راضي شحادة
العملية الإبداعية في المسرح بشكل عام تتأسس علي الجمالية والفكر والتسلية، وهي بهذا تثير الخيال والتفكير وتؤدّي إلي الاستمتاع وترقي بالمتلقي إلي ذائقة جمالية أفضل.
عندما نتساءل إن كان الأفضل من خلال المسرح الوصول إلي هذا الإبداع عن طريق استعمال المسرحيات الدميوية أو مسرحيات الممثلين نجد أن هذين الأسلوبين إنما هما وسيلتان تساعدان علي خلق العملية الإبداعية، وليس بالضرورة أن يكون احدهما أفضل من الآخر لأداء المهمة الإبداعية النهائية. القاعدة الأساسية أن المهم هو العملية الإبداعية ذاتها والنتيجة هي التي تقرر المستوي الإبداعي الكامن فيها مهما تنوّعت العناصر التي نستعملها من اجل تنفيذ هذا الإبداع. وأما بالنسبة للطفل فهو إنسان خام وذهنه متأهّب للتخزين والتلقي، وخياله واسع، وللدمية سحر خاص إذا ما استعملناها في مسرح الطفل كي ننمي عنده عنصر التخيل والتفاعل. في جيل مبكّر يتفاعل الطفل مع الدمية وكأنها مخلوق حيّ حقيقي، وعندما يكبر وينمو عقله بشكل أفضل فهو يميل إلي تصديق أن الدمية مخلوق حقيقي مع العلم انه في الحقيقة يعرف أنها مجرد دمية أو غرض، ولكن خياله الجامح يرغّبه في أن يراها مخلوقا مثيرا للخيال وبالتالي فهو يفضّل أن يراها في عالمها الإبداعي الخيالي حيث اتساع الرحلة يكون لا نهائيا. هذا الشكل من التلقي يرافق الإنسان طوال حياته ولو بشكل متفاوت بين فترة وأخري، فهو يحب أن يستفيد من العملية الإبداعية التي توسّع له أفق الحياة وخيالاتها كي يبتعد عن الانغلاق والروتين. عملية الايهام هذه يتلقاها الانسان بشكل عام من خلال العملية المسرحية الابداعية العرضية (أي خلال العرض المسرحي) في أي شكل من اشكال العرض ان كان ذلك من ممثلين عاديين او من خلال مسرح الدمي. وأما ما يخص بحثنا الذي يتعلّق بتأثير مسرح الدمي ومسرح الممثلين علي خيال الطفل، فلنا معه وقفة خاصة تساعد علي استغلال هذا الفن المؤثر علي الفترة التأسيسية من حياة الانسان وهي مرحلة الطفولة. الدمية هي غرض، ولكن بمجرد ان يكون هذا الغرض له شكل يشبه الانسان او يشبه مخلوقا حيا فان مجرد تحريكها وسط جو قصصي جمالي ابداعي مفعم بعناصر المسرح المختلفة فإنها تعمل العجائب في الفوائد الجمة التي تلقيها بظلالها علي شخصية الطفل. وأما الدمية الجامدة المنفصلة عن هذا الجو الابداعي المسرحي والتي يقتنيها الوالدان لطفلهما لتكون الي جانبه في سريره، فهي لها اثرها ايضا ولكنها تبقي محدودة التأثير اذا ما قارناها مع الدمية التي تصبح جزءا من قصة ومن عالم الخيال المسرحي، والتي لها شخصية تتفاعل مع شخصيات اخري في المسرحية وتتحرك في عالم منضبط من العناصر المغنية للحواس والخيال، والتي يتمتع بها بشكل خاص المجال المسرحي والمتأسسة علي: قصة، تمثيل(عملية التمثيل)، سينوغرافيا، دمي، غناء، موسيقي، اضاءة، ديكور ورسومات، أزياء، اضاءة، ومؤثرات صوتية، وهذه جميعها تشكل عناصر متّحدة تساهم في العملية الابداعية التي تؤثر بعمق في شخصية الطفل وتغني حواسه، وانما عملية الايهام المزروعة في هذه اللعبة المسرحية توسّع لديه افق خياله ومداركه. هذه العناصر جميعها موجودة ايضا في العملية المسرحية الابداعية التي يقوم بها ممثلون عاديون ويؤثرون ايضا، وكما ذكرنا سابقا فان الفارق هو في المستوي الابداعي المعروض وفي قوة التلاحم الفني بين العناصر المسرحية المستعملة ولكن يبقي عنصر اضافي تتميز به الدمية في تأثيرها علي خيال الطفل منه عن التمثيل مع الممثلين وهذا ما يجعلها ذات سحر خاص وتفضيل اخص لدي الطفل الا وهو: الدمية مخلوق يختلف عن الانسان حتي وان كانت تشبهه. انها شكل جامد وفجأة يتحرك ويتصرف بطريقة عجيبة غريبة سرعان ما يكتشف الطفل من خلال عملية المقارنة انها مخلوق يشبه السحرة، فهو يقوم بحركات حيوية ولكنها لا تشبه بالضبط حركات الانسان، وعندما نلمسه نشعر بأنه جماد وعندما نشاهده من بعيد خلال العرض نراه وقد انبعثت روح الحياة فيه. حجمه يختلف عن حجم البشر، وأحيانا يتكلم بدون ان يحرّك شفتيه، ويقوم بحركات بهلوانية يستحيل علي انسان القيام بها، احيانا يتحدث باصوات تشبه اصوات الأحياء العاديين وأحيانا يستعمل اصواتا عجيبة غريبة تختلف عما نسمعه من اصوات في حياتنا اليومية العادية او في حياة المسرحية التي ينفذها ممثلون عاديون. عندما يصل هذا المخلوق الي ذروة ابداعه خلال العرض يهمس عقل الطفل في أذن الممثل الذي يشغل الدمية من مكانه المخفي، بأن يبقي مختبئا هناك وألا يظهر. يريده ان يبقي جنديا مجهولا خادما مطيعا للدمية، وكلما خدمها اكثر كلما ازدادت عملية الايهام والخيال سحرا وجاذبية. انه يريد من مرقّص الدمي أن يعصر كل ما لديه من ابداع وينقله الي هذا المخلوق العجيب الغريب الدمية كي يشطح معها في عالم السحر والخيال. وبما ان العملية الابداعية المسرحية ليست تقليدا للواقع بل استفادة منه وتجييره الي عالم الابداع، فإن الدمية هي خير مثال متطرف لنقل الواقع العادي اليومي الروتيني الي عالم الخيال واللامعقول والحلم والايهام، والانسان بطبعه الرافض للروتين واليومي العادي، فإنه يجد في هذا الابداع المتطرف نوعا من المواساة والمساعدة له ليعيش بمتعة وبحلم وبأمل، وهو مبدأ يرافقه منذ طفولته الي آخر حياته. نسميه الابداع المتطرف لأن الدمية متطرفة في حركاتها قياسا بحركات الممثل العادي. فالممثل العادي يتحرك امامنا ونحن علي يقين انه مهما تغيّر فسيبقي يشبهنا ولن يشذّ عنا كثيرا حتي وان وضع قناعا علي وجهه، فان سائر جسده سيتحرك مثلنا، وان هذا القناع في النهاية سيُزال عن وجهه وسيعود الي شكله الطبيعي الذي يشبهنا به، وأما الدمية فهي تختلف حتي وان وضعت قناعا علي وجهها وانزلته عنه، وحتي وان حاولت تقليد الانسان في حركاته وشكله ولكنها في النهاية تغرينا في شطحات خيالنا ان نعتبرها مخلوقا من عالم الخيال والأساطير. انها مخلوق كوني ينقلنا الي اتساع عالم الكون الغامض بينما الانسان يبقي مخلوقا ارضيا زائلا، ويشبهنا في كل شيء. هذا تأثير حاصل علي الطفل المتلقّي للعملية الابداعية، وأما الأثر العلاجي العظيم الذي تقوم به الدمية، فهي تشكّل طبيبا نفسيا من الدرجة الأولي، فاذا ما سمحنا للطفل ان يحمل الدمي من خلف ستارة تحجبه عن سامعيه، جمهوره، مواجهيه، وتجعل مشاهديه يتتبعون تعابيره ومشاعره ولواعجه وقصصه من خلال الدمية التي تظهر للمشاهدين وتتحرك بارادة ذلك الطفل مشغّلها، ذلك الجندي المجهول الذي يبعث فيها روح الحياة ويجعل روحه فيها فتنوب عنه في نقل مشاعره الداخلية الملتهبة اليهم، ظانا في عقله الباطني انه هو المختبيء والآخرون الدمي هم الظاهرون عنه والذين ينوبون عنه كمحامي دفاعه، فانه من خلال هذا الترقيص للدمي، عن طريق الساحر الخفي الممثل الطفل، فاننا نساعده علي حل عقدة الخوف من مواجهة الآخرين والتعبير عن نفسه امامهم بحرية، اما عن خجل او خوف او تقوقع. هذه العملية بالسماح للطفل ان يشغل الدمية بالنيابة عن نفسه وعن تشغيل نفسه امامهم مباشرة ليواجههم، تساعده وبقوة لاحقا كي يواجه الآخرين ويشعر ان له شخصية قوية.
ہ مسرحي من فلسطين