رئيس الوزراء التركي، رجب طيب اردوغان، نزل الاسبوع الماضي عن الخطوط بعض الشيء، فاتهام اسرائيل باعداد الانقلاب العسكري في مصر شذ حتى عن عربداته العادية. ومع أن اردوغان تلقى على الفور توبيخا من الادارة الامريكية، وعلى عادته رد الهجوم، حين استفز الامريكيين في جلسة مجلس الادارة والسياسة لحزب العدالة والتنمية، إذ تساءل ‘ما هو شأنكم على الاطلاق؟’، ووعد بانه سيتحدث مع كبار رجالات الادارة عن التوبيخ الذي تلقاه. قال مسؤول كبير في حزب العدالة والتنمية لـ’هآرتس’ ان اردوغان ارتكب خطأ حين أقام ادعاءه على اساس تصريحات برنار انري ليفي وعرضها كدليل عن المؤامرة. ويقول المسؤول ‘كان يجدر به الا يذكر اسرائيل، ولكن الموقف الذي يعرضه صحيح. ما حصل في مصر هو انقلاب عسكري، وخسارة ان العالم لا يرى الامر على هذا النحو’. ليس هكذا يعتقد كاتب الرأي التركي الكبير يوسف كانلي، فقد تساءل في مقال نشره في ‘حريات ديلي نيوز’ الصحيفة التي لا تزال تواصل الانتقاد لسياسة رئيس الوزراء من دون وجل ‘هل توجد دولة اخرى تخطط سياستها الخارجية وتطبق امام الكاميرات؟ هذا الحاكم المطلق ووزيره للشؤون الخارجية، احمد داود اوغلو، ينشران مراسيمهما بشكل مباشر حين يطلقان الكلمة الاخيرة قبل أن يقولا الاولى، والاسوأ من ذلك فانهما يفعلان ذلك امام الكاميرات. تركيا هي قوة عظمى اقليمية تتطلع لان تكون قوة عظمى عالمية، ولكن لسبب ما لا يوجد لنا اليوم سفراء في القاهرة، دمشق أو تل أبيب، وأمس فقط كنا اصدقاء روح لشيوخ من دول الخليج وللملك السعودي. اما اليوم فاننا نهزأ بهذه الدول، والزعماء الاتراك يهاجمونها. أفلم يكن يفترض برئيس الوزراء ان يعتمد على مادة استخبارية مصداقة ما قبل أن يتهم اسرائيل بتخطيط الانقلاب في مصر؟ ان القوة العظمى الاقليمية التي تتطلع لان تكون قوة عظمة عالمية تلقت صفعة مدوية من العم سام… هل تركيا ليست عالمة بهذا القدر بموازين القوى في العالم، او بالعلاقات الاسرائيلية الامريكية؟’. تركيا على علم جيد، ولكن ليس العلم بحد ذاته كافيا، فثمة حاجة ايضا الى الحكمة السياسية التي تتغلب على العواطف، وهنا وليس للمرة الاولى، يكمن الفشل. اردوغان الذي اعتبر بطلا حين قطع العلاقات مع بشار الاسد وتورط مع اسرائيل، دفع الجمهور العربي الى أن يدير له الظهر فقط لانه قرر دعم الاخوان المسلمين. الدول العربية، وعلى ما يبدو معظم الجمهور العربي، لا يتوقون لان يعيشوا تحت حكم ديني متطرف. وهم مستعدون بالذات لتبني النموذج التركي، رئيس وزراء متدين في دولة تعرف نفسها بالعلمانية، شريطة ان يكون هذا النموذج منتجا محليا، وليس ثمرة املاء خارجي. اما اردوغان من جهته، فرأى في انتصار الاخوان هدية من الرب تجعل مصر دولة شقيقة لتركيا وتعوضها عن فقدان الحليفة السورية. وكان سلوكه في ضوء الانقلاب العسكري في مصر والحرب الدبلوماسية التي شنها على الاسد جديرين بالثناء. ولكن بينما في الحالة السورية أجرى الحساب للشعبية على نحو جيد، فانه في حالة مصر اخطأ، حين حاول تحديد مستوى اخلاقي لسياسته الخارجية. فالاخلاق كما تبين له هي لغم خطير في ادارة السياسة. يمقت اردوغان الانتقاد وهو حساس له. حربه التي لا هوادة فيها ضد وسائل الاعلام وتصريحاته منفلتة العقال ضد الصحف والصحافيين ورد الفعل الذي امتشقه من تحت الابط في اعقاب توبيخ واشنطن، تشهد على ذلك، فهو يرى نفسه نبيا لا احد يفهم نبوءته، يحمل رسالة يرغب الجميع فقط في افشالها، والنبي كما هو معروف معصوم عن الخطأ دوما. واذا كان العالم لا ينضم الى سياسته الخارجية فالمشكلة هي بالطبع في العالم، وليس في اردوغان. وعندما يخطئ العالم ينبغي تغييره. في الاسبوع الماضي عرض اردوغان رؤيته بتغيير العالم، او على الاقل منظومة اتخاذ القرارات العالمية. فلا يحتمل كما قال ان تقرر خمس دول الاعضاء الدائمين في مجلس الامن مصير العالم. وقد غضب من القرار الذي اتخذه مجلس الامم المتحدة، ردا على قتل اكثر من الف شخص في سورية بالسلاح الكيميائي، ولكن ايضا غضب مما يصفه بعجز لمجلس الامن في المسألة المصرية. ويقترح اردوغان على الدول الاعضاء في الامم المتحدة ببساطة الاستقالة، واقامة امم متحدة بديلة تكون فيها لكل الدول قوة متساوية. يجمل بنا الا نوقف التنفس، فتركيا تعتزم التنافس على انتخابها كعضو غير دائم في مجلس الامن للعامين 2015 2016. وهذا بالطبع هو ذات مجلس الامن الذي غرس فيه اردوغان في الاسبوع الماضي خناجر حادة. لا خلاف في انه مطلوب اصلاح عميق في الامم المتحدة، التي قدرتها على حل أو منع الحروب والنزاعات صفرية، ولكن دعوته لحلها واقامة مؤسسة جديدة هي في افضل الاحوال، مظهرا من جنون العظمة. ففي صفوف حزب العدالة والتنمية يوجد منذ الان ناشطون يخشون من أن سلوك اردوغان قد يضر بفرص الحزب لنيل اغلبية جارفة في الحملات الانتخابية الثلاث المتوقعة في السنتين التاليتين. الاختبار الاول سيكون في اذار/مارس 2014، حين ستجرى الانتخابات للسلطات، وبعد خمسة اشهر من ذلك الانتخابات للرئاسة، وفي حزيران/يونيو 2015 الانتخابات للبرلمان. السياسة الخارجية ليست بشكل عام ذات تأثير كبير على نتائج الانتخابات، ولكن عندما تعرض رئيس الوزراء بصفته شخصا قراراته مغلوطة قد يكون لها تأثير حتى في الصناديق المحلية.