على انتشار الأسلحة، والعدالة العرقية، والحريات الدينية، ودور الحكومة في القضايا الاجتماعية وغيرها.
وتتسم الحروب الثقافية في الولايات المتحدة بانقسامات أيديولوجية عميقة، وغالباً ما تصطف الأطراف المتعارضة على طول الخطوط المحافظة والليبرالية. وغالباً ما تدور النقاشات بشأن وجهات نظر مختلفة حول القيم الأسرية والمعايير الأخلاقية ودور الدين في الحياة العامة وتعريف الهوية الأمريكية.
وتدور هذه الصراعات في ساحات مختلفة، بما في ذلك الإعلام والخطاب السياسي والمعارك التشريعية وقضايا المحاكم. وغالباً ما تثير اصطفافات حادة، مما يؤدي إلى خطاب مثير ومشاركة عامة واسعة النطاق.
وتؤثر الحروب الثقافية بشكل كبير على السياسة الأمريكية، إذ إنها أرخت بثقلها على الانتخابات في العقود الأخيرة، والاحتجاجات التي أعقبت مقتل جورج فلويد، وقرارات المحكمة العليا لا سيما حول الإجهاض وزواج المثليين، وسياسات الهجرة، بالإضافة إلى النقاشات التي أثارتها جائحة كورونا.