يأتي صدور كتاب «فلسطينيو سوريا- بين انتهاكات الحقوق وتحديات الهوية» للباحث والمحامي الفلسطيني أيمن فهمي أبو هاشم عن مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، متزامنا مع أحد أهم فصول التغريبة الفلسطينية الممتدة منذ نكبة عام 1948، وتفرعاتها في بلدان الشتات عموما، وتداعياتها على اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، على وجه الخصوص، إثر اندلاع الثورة السورية المعاصرة عام 2011، مشكلا بذلك أحد أهم المحاولات البحثية والمرجعيات، التي ترمي إلى تسليط الضوء، من خلال بحث استقصائي مقارن، على المسارات التي سلكتها حالة تدهور حقوق اللاجئين الفلسطينيين في القوانين والتشريعات والسياسات السورية، منذ موجات اللجوء الأولى إلى سوريا في نهاية النصف الأول من القرن الماضي، وحتى نهاية العقد الأول من القرن الحالي، استكمالا للعديد من الدراسات السابقة، التي اقتصر تركيزها على العاملين السوسيولوجي والنفسي لاعتبارات منطقية تتعلق بطبيعة النظام السياسي الحاكم في سوريا منذ نحو نصف قرن من الزمن، وتقييده للحريات ومصادرة الحياة السياسية في البلاد، وحرمان اللاجئين الفلسطينيين من حرية التعبير شأنهم في ذلك شأن أشقائهم السوريين.
في حين يستعرض الكتاب بالأرقام والإحصائيات والشهادات الشخصية مجمل تاريخ الوجود الفلسطيني في سوريا وحاضره، كان من الطبيعي أن تذهب حصة الأسد فيه إلى العشرية السوداء الأخيرة من حياة السوريين ومن في حكمهم، وذلك لأسباب تتعلق بالمستجدات التي طرأت على خريطة التوزع الديموغرافي لسكان المخيمات الفلسطينية الرئيسية الاثني عشر التي تتوزع، أو كانت قبل الثورة، على كامل الجغرافيا السورية، ولاسيما في المدن الكبيرة، حيث تتمثل أهم تلك المستجدات في تهجير غالبيتهم نحو أماكن أخرى في الداخل السوري، أو إلى خارج الحدود السورية، تحت ضغط عمليات القصف والحصار والتجويع والاعتقال التعسفي، والتصفية الجسدية التي يرتكبها النظام السوري بشكل ممنهج ومتواصل وبلا هوادة، مضافا إلى ذلك سلسلة من التشريعات القانونية الحديثة المتعلقة بما يطلق عليه التنظيم العقاري للحواضر السورية، التي تهدف إلى تقطيع صلات الفلسطينيين السوريين، وأوصالهم المادية والمعنوية بالمخيم وهويته الديموغرافية والوطنية.
رحلة اللجوء والنزوح التي يتكبدها اللاجئون الفلسطينيون في سوريا لا تتوقف عند هذه المنعطف الصعب والمصيري، ولذلك تتبع البحث تلك المسارات الوعرة التي سلكوها في نكبتهم الثانية، وما واجهوه من أزمات وانتهاكات في الدول المجاورة والقصية
يستمد هذا الكتاب، الذي يقع في مئة صفحة تتخللها ستة أبواب هي: «اللاجئون الفلسطينيون في التشريعات السورية»،»تداعيات المحنة السورية على الوضعية القانونية»،»علاقة اللاجئين بالمرجعيات الوطنية والدولية»، «المشكلات القانونية في دول اللجوء والهجرة»، «بين الوضعية القانونية وجدل الهوية»و»استنتاجات البحث وتوصياته»، فضلا عن المقدمة طبعا، خصوصية استثنائية مردها إلى راهنية موضوعه وسيولة مصير 560 ألف لاجئ من مجموع أكثر من ستة ملايين من اللاجئين الفلسطينيين المهجرين في أصقاع الأرض الأربعة، من الناحيتين السياسية والقانونية اللتين تطالان، بدءا، تعريف هوية هذه الكتلة البشرية المنكوبة، والاعتراف بها في تشريعات وقوانين كل دولة من الدول التي يعيشون فيها، على حدة من جهة، وتشريعات وقوانين المؤسسات الدولية التي تعنى بشؤونهم وعلى رأسها الأمم المتحدة من جهة أخرى، في ظل تراجع حضور ملف اللاجئين الفلسطينيين فيها، بما في ذلك حق عودتهم إلى ديارهم المحتلة المكفول بقرار أممي.
ينطلق البحث من معالجة الكيفية التي تعاطت بها ثلاث جهات رئيسية تعنى بقضية اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، كان لبرامجها وسلوكياتها وتوجهاتها الدور الأبرز في تحديد طبيعة الأطر السياسية والقانونية التي عاش في ظلها اللاجئون، وتتمثل تلك الجهات بكل من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، ومؤسسة اللاجئين الفلسطينيين الحكومية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، ويؤكد البحث على أنه لا يمكن فصل التحديات التي تواجه دور الأونروا عن الوضعية القانونية للاجئين، لاسيما وأنها تحتفظ بالسجل المدني الشامل لأصولهم في فلسطين، الذي يعد مصدرا أساسيا ومرجعية لا غنى عنها، حينما يتعلق الأمر بتأكيد البعد القانوني الدولي لقضية لجوئهم، في ظل المخاطر السياسية التي تقودها الولايات المتحدة لإنهاء دور هذه المنظمة الدولية الحيوية، من خلال تقليص تمويلها وتجفيف مصادر دعمها، بوصفها الشاهد الدولي الحي على قضية اللاجئين الفلسطينيين، وبوصفها أيضا المرجعية الدولية المعنية بشؤونهم الإنسانية.
أما العلاقة التي تجمع بين الأونروا ومؤسسة اللاجئين، فإنها لا تخرج، كما يؤكد البحث، عن إطار مروحة من أدوات الضبط والسيطرة من منظور النظام السوري، الذي حدد النطاق الجغرافي لعمل المنظمة الدولية في المخيمات والتجمعات الفلسطينية في سوريا، الأمر الذي حال دون وصول خدمات الأخيرة إلى أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين، سواء ضمن حدود جغرافيا مخيماتهم التقليدية نفسها، أو في جغرافيا نزوحهم إلى الأماكن التي هجروا إليها خلال السنوات التسع الأخيرة، خاصة في الشمال السوري. لكن بما أن منظمة التحرير الفلسطينية تعد الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني، الذي يشكل اللاجئون وقضيتهم بيضة القبان في المقاربات السياسية والقانونية الخاصة بها، فقد كان من الطبيعي أن يخص البحث العلاقة بينهما، ويفرد لها حيزا لا بأس به منه، ذلك أنه على الرغم من شرعية تمثيلها لهم، وعلى الرغم من أنها هي الجهة المفترضة التي يجب أن ترعى مصالهم من الناحيتين السياسية والقانونية، إلا أن معطيات الواقع تذهب في غير اتجاه، حيث يؤكد البحث الاستقصائي أن موقف المنظمة، المعلن بالحياد السياسي، إزاء الشأن السوري الداخلي، من المسلسل المتصاعد لانتهاكات الحقوق المدنية للاجئين، لم يرق إلى مستوى كارثتهم المتكررة، الأمر الذي أحدث شرخا بين المنظمة ومجموع اللاجئين، وتسبب بتغييرات عميقة في نظرة هؤلاء اللاجئين للمنظمة، إثر المواقف المتتالية الصادرة عن قيادات في المنظمة والفصائل الفلسطينية، أسهمت إلى حد كبير في التغطية على الجهات المسؤولة عن جرائم القصف العشوائي، والحصار والتجويع، والاعتقال بحق الأهالي في كثير من المخيمات، وفي مقدمتها مخيم اليرموك، في حين تورطت الفصائل الموالية تاريخيا للنظام السوري، وجيش التحرير الفلسطيني بالمشاركة الفعلية بالقتال إلى جانبه ومساعدته في حصار، وضرب معظم المخيمات ومن بينها مخيم اليرموك طبعا.
رحلة اللجوء والنزوح التي يتكبدها اللاجئون الفلسطينيون في سوريا لا تتوقف عند هذه المنعطف الصعب والمصيري، ولذلك تتبع البحث تلك المسارات الوعرة التي سلكوها في نكبتهم الثانية، وما واجهوه من أزمات وانتهاكات في الدول المجاورة والقصية، التي لجأوا إليها خلال العقد الأخير إثر اندلاع الثورة السورية عام 2011، مثلما يميط اللثام عن حجم المشكلات والتعقيدات المركبة التي واجهتهم، وتأثيرات عدم التزام العديد من الدول باتفاقية اللاجئين لعام 1951، ما أدى إلى مضاعفة معاناة اللاجئين، جراء إغلاق أبواب الحماية والمساعدة في وجوههم، ووضعهم أمام خيارات صعبة جردتهم من حقوقهم، وعرضتهم لمخاطر الترحيل والإعادة القسرية.
رحلة اللجوء والنزوح التي يتكبدها اللاجئون الفلسطينيون في سوريا لا تتوقف عند هذه المنعطف الصعب والمصيري، ولذلك تتبع البحث تلك المسارات الوعرة التي سلكوها في نكبتهم الثانية، وما واجهوه من أزمات وانتهاكات في الدول المجاورة والقصية
ربما يدخل مصطلح «الهوية الفلسطينية السورية» في باب الاجتهاد السياسي، إذ لم يستخدم إلا نادرا في القاموس السياسي الفلسطيني، لكن على غرابته، فإن مقاربة الوضع السياسي والقانوني للاجئين في سوريا يبدو أنها باتت في أمس الحاجة لتسمية الأشياء بمسمياتها في هذه الحالة، من حيث خصوصيات كل تجمع من التجمعات الفلسطينية على حدة، بدون أن يعني ذلك الانسلاخ عن القضية الأم والانتماء الأول، بل العكس تماما، حيث تستدعي أي مقاربة للقضية دراسة مكوناتها المشكلة لها، ولذلك يخصص البحث بابا يقارب الهوية الفلسطينية السورية، ويدرس تأثير الوضعية القانونية وتحولاتها على تلك الهوية، ارتباطا بالهوية الفلسطينية الجامعة، لاسيما أن منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية أغفلت، في العديد من المحطات والمواقف، خصوصية كل تجمع من التجمعات الفلسطينية في دول الشتات عموما، وفي سوريا على وجه الخصوص، في حين يبرز البحث تلك الصعوبات التي تواجه فلسطينيي سوريا، في إعادة بناء تلك الهوية وترميمها، ليس فقط على صعيد المكان والذاكرة الجمعية، بل كذلك على صعيد الصعوبات الناجمة عن تفككك المركز القانوني الخاص بهم، لاسيما أن غموض مستقبل الحالة السورية عموما، وغموض خيارات التعامل مع الوضعية القانونية لفلسطينيي سوريا خصوصا، يفتح الطريق أمام مخاطر وتحديات متعددة ومعقدة تزيد جدل الهوية شكوكا وأسئلة كبرى يبدو من الصعوبة بمكان الإجابة عليها، في ظل سيولة الوضع السياسي في سوريا.
خلص المؤلف إلى مجموعة من التوصيات المرتبطة بمستقل اللاجئين الفلسطينيين في سوريا من الناحية القانونية، ومن أبرز تلك التوصيات، المرتكزة إلى تحميل النظام مسؤولية إهدار وضعيتهم القانونية، توصية وردت على شكل دعوة إلى الانتقال من مهام إحصاء وتوثيق الانتهاكات إلى تحفيز ضحاياها على طرق أبواب المحاكم في البلدان، التي تتيح قوانينها مقاضاة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، التي يؤكد البحث أنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، كما يوصي بضرورة تشكيل مرجعية تختص في الدفاع عن أملاك اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وتسعى، في الوقت نفسه، إلى تثبيت جنسيتهم الفلسطينية الأصلية في كافة السجلات والوثائق والبيانات لدى كافة دول اللجوء والجهات المعنية بإدارة شؤونهم، في حين يطالب البحث منظمة التحرير الفلسطينية بالإسراع في معالجة الآثار السلبية الناجمة عن القصور والخلل في تمثيل المنظمة للاجئين، فضلا عن العمل على إيجاد آليات مؤسساتية، تجمع شتاتهم وتعبر عن مطالبهم وحقوقهم، بدون إغفال الحاجة المتزايدة إلى وجود وكالة الأونروا في هذا الملف السياسي المعقد، واستمرار تفويض المساعدة التي تضطلع به منذ تأسيسها، في ظل تكاثر المشاريع الهادفة إلى تصفية قضية اللاجئين الفلسطينيين، وحرمانهم من حقهم المشروع في العودة إلى ديارهم الأصلية في فلسطين، وفق القرار الأممي الشهير الذي يحمل الرقم 194.
لكن يبدو، في نهاية المطاف، أن كل ذلك ليس كافيا للخروج من عنق الزجاجة الذي حشر الفلسطينيون السوريون فيه، وفقا لما ذهب إليه الباحث أيمن فهمي أبو هاشم بشكل موضوعي في مؤلفه هذا، الذي يؤكد على حقيقة دامغة ولا مناص منها، تفيد بأنه في ضوء تفكيك الوضعية القانونية وحجم المشكلات التي تواجه فلسطينيي سوريا، فإن كل محاولة لمعالجة وترميم ما أصاب تلك الوضعية من شروخ عميقة، سيبقى مرهونا بمسارات ونهايات القضية السورية ذاتها، بحيث يبدو من الصعوبة بمكان توقع مقاربات أو حلول تطمئن الفلسطينيين إلى مستقبل وجودهم في سوريا، بعيدا عن معرفة مآلات القضية السورية في المستقبل.
٭ كاتب فلسطيني