د. توفيق قريرةأخذتْ نفسًا عميقا من سيجارتها وعَادت تعبث بخصلات شعرها .. كانت ترتمي على الأريكة تظلّها شمسيّة من الجريد .. من حولها أرائك النّزل الفاخر .. و أجسام رطبة رخوة استسلمت لشعاع الشمس تهدهدها و لغفوة مَنْ توسَّط بين الحُلم و اليقظة.. الشّاطئ تدغدغه أمواجٌ خفيفة و هو يدفعها عنه بلطف فتذهب لتعود إلى لعبها من جديد.. وضعت على رأسها و قريبا من خصلة شعرها المكوّرة بارتجال نظّارتها الرفيعة.. أرسَلت بصرها إلى آخر نقطة من البحر حيث يتّحدُ مع الأفق .. لا أحد هناك و لا شيء . أرادت أن تُبْعد ما بين الأفق و البحر لترى أكثر ممّا تراه عينها ، فلم تُفلح.. تبّا لهذه العين التي لا ترى أبْعَدَ من أوّل الحُدود .. حَاولَتْ مرّة ومرّة ..أعادت نظاراتها على عينها اتقاء لغزو الشعاع العَنود.. لا شيء في ملتقى الأفق و البحر.. لا نقطةٌ ، لا خَطٌّ ، لا سَوادٌ ينكشفُ و لا بيَاضٌ يَشِفُّ .. عادت تنظُر إلى الأجسام المتكوّمة هناك و هنا .. كلّ عيون الحسان نامت و تركت عيونا أخرى ترقب أجسادها المُترفة وهي تشبعُ من شعاع متكسّر يتخلّل خيوط الجريد.حين تستسلم إلى نومها سَأتسرّب إلى أحْلامِها .. أنَا من كانت تنتظر أن تراهُ عند حدود مَا بين البحر و السماء .. هناك تركتني آخر مرة..و هنا تركتها ..كانت تراني في السفينة نقطة موجزة .. و كنت أراها ذرّة في الرمال.. كلّ صيف تأتي إلى هذه الشواطئ لتصوّب النظر في أفق يعيدني إليها .. هي تعرف من أكون.. و أنا أعرف من تكون.. بيد أنّي كنت أراها و لا تراني.. لأنّها معدودة فيمن يأكُلُون الحُوت.. و معدود أنا فيمن أكله الحوت.. غير بعيد من هنا .. ألقى بي ربّان السفينة العائدة إلى مرساها الأصلي في عرض البحر لمّا اكتشف أني تسلّلت إلى أحد المَخازن.. لم أكن أعرف السباحة.. و لا يعرف الحوت غير أن يأكل.. من فضل البحر على البرّ أنّه لا يغرقه و لا يبتلعه .. للبرّ قدرة كبيرة أكبر من أعظم محيط على الابتلاع .. و أنا ابتلعني برّي حين كنتُ عليه .. لم يترك لي شيئا حيّا إلاّ أغرقه.. غرقت في الفقر و الفاقة.. غرقت في الحزن و الهموم..غرقت في التفكير في التفكير في التفكير ..وحين رموني في البحر المحيط ليغرقوني .. تنفّست..عميقا ثمّ نسيت أن اتنفّس بعدها..لأنّي نسيت أني غرقت..ليس صحيحا أنّ القِرْشَ مُخِيف.. أنيابه أكثر رأفة من أنياب آكلي الحوت.. حين وصلت إليه .. لم يكن لديه نار لتشويني أو بهارات تدخل عيني و لا سكاكين و لا شوكات على طاولات ترتخي عليها أيْدٍ ثقيلةٌ وتتخفى تحتها بطون مكوّرة .. كان كلّ شيء قد تمّ بسرعة .. فصرت خفيفا أسبح فلا أغرق و أطير فلا أسقط و أمشي بينكم فلا ترونني.. بالأمس فقط وبعد عقدين من عمر البرّ صارت لي قدرة التسرّب إلى الأحلام الإنسيّة ..سأتسرّب بين جفنها و إنسان عينها لأقول لهَا شيئا واحدا لم أستطع أن أقوله لها على بساطته : اشتقتُ إليْك.. سأقولها بلغتي الخفيفة الجديدة و لن أبكي كعادتي حين تتكوّم في ذهني الكلمات ،و تتداخل الأبجدية و لا تجد سبيلا لا التشكّل و لا إلى الخروج من نوافذ الكلام..سأريها سكني.. قبل أن يغيّروا عنواني.. سأمدّ يدي أربّت على شعرها و لكني لن أبكي .. هل تعرفون كيف ندخل إلى أحلامكم؟ سلك رفيع دقيق نضعه في ملامسكم و نجذب إلينا قويا..ننتشلكم من غرق البرّ ثمّ نقف بكم أمام بوّابة كبرى تسمّى بواّبة الوسطى لأنها تفتح عالمنا الأعلى على عالمكم الأسفل فتحا تلتقي فيه الأرواحُ لقاء خفيفا قبل أن تلتقي لقاء أبديّا.. هل تسمعني سيّدي؟ إنّه يُحاول الاقتراب من بوّابة الوسطى .. لقد نجَح في ربط الخيط حول أناملها ..لقد أبْدت وهي بيت يديه طواعيّة فحملها خفيفة كخفتكم يا سيّدي أو أكثر منها أو أقلّ قليلا.. ما العمل سا سيّدي؟ .. نعم أسمعك.. نعم واضح…واضح..وا.. انتهى.. هيّا توزعوا أيّها الحرّاس حول بوّابة الوسطى لا تدعوها تنفتح..و لا تدعوه يراكم .. اعملوا على أنْ لا يلتقيها .. ينوي أن يحكي لها كلّ شيء .. ستعرف أنّ صاحب نعمتها اليوم ..و نعمتنا بالأمس و اليوم .. هو يسّر له الاختباء في المخازن ليسافر خلسة ..و أنه هو الذي أخبر بموضعه ربّان السفينة ليتخلّص منه في عرض المحيط .. لا نريد للحقيقة أن تنكشف .. نحن كما تعلمون..مجرّد خدم..و بالأوامر العليّة نأتمر..هيّا أفيقي وادفعي معي البوابة ..لا أستطيع فتحها بمفردي.. وراءها من لا يريدون لنا أن نلتقي .. عليْك أن تفيقي كي تدفعي معي بوّابة الوسطى .. هيّا أرجوك .. هل كبرت بَعْدي قليلا ؟ لكنّ يديك الناعمتين ناعمتان .. وفمك المعطار ما زالت يفوح منه عبق الكلمات.. و عينك المُسافرة أبدا ؟.. وخدُّك ..خدُّك.. أنفُكِ .. أنفُك .. و أسنانك صارت أكثر تهذيبا ..صرت أجمل .. و هذا العطر الذي تحملينه كنت تشتهينه ولا أستطيع أن أهديك إيّاه.. و السّيجار كنتُ لا أريدك أن تضعيه بين شفتيْك.. و احمر الشفاه هذا لا أعرفه.. يا ويلي أشعر برغبة الأحياء في البكاء.. أهذا هو قلبك الناصع؟ .. صار داكنا حتّى إنّي لا أرى فيه أيّة صورة واضحة .. أين جمجمتك لأرى ذاكرتك؟.. لكن أين اسمي فيها و أين رسمي ؟ صور كثيرة .. لمّاعة غير صورتي .. هناك صورة مكرّرة أكثر من البقيّة .. هذا الرّسم أعرفه.. ليس غريبا عنّي .. لكن أين رسْمي ..نفخْتُ بأقصى ما لي من قوة لأزيل الغبار عن بعض الصّور عَسَاني أجد صورتي.. ها هي هناك خلف كل الصور متوارية محتشمة .. فوقها ركام من غبار السنين.. و أين أسمي ؟.. لا يوجد شيء من حروفه المشكّلة .. أين الورود البريّة التي أهديتها؟ لا شيء منها قد بقي؟..أين كلامي الذي كنت أكتبه ؟ كانت هذه الذاكرة تستعرضه في أيّ وقت؟ أين صورُنا التي لم نجد الوقت و لا الدينار الأبيض لنستودعها آلة التصوير فخزنّاها في ذاكرتنا؟ أين الشوارع التي كنّا فيها..نسير و نسير ؟ اين الشمس التي كنّا نلعن غيابها لأنها تحكم علينا بالفراق؟ امّحى كلّ شيء لم يبق منها غير الغبار.. و الصورة المحفورة هنا و هناك لمن هي؟ ..شابّ وسيم على وجه آثار لشيء أعرفه..نسيت اللحظة من يكون؟هيّا يا حرس الشؤم ..القوا بأثقالكم على بوّابة الوسطى لا تدعوه يفتحها.. لكن لماذا لم يعد يحركها بقوة كما كان من الأوّل؟ أتراه خارت قواه؟ أم هي استراحة المهاجم؟ سألقي نظرة من ثقب المزلاج.. إنّه ما يزال هناك.. و هي ما تزال بين يديه .. يضعها بين يديه و يبكي .. اللعنة عليه كيف عاد إليه بكاؤه..كيف استردّه.. أبشع ما خلق الآدميّون البكاء.. إنّه يجعلك كائنا آخر.. تضعف قواك و تكاد تتلاشى .. انتبهوا لا تستمعوا إليه.. إنه يجرّب معكم سلاح البكاء كي يوهنكم.. صمّوا آذانكم .. لا تسمعوا..لا.. تسـْـ.. فات الأوان ها قد فتحت البوابة..خارت للبكاء قوانا..سيدي.. أضاع علينا البكاء كل شيء ..انفتحت له البوابة الوســـ…ها أنا أراكَ.. أنْتَ كمَا أنْت .. لكن كيف صرتُ أراكَ بهذا الوضوح؟ لكأنّك انبعثت من تحت الرماد لهيبا هيّا إليّ هَاك يدي .. قمْ إليّ اشتقت إليك ..انهَض لا تبْك .. لمَاذا كلّما وجدتْني بكيْتَ و أبكيْتني؟ ارفع رأسك كي أراك من جَديد كما كنتُ أراك .. لا تغيّب وجْهَك بين راحتيك..هاتِ يدك..هات يديك ..أنا سأتناولها بكل اللطف الذي كنت أتناولها به من قديم.. لكنْ ماذا تفعل هذه الصورة بين راحتيك و وجهك؟ هل عرفت من يكون صاحبُها؟ إنه يملأ عليّ دنياي .. إنّه دنياي الجديدة .. حُلمي الذي أراه كلّ يوم في غيابك.. إنه حبيبي الجديد.. إنّه هو الذي أنساني بُعدك و أنساني لقاك القديم ..إنه صبري الذي عوّضني به من أخذك مني .. إنّه ولدي وولدك.. هل تذكر؟ تركتَه يحبو و سَافرت إلى ما وراء البحر لتجلب له مالا لكسوة العيد و اللّعبة.. جاءت كسوة العيد الأوّل و العاشر و العشرين و لم تَعُدْ..اللعنة على عيدك يأتيك بكسوة من غير عنوانها الحقّ..اللّعنة عليكم أيّها الجنود.. هل جئت بكم حُرّاسا أم لتتعلموا البكاء الآدمي التعس؟ هيّا قوموا لا تسمعوا للقصة لا تنظروا إليهما يبكيان.. لا نحتاج دموعا تقتلنا ..هيّا أخرجوهما و سدّوا الباب .. حرام أن يلتقيا من دون إذن من السّيد الأعظم..سوف تسجنون.. ماذا؟ أتبكون.. اللعنة على ما تفعلون.. إليّ بمدد من الحرس لسجن هؤلاء و غلق البوابة الشقيّة.جاءني و أنا أضع يدي في يديه.. و عيني تودّع عينيه .. صوت من بعيد: أمّي.. أمّي ..هيّا ..لنعد إلى النزل .. مسحت خفية دمعة لم يَرَهَا ولدي تحت النظارة.. احتضنته و أنا أسأله عن زوجته ؟ قال لي: و أنا أرَى شيئا كالنقطة يودّعني في المفرق بين نهاية البحر و أوّل الأفق : لقد سبقتنا مع أبي و الولدين إلى الداخل.. قلت له باستغراب : أبوك؟ هل عَاد؟ قال لي : مَا لك يا أمّي ؟ هل غَاب أبي حتى يعود؟ ابتسم و قال: فهمت .. رحمة الله عليه ما الذي ذكّرك به الساعة .. و أضاف و نحن ندخل إلى بهو النزل : هل كان المرحوم سيوفّر لنا هذا العيم ؟.. ضغطت على يديه و دفعت الباب بأقصى قوتي .. كانَ أيسر انفتاحا من بوابّة الحلم منذ حين .. كان بوّاب النزل يفتح لي .. ابتسم و هو يتمتم :سيدتي نسِيَتْ أنّ لها بوّابا؟ حوّلت عنه نظري إلى زوجي الذي جاء ليرافقني حيث تجلس زوجة ابني و يلعب الحفيدان ..ناولني سيجارة .. أسرع النادل إلى إشعالها بإشارة من صاحب النزل ..زوجي…غبت كالعادة في دخانها لكنْ إلى عُنوان جديد. كاتب من تونس