لا يستبعد بعض المراقبين ان “الدولة العميقة” وأذرعها قد تفتعل أزمات أمنية أو سياسية بهدف تعطيل الانتخابات أو تأجيلها للحفاظ على هيمنتها ولخدمة المشروع الإقليمي.
بغداد-“القدس العربي”: وجهت الأحزاب السياسية العراقية، ضربة جديدة لتعهدات حكومة مصطفى الكاظمي باجراء انتخابات مبكرة، ولإرادة الشعب بالتغيير والإصلاح، عبر نجاح ضغوطها على مفوضية الانتخابات التي تراجعت عن موعدها السابق لتحدد موعدا جديدا يتعارض مع موعد الكاظمي.
وقرر مجلس الوزراء العراقي تأجيل الانتخابات المحددة في حزيران/يونيو المقبل، وتحديد العاشر من تشرين الأول/اكتوبر موعدا جديدا لإجرائها، وذلك بعد يومين من إبداء مفوضية الانتخابات استعدادها لإجراء الانتخابات المقررة في حزيران/يونيو، خلال اجتماع الرئاسات الثلاث بحضور ممثلة الأمم المتحدة جينين بلاسخارت، إلا ان ضغوط الأحزاب المتنفذة أجبرت المفوضية على تغيير الموعد بحجة “الأسباب الفنية” لتتقدم بطلب التأجيل إلى الحكومة التي وافقت بدورها على الموعد الجديد، وليعزز القرار بذلك القناعة بقدرة “الدولة العميقة” على تعطيل تعهدات الحكومة وقراراتها.
وبالرغم من ان قرار التأجيل لم يكن مفاجئا أو مستغربا للعراقيين، إلا انه حظي باهتمام واسع من الأطراف الشعبية والسياسية نظرا لخطورة هذا الإجراء وأبعاده، الذي عكس إصرار أحزاب السلطة على التحدي السافر لإرادة الشعب الذي خرج بالملايين في انتفاضة تشرين مطالبا بالإصلاح والتغيير، وقدم أكثر من 700 شهيد و25 ألف جريح على محراب الحرية والحقوق. وكانت الانتخابات المبكرة أول مطالبه لتحقيق التغيير وانقاذ الوطن من أحزاب الفساد والفشل والتبعية. والحقيقة ان هناك مخاوف جدية من تأجيل الانتخابات بسبب توقعات متشائمة من احتمال عدم التزام أحزاب السلطة حتى بالموعد الجديد لإجراء انتخابات مبكرة هذا العام، بل وعدم إجراء انتخابات حتى عام 2022 عندما تنتهي فترة البرلمان الحالي.
وفيما أكد النائب السابق حيدر الملا، أن العراق لن يشهد أي عملية انتخابية مبكرة هذا العام بسبب اشتراك جميع الكتل السياسية في مساعي تأجيلها، مبيناً ان “العملية السياسية صممت في الخارج على أساس طائفي ولا يمكن تغييرها إلا من الخارج” فإن نائب رئيس الوزراء الأسبق والمقرب من التيار الصدري بهاء الأعرجي، كان أكثر صراحة عندما أعلن ان “انتخابات 2018 هي آخر انتخابات شهدها العراق ولن تكون بعدها اية عملية انتخابية”. وأوضح الأعرجي ان ذلك يعود إلى “ان الأحزاب التقليدية لن تسمح بخسارة مواقعها التي استحوذت عليها على مدى 17 سنة بالتزوير والتدليس” مؤكدا أن أي انتخابات تتوافر على الحد الأدنى من النزاهة ستحرم تلك القوى والأحزاب من امتيازاتها، ما يدفعها إلى تخريب العملية الديمقراطية والإبقاء على الوضع الذي يخدم مصالحها.
أما الناشطون في تنسيقيات التظاهرات، فقد أكدوا في تصريحاتهم وتغريداتهم، على رفض تأجيل موعد الانتخابات، الذي عدوه محاولةً للانقلاب على مطالب المتظاهرين، وتحديا لإرادة الشعب وإصرارا على بقاء احزاب الفساد. وقد تعهد الناشطون باستمرار التظاهرات لغاية إجراء التغيير عبر الانتخابات.
ولأن الشأن العراقي ما زال محط اهتمام أممي ودولي فقد أعلنت الأمم المتحدة تعيين إنغيبيورغ غِيشلادوتير من آيسلندا معاونة جديدة لممثلها الخاص للشؤون السياسية والمساعدة الانتخابية في بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” التي لديها فريق انتخابي منذ سنة 2004 ولغاية الآن شارك في مراقبة ومساعدة العراق في كل الانتخابات والاستفتاءات التي جرت فيه.
وفي محاولة لعدم تكرار سيناريو عزوف الشعب عن المشاركة في الانتخابات المقبلة بسبب التزوير واستخدام السلاح والمال السياسي من قبل أحزاب السلطة، فقد سعت مفوضية الانتخابات وحكومة الكاظمي لإشراك أطراف دولية لطمأنة الناخبين إلى نزاهة الانتخابات. ولذا دعت مفوضية الانتخابات 52 سفارة عربية وأجنبية و19 منظمة دولية، لمراقبة العملية الانتخابية المقبلة، إلا أن القوى الشيعية وكما متوقع، رفضت الإشراف الدولي على الانتخابات، بمبرر انه يمثل “خرقا للسيادة العراقية” حسب تصريح زعيم حزب الدعوة نوري المالكي. وذلك يعود إلى ان الوضع الحالي، وسيطرة القوى الشيعية على الحكومة والبرلمان مناسب جدا لها من أجل ترتيب أوضاعها للانتخابات المقبلة في موعدها الدستوري سنة 2022.
وينسجم الرفض الشيعي مع رفض إيران، للإشراف الدولي على الانتخابات العراقية، حيث أعلنت سفارتها في بغداد “ان الإشراف الدولي يعكس حالة من عدم الثقة بالمراقبين العراقيين وهو ما يشكل مساسا بسيادة العراق”! حسب ادعاءها. فيما يؤكد العديد من المحللين أن تأجيل الانتخابات العراقية جاء برغبة من إيران، التي تريد بقاء حلفائها وأصدقائها في حكومة وبرلمان العراق، لاستثمارهم كورقة ضغط في المفاوضات الإيرانية الأمريكية المتوقعة مع اإارة الرئيس الجديد جو بايدن. ولا يستبعد بعض المراقبين ان “الدولة العميقة” وأذرعها قد تفتعل أزمات أمنية أو سياسية بهدف تعطيل الانتخابات المقبلة أو تأجيلها إلى أبعد فترة ممكنة للحفاظ على هيمنتها على كنز السلطة ولخدمة المشروع الإقليمي. ولعل عودة التفجيرات إلى شوارع بغداد بغطاء تنظيم “داعش” وتزايد الهجمات الإرهابية في المحافظات المحررة، رسائل بهذا الاتجاه، حسب اعتراف نواب وسياسيين.
ولا ريب أن الضغوط السياسية ومصالح الأحزاب والتطورات الدولية، وليس الأسباب الفنية، هي وراء قرار تأجيل الانتخابات، إذ بامكان الأحزاب ومفوضية الانتخابات الاتفاق على موعد لإجرائها وتهيئة كافة متطلباتها قبل موعد الانتخابات السابق في حزيران/يونيو المقبل، ولكن الجميع مقتنعون ان تبريرات تأجيل الانتخابات ليست واقعية، وانما تعكس تعمد أحزاب السلطة في التسويف والمماطلة لإضاعة الوقت، بما يعزز الحقيقة التي أصبحت راسخة لدى العراقيين، وهي أن الإصلاح والتغيير من خلال انتخابات نزيهة في البلد، هو قمة الوهم الذي لن تسمح به ديكتاتورية الأحزاب الحاكمة مهما كلفها الأمر.