لما حضرت الوفاة سيف الله المسلول خالد بن الوليد اراد النهوض من فراشه وهوَ يَقُول: اموت كما يموت البعير؟ الا لا نامت اعينُ الجُبناء فو الله لقد خُضتُ آلاف المعارك ولا يوجد موضع شبر في جِسمي إلاّ وفيه ضربة بسيف او طعنة برمحٍ او رَميَة، كيف لا فهمُ العظماء ليس لهم من الدنيا سوي العمل والتقرب به إلي الله فقد تربَوا في مدرسة عميدها محمد (ص) واساتذتها ابو بكر وعمر وعثمان وعلي (رضي الله عنهم) يكـثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع سعادة الآخرين تشغلهم وإعلاء كلمة الحق والدين نصب اعينهم، اذلة اعزهم الإسلام، انهارت امام عزائمهم حواجز الحرص علي الدنيا يتمنّون لقاء الله فتمني الله لقاءهم، لا يرهبهم ملك ولا يخيفهم جبار. اشداء علي الكفّارِ رُحَماءُ بينهم، مُره العيون من البكاء، خمص البطون من الطوي صُفر الوجوه من السهرِ يخافون ملك الملوك لا يحيدون عن هدي ولا سنة يطيعون الامير ولو كان عبدا اسود لا يتكلمون إلا حكمة وكلامهم فصل.. عندما بعث ابو بكر الصديق (رض) رسله إلي ملوك الارض ومنهم ملك الروم يدعوه فيها للإسلام ويخيره بين الإسلام او الجزية او القتال فما كان من الملك المتغطرس الشامخ شموخ السنبلة الفارغة فيه تراكم سلوك ملوك بني الاصفر وعظماء جعلوا من انفسهم آلهة من دون الله ينظرون إلي البشر نضرة دونية اتخذوهم مطايا وعَبِيْدٌ يسومونهم سوء العذاب لا تأخذهم فيه رأفة ولا كونهم نظراء لهم في الخَلق. فلما عاد رسول الخليفة وحكي له ماكان من امر…. حزم الخليفة الامر ان يكتب له ردا موازيا، ومقهقرا، لنفوس لا تعرف الحياء والادب: من خليفة رسول الله إلي كلب الروم!! سأرسل لكم جيشا يحبون الموت! كما تحبون الحياة اسلِِم تسلَمْ…. يا الله اين تربي هؤلاء؟ واي عظمة لرجال يسيرون علي خط الرحمن؟ لا يحيد عنه جعلوا ملوك الاعداء عبيدا والجبال تتهاوي امام عزائمهم والبحار تقاتل معهم والرياح… لقد تربي اولئك الرجال علي الفضيلة والخلق الرفيع فهم رهبان في الليل ملوك في النهار لا يحيدون عنها قيد انملة فلم تر امة من الامم إنّ يخير الرجل منهم بين الموت او التعرض للرسول بكلمة تسيء إليه، الرجل منهم يفضّل الموت علي ان يشاك نبيهم بشوكة. علِّموا إنّ الموت هو الحياة الابدية وانهم خبروا الدنيا وعرفوا ان لا مهربَ منه إلاّ اليه فلا بدَّ ان يُدرك احدُنا إنّ له موعد معلوم لا يؤخر ساعة ولا يقدم اُخري، إذَن لم الخوف اذا صلحت السرائر وعنفوان عربي يفتدي الوطن والعقيدة صفحاته مليئة يصور مؤطرة بالذهب الإبريز لابطال عظام فهذا طلحة وما ادراك ما طلحة رجل من اهل الجنة يمشي علي الارض، والزبير وهذا اسد فلإسلام عليٌ السابق في الإسلام والتضحية فهو الفدائي الاوّل وسيف الله ابو سليمان خالد وابو عبيده وصلاح الدين وعمر المختار واحمد ياسين، وها هم ابطال العراق يحاكمون امام محاكم (التفتيش) لا يرهبون موتا ولاسجنا فسجنوا السجان والجلاد في ملاحم لم يشهد التاريخ شبيه اطوادا شامخة وعلامات يهتدي بها الرجال ومدرسة للفروسية والنبل لا يدافعون عن انفسهم بل يؤثرون علي انفسهم يتقدمون الرجال إلي المشانق مشانق العز فقد سبقهم عمر المختار واحمد ياسين وعرفات وابطال آخرين (إنّ الفناء في كلمة حقٍٍّ هو عين البقاء) بهروا بثباتهم العدو قبل الصديق وهكذا تاريخُ الامّة علي مدي اكثر من الف واربعمئة عام لا يكاد يمر قرن دون ان تكون هناك مأثرة تجدّدُ للامة ما خلا من شواهد تحكي عظمة الرسالة وامانة الرسول. رجال خفضوا للامة بهائها وبذل الارواح رخيصة مقرونة بالعفو والتواضع يشعرون بتقصير تجاهها فالعظيم ينظر لافعاله إنها صغيرة من عِظَم همته فالوطن لا يمكن ان يوفيها لرجال بمهج انظروا إلي صورة اخري من صور بعض الجنود الذين وقعوا اسري لدي ملك الروم في خلافة عمر وما عرض عليهم من اسباب الحياة ومغريات الملك رافضين ان يمس الدين والعقيدة مما اثار إعجاب الملك الذي قال: لم ار قوما يحبون نبيهم ودينهم كهؤلاء فما كان من عمر ان قبل رؤؤسهم… فالامّة تعيش في اسوأ ايّامها فرجالها يلهثون وراء سراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء ويسأل بعض المتشائمين هل هناك امثال لهؤلاء؟ نقول نعم فلقد مشي رجل إلي الموت ولم يرهَب وهو يردد الشهادة دون انكسار او اهتزاز او رهبة مشي إليه ولم يمش قبله في التاريخ إلا الصحابي عبد الله بن حذافة السهمي.. إنّه اليقين والإيمان وصفاء النفوس (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتضر وما بدلوا تبديلا). عبيد حسين سعيد [email protected]