تأثيرات ملحمة كلكامش في نصوص التوراة اليهودية: ملك أوروك الذي رأى

عبدالواحد لؤلؤة
حجم الخط
1

هذه أول عبارة في ملحمة كلكامش (وتُنطق بالكاف المُعجَمة) وهي أول ملحمةٍ بُطوليّةٍ كُتِبَت شعراً باللغة السومَريّة، تُصوِّر الحياة في العراق في الألف الثالثة قبل الميلاد. وقد دُوِّنت بالخط المسماري في حدود الألف الثانية قبل الميلاد. وكان ذلك على ألواح من الطين بلغت اثني عشر لوحاً، وُجِد بعضها مخروماً. وفي حدود القرن التاسع عشر كان اللوح الحادي عشر مفقوداً إلى أن عُثِر عليه في حدود منتصَفِ القرن، فأمكن بذلك إصلاح المخروم من الألواح السابقة. ويُسجل اللوح الحادي عشر قِصّة الطوفان الذي حدث قبل ذلك بآلاف السنين. يرى بعض الباحثين أن هذه الملحمة كُتِبَت نثراً يتخللها بعض المقاطع الشعرية، بينما يرى باحثون آخرون أن ملحمة كلكامش كُتِبت شعراً يقوم البيت فيها على مصراعين، ويتكرّر هذا الأسلوب على امتداد الملحمة هذه، شعراً موزونا ولكن دون قافية. وهذا الأسلوب هو ما نجده في الأعمال الشعرية الأقرب إلى عهد الميلاد، مثل الشعر الإغريقي المُتمثل في الإلياذة والأوذيسّة، وقبلهما في شعر سافو الذي لم يَبقَ منه سوى جُذاذات لا تزيد عن 104. وكلمة شعر في ملحمة كلكامش في نسختها الأكَدية تسمى “شيرو” وفي الآرامية “شور” وكلا الكلمتين وما تطوّر عنهما في اللغات اللاحقة تفيد الغناء أو النشيد، أو الأغاني التي يتغنّى بها الشعب، ومنه تطوّر الشعر في أول أمثلته في ملحمة كلكامش. تروي هذه الملحمة حكاية البطل كلكامش ملك أوروك، إلى جانب نهر الفرات، في جنوب بلاد ما بين النهرين، والتي صار اسمها بالعربية الوركاء. كان كلكامش بطلاً شديد القوة والبأس، لكنه كان قاسياً على رَعيّته في أوروك ممّا دعا الناس إلى التضَرّع للآلهة ليخلقوا مخلوقاً آخر يقف في وجهه، فخلقوا أنكيدو. وتدور أحداث هذه الملحمة الشعرية على الصراع، بين كلكامش وأنكيدو، الذي ينقلب إلى صداقة. ويتّفق الإثنان على البحث عن سرّ الحياة الذي قد يُمَكِّنَهما وبقية البشر من النجاة من الموت. وبهذا المعنى تكون الملحمة رمزاً للبحث عن سرّ الوجود وطلب الحياة الخالدة.

إضافةً إلى كون ملحمة كلكامش ذات قيمة تاريخية كبيرة، فإن الموضوعات التي تتناولها هي الموضوعات الأزلية التي تشغل بال البشر. فما زال البشر إلى اليوم يتساءل عن خليقة الإنسان وخليقة الكون، وهو الموضوع الرئيس في هذه الملحمة. والتساؤل عن خليقة الإنسان وبالتالي التساؤل عن بقائه وفنائه هو الموضوع الذي بقي حيّا ًفي ذهن البشر، كما نجد في جميع الآداب العالمية بشكلٍ أو بآخر. وفي هذه الملحمة نجد مسار النقاش في خلق البطل كلكامش يؤدي إلى النتيجة التي ما تزال هي الحقيقة وهي” سبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حَيٍّ” كما يقول الشاعر العربي قَطَري ابن الفُجاءة (697 م). وقد قالها قبله كثيرٌ من الأبطال منذ قدماء الإغريق، كما نجد في الإلياذة والأوذيسّة، وكما نجد في أقدم ملحمةٍ بُطوليةٍ في اللغة الإنكَليزية القديمة، ملحمة “بيولف” البطل الذي قتل الوحش كريندل الذي كان أكبر خطر على حياة بلاد شمال أوروبا. ولكن بالنتيجه مات البطل كلكامش وقبله أنكيدو، كما مات البطل بيولف. وفي ملحمة كلكامش نجد موضوعة البحث عن عُشبَةِ الحياة التي سعى اليها البطل فوجدها في أعماق البحر في دلمون وهي البحرين الحالية، ولكن الأفعى سرقت تلك العشبة، فلم يستطع كلكامش أن ينعم بطول الحياة. وهذه الصوره تمثل فكرة أن الموت قدَر الإنسان مهما كان قوياً ومهما سعى لإطالة العُمر. وقد تبدو هذه الفكرة بَدَهية، ليس بها حاجةٌ إلى تكرار، ولكن ورودها في صوَر حياة الإنسان في أقدم العصور، وبين أقدم الأقوام على وجه الأرض، يجعل دراسة ملحمة كلكامش والعودة إليها إبقاءً على نَسغ الحياة في فكر الإنسان.

واستعراض تاثير مواد ملحمة كلكامش وغيرها من الأدب الرافديني في نصوص التوراة اليهودية في أسفارها الخمسة مسألةٌ ثقافيةٌ وتاريخيةٌ ذات أهمية خاصة. فنجد في اللوح الحادي عشر من الملحمة وصفاً للطوفان الذي حدث في بلاد ما بين النهرين، في حدود الألف الرابعة قبل الميلاد، صورةً تتكرر بحرفيّةٍ عجيبةٍ في سِفر التكوين، أول أسفار العهد القديم. كما نجد مثل ذلك في سِفر الجامعة، إضافةً إلى أوصاف أخرى منقولةٍ بشكل يكاد يكون حرفياً من مادّةِ ملحمة كلكامش. وقد تكرّرت أمثلة النقل من مادّةِ الملحمة في مواضع عديدةٍ من أسفار العهد القديم الخمسة، كما تُبيِّن أحدث الألواح المكتشفة في مكتبه آشور بانيبال( 668-626ق.م) التي تعود إلى القرن السابع قبل الميلاد. وهذه الحقائق التي أثبتها البحث التاريخي تثير كثيراً من التساؤلات عن مصدر أسفار العهد القديم: هل هو ما أنزل الله على موسى وسجّله أحبار اليهود أثناء السبي البابلي، في القرن السادس قبل الميلاد، أم أنه تأليف وتجميع من مواد ملحمة كلكامش وما كان معروفاً في القرن السادس قبل الميلاد من آداب الرافدين؟ هنا يبرز السؤال المنطقي: هل كانت تلك المواد التاريخية والأدبية في متناول أحبار اليهود الذين سباهم نبوخذ نصر ونقلهم إلى بابل؟ إن اكتشاف بعض الألواح الطينية المكتوبة بالخط المسماري في مناطق مثل جنوب تركيا الحالية، أوفي أوكاريت قبل عقدين من الزمان تعود إلى القرن الثاني عشر قبل الميلاد، وأهم تلك المكتشفات ما وجِد في قرية مَكدّو في جنوب شرق حيفا، وهي قرية كنعانية قديمة، يدل على أن مواد الخليقة والطوفان وقصص الحياة وحتميّة الموت، مما نجده في قصص العهد القديم، تعود في أصولها إلى آداب الرافدين، وأبرزها المادة التاريخية والأدبية في ملحمة كلكامش. فقد حوّر أحبار اليهود في أيّام السبي كثيراً من تلك المواد التي لا تخفى على الباحث المدقق. وربما كان أبرز دليل على أن مواد العهد القديم من عمل البشر، وليس وَحياً من الله أو تنزيلاً على موسى، حكاية الصراع ليلاً بين مخلوقين عجيبين تنتهي بانتصارأحدهما على الآخر، ويتبيّن في الصباح أن الغالب هو إسرائيل وأن المغلوب هو الله! أي عقل سليم يمكن أن يتصور الله المغلوب يوحي بكتابٍ مقدّسٍ ليتبعه من خَلَق؟

يمكن العوده الى سفر التكوين 6 و19و10و18 وإلى وصف سفينة نوح في سفر التكوين 14و 16 ووصف أوبةَ الحمامة حاملةً في منقارها غصن الزيتون، وهو منقول عن وصف الطوفان في الرواية الرافدينية، كما يمكن الرجوع إلى سِفر الجامعة والتثنية لأمثلةٍ أُخرى منقولةٍ عن حكاية الطوفان المسجلة بالخط المسماري على اللوح رقم 11. وثمة أمثلةٌ كثيرةٌ أُخرى على اعتماد قصص العهد القديم على ما ورد في الألواح السومرية الأكدية، مما لا يتّسع المقام لذكره.

وفي ملحمة كلكامش أمثلة من المشاعر الإنسانية العاطفية مثل مشاعر كلكامش تجاه صديقه ورفيق سفره إلى غابة الأرز لأجل اكتشاف حارسها المريع خمبابا والقضاء عليه لإنقاذ البشر من شروره. وثمة مشهد رثاء كلكامش لصديقه المحتضر أنكيدو. وهناك الموقف من السعادة والاستمتاع بالحياة ممّا نجده في حديث صاحبة الحانة سيدوري، التي تنصح كلكامش بأن يستمتع بالطعام والشراب ويتجنب الحزن لأن الحياة لا تدوم لأحد ونهايتها الحتمية هي الموت مهما طالت الأعمار. ونجد كثيراً من الأصداء لهذه الفكرة في الآداب والمرويّات في العصور اللاحقة. من ذلك قصة النبي سليمان والنسور السبعة التي مهما طال عمر الإنسان فإنه سيموت بعد أن يموت النسر السابع. أليسَ حرِيّاً بهذه الملحمة أن تُعَدّ الأساس في كلّ ما أنتج الأدب الحديث في جميع العصور!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية