تأزم ملف اللاجئين في تركيا.. هل يدفع أردوغان نحو عملية عسكرية جديدة واسعة في سوريا؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
1

إسطنبول- “القدس العربي”: كلما اقترب موعد الانتخابات البرلمانية والرئاسية التركية المقررة في يونيو/حزيران 2023 تُصعد المعارضة التركية من خطابها المعادي للاجئين بشكل عام والسوريين منهم بشكل خاص وسط وعود كبيرة بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم في حال فوزها في الانتخابات المقبلة وهو ما يتوقع أن يدفع الحكومة التركية لمحاولة القيام بخطوات سريعة لسحب ملف اللاجئين من المعارضة قبيل الانتخابات التي توصف بأنها “تاريخية ومصيرية”.
وتطرح منذ أشهر طويلة في أروقة الحكومة التركية العديد من الحلول التي ظهرت على شكل إجراءات تقول إنها تهدف إلى “تنظيم أوضاع اللاجئين”، وتمثلت هذه الإجراءات في منع الإقامة في الأحياء التي يعيش فيها أعداد كبيرة من اللاجئين ومنع تسجيل لاجئين جدد في المحافظات الكبرى والتضييق على إجراءات التنقل بين المحافظات والترحيل الفوري لأي لاجئ يفتعل مشكلة أو يرتكب مخالفة، وغيرها من الإجراءات القاسية.
لكن هذه الإجراءات لم تنجح حتى اليوم في سحب ملف اللاجئين من يد المعارضة التي صعدت حملاتها في الأيام الأخيرة بشكل غير مسبوق وبات الحملات المتعلقة باللاجئين تتصدر التريند على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا بدون انقطاع، حيث تشير استطلاعات رأي مختلفة إلى أن ملف اللاجئين سيكون من أبرز المحركات في التصويت بالانتخابات المقبلة إلى جانب إظهارها أن الأغلبية العظمى من الناخبين الأتراك يدعمون إعادة اللاجئين وخاصة السوريين إلى بلادهم وعدم استقبال أي لاجئين جدد خاصة من أفغانستان وباكستان.
وخلال الأيام الماضية، هاجم زعيم المعارضة كمال كليتشدار أوغلو وزير الداخلية سليمان صويلو مطالباً إياه بالإفصاح عن عدد اللاجئين السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية وأسمائهم الحقيقية وسجلاتهم الأمنية، متهماً الحكومة بأنها تجنس اللاجئين السوريين من أجل الحصول على أصواتهم في الانتخابات المقبلة، وسط حملات منظمة ومتصاعدة تستهدف الحكومة بسبب طريقة تعاملها مع ملف اللاجئين.
كما عقب زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشيلي حليف أردوغان بالحكم على ملف اللاجئين باعتباره قضية تمس “مستقبل تركيا” مطالباً بمنع السوريين الذين يذهبون لقضاء عطلة العيد في سوريا من العودة إلى تركيا، لكن اعتبر أيضاً أن كثير من المناطق في سوريا لا تزال غير آمنة ولا يمكن إرسال اللاجئين إليها. في حين عارض أحمد داود أوغلو زعيم حزب المستقبل إرسال اللاجئين السوريين قبل أن يعم السلام هناك.
وعلى وقع هذه الضغوط، أعلن وزير الداخلية سليمان صويلو تشديد إجراءات عبور السوريين إلى شمالي سوريا وعودتهم إلى تركيا، مشيراً إلى إمكانية إلغاء ما تعرف باسم “زيارات إجازة العيد إلى سوريا” وعدم السماح لمن يذهبون إلى سوريا بالعودة إلى تركيا، حيث تقود المعارضة حملة ضد اللاجئين الذين يتمكنون من زيارة الشمال السوري والعودة إلى تركيا بالقول إن “من يستطيع زيارة سوريا في العيد عليه البقاء هناك”.
ومع تزايد التجاذبات السياسية حول ملف اللاجئين ووصولها إلى درجة غير مسبوقة، تسعى الحكومة التركية لإصلاح كافة الملفات التي تستغلها المعارضة لتعزيز فرص فوزها في الانتخابات المقبلة وأبرزها ملف اللاجئين، وهو ما فتح الباب مجدداً أمام التكهنات حول إمكانية أن تتجه الحكومة التركية نحو تنفيذ عملية عسكرية كبيرة جديدة في شمالي سوريا من أجل إقامة مزيد من المناطق الآمنة وإعادة أعداد أكبر من اللاجئين إليها.
ونفذت تركيا في السابق عمليات “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع الفرات” في شمالي سوريا وسيطرت على مناطق مختلفة شرقي وغربي نهر الفرات، وتقول إن قرابة 500 ألف لاجئ سوري عادوا بشكل طوعي من تركيا إلى تلك المناطق التي زودتها بخدمات الأمن والصحة والتعليم وغيرها.
وفي هذا الإطار، يتجه سياسيون ومحللون في تركيا إلى إمكانية أن يتجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي يسعى لضمان فوزه في الانتخابات المقبلة إلى إقرار عملية عسكرية واسعة شمالي سوريا من أجل تأمين مزيد من المناطق وإعادة تأهيلها من أجل ضمان عودة أعداد أكبر من اللاجئين إلى تلك المناطق قبيل موعد الانتخابات وهو سيناريو ممكن لكنه بحاجة إلى فترة زمنية طويلة تمتد لما بعد الانتخابات، إلا أن مبدأ إجراء العملية وتقديم وعود بإعادة اللاجئين يمكن أن يكون كافياً لتقديم تطمينات ما للناخبين الأتراك.
وكما في العمليات العسكرية السابقة، تحتاج تركيا إلى الدخول في تفاهمات سياسية وعسكرية مع روسيا والإدارة الأمريكية لتجنب الدخول في صدام عسكري في المناطق التي تتواجد فيها قوات أمريكية أو روسية، وفي هذا الإطار يتوقع أن المعادلات السياسية والعسكرية المعقدة التي شكلتها الحرب في أوكرانيا يمكن أن تساعد تركيا في التوصل إلى تفاهمات أسرع هذه المرة في ظل حاجة روسيا للحفاظ على علاقاتها مع تركيا في ظل العقوبات الغربية الواسعة، والعلاقات التي تتطور بسرعة في الأسابيع الأخيرة بين واشنطن وأنقرة، إلى جانب المؤشرات غير المؤكدة بعد عن وجود انسحابات للقوات الروسية من بعض المناطق شمالي سوريا لأسباب غير معروفة بعد.
وفي حال نجحت تركيا في التوصل إلى تفاهمات سياسية وعسكرية بالفعل مع روسيا وأمريكا يمكن أن تبدأ التحضير لعملية عسكرية جديدة بهدف إقامة مناطق آمنة جديدة في شمالي سوريا، على أن تدخل في مباحثات مع الاتحاد الأوروبي الذي لا يرغب في استقبال مزيد من اللاجئين في ظل استقباله ملايين اللاجئين الجدد من أوكرانيا لتأمين تمويل أوروبي لتزويد هذه المناطق بالخدمات الأساسية والبدء بالضغط على اللاجئين للعودة إلى تلك المناطق، وهو سيناريو يجري بحثه بقوة رغم التعقيدات الكبيرة التي قد تعترض طريقه.
والخميس، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن “تركيا بعملياتها العسكرية لا تطمع في أراضي أي دولة، بل تهدف إلى ضمان أمن حدودها واستقرار جيرانها”، وعن اللاجئين السوريين قال: “نحن حكومة تحتضن اللاجئين لا تطردهم، سنضمن عودتهم مع الانتهاء من بناء المنازل المؤقتة لهم شمالي سوريا”، وتابع: “عندما تتوفر البيئة الآمنة لهم (اللاجئين السوريين) فإنهم سيعودون بشكل طوعي”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية