في عصر الامبراطورية الرومانية كانت روما تمثل مركز الاستقطاب والحياة لهذه الامبراطورية ومنذ ذلك العصر برز المثل المشهور ‘كل الطرق تؤدي الى روما’. ولعل التغيرات الإقليمية والدولية التي نشهدها هذه الأيام تقول بأن ‘كل الطرق تؤدي إلى جنيف’، سواء على المستوى الإيراني أو السوري. ومن اليوم حتى الواحد والعشرين من تشرين الثاني نوفمبر، فإن أنظار العالم ستبقى شاخصة نحو العاصمة السويسرية، لأنها تحتضن لأول مرة مفاوضات جادة بين إيران ومجموعة (5+1)، وأيضا التحضيرات الجارية فيها على قدم وساق من أجل عقد مؤتمر جنيف2 الخاص بالأزمة السورية وتداعياتها على المنطقة والعالم. وبالعودة إلى المفاوضات الإيرانية مع المجموعة الدولية (5+1) حول الملف النووي الإيراني، فإن هناك عدة أسباب أعطت هذه المفاوضات أهميتها وأبرزها: أن أمريكا محكومة بانسحاب من أفغانستان بحلول العام2014، بمعنى أن أمريكا ستخرج من المنطقة. ولكنها تريد انسحابا هادئا تضمن فيه الحد الأدنى من المصالح الأمريكية. ولعل أهم المصالح الأمريكية التي جاءت من أجلها أمريكا بجيوشها وأساطيلها إلى المنطقة هي ضمان تدفق الطاقة إلى أوروبا وأمريكا، وأمن إسرائيل. أما المصلحة الاولى فإن أمريكا من الممكن أن تقايضها بناء على الاكتشافات الصخرية الجديدة والتي ترشح أمريكا كمصدر من مصادر النفط لأوروبا بحلول العام 2018. فتتبقى المصلحة الثانية وهي أمن إسرائيل، فأمن إسرائيل لا تفاوضه أمريكا مع السعودية ودول الخليج أو مع الأنظمة الرجعية في المنطقة، لأن قبولهم بوجود وأمن إسرائيل كان حاضرا قديما وحديثا. فهي تريد أن تطرح هذا الملف مباشرة مع الإيرانيين في سياق صفقة الملف النووي الإيراني من خلال تمرير التسوية الإسرائيلية الفلسطينية التي يسعى إليها كيري. وأن يقبل الإيرانيون فيها بما يقبل به الفلسطينيون، وأن يوقفوا مصادر التمويل لحركات المقاومة المناهضة لإسرائيل في فلسطين والمنطقة سواء كانت عسكرية أو إنسانية. وبما أن الأمريكي ملزم في عام 2014 بتنفيذ استحقاق الانسحاب من أفغانستان، فإن عليه أن يتوصل إلى تفاهم مع القوى التي ستحل محله في المنطقة، يضمن فيه الحد الأدنى من مصالحه، وهذا ما يضطره إلى توافق مع الروس يقضي بإنسحابه من أفغانستان عبر المطارات الروسية متضمنا غض الطرف الإيراني مما يدفعه بقوة نحو التوصل إلى تفاهمات مع إيران قبل حلول هذا الإستحقاق. كل الدلائل والإشارات التي انبعثت من جولة المفاوضات الأخيرة في جنيف كانت تشي بقرب التوصل إلى إتفاق ما في الملف النووي الإيراني. ولكن من تابع الهوس المنبعث من تل أبيب وما تحمله ملامح وجه بنيامين نيتنياهو في مطار بن غوريون لدى وداعه لكيري، من معاني ومضامين. كان يستشف أن الإتفاق لن يكون كما أرادت أمريكا وإسرائيل فوصفت تل أبيب الإتفاق بأنه صفقة القرن لإيران، ما أستدعى أن يقف الفرنسي منتصبا ليدافع عن مصالح إسرائيل والسعودية محاولا أن يملئ الفراغ الذي ستتركه أمريكا بخروجها من المنطقة. والآن وبينمآ يستعد الطرفان للذهاب إلى جنيف على وقع تحذيرات جون كيري من أن عدم الإتفاق سيؤدي بنا إلى الحرب، وأيضآ تحت وقع التحذيرات نفسها التي وجهت إلى إسرائيل والمملكة العربية السعودية من قبل الحليف الأبرز لإيران في المنطقة ‘حزب الله’ وعلى لسان أمينه العام ‘السيد حسن نصر الله’. يبقى السؤال، هل الملف النووي والمفاوضات حوله ما هي إلا غطاء من أجل الوصول لتسويات كبرى على مستوى الإقليم والعالم؟؟؟. وهل سيكتب لهذه التسويات النجاح في ظل فشل فرص التوصل لتسوية فلسطينية إسرائيلية؟؟؟؟