غسان كنفاني - ادوارد سعيد - ايليا سليمان
توثق حكايات الناس بمواصلة روايتها، بالإلحاح عليها، شكلاً وموضوعاً، بطرح هذا الإلحاح أدباً وسينما (أساساً)، وبتمكينه من خلال تقاطعات للحكايات عند موضوعها الأم، وهو، في موضوعنا، النكبة عند الفلسطينيين.
تناول الكثيرون النكبة في أفلام وثائقية، وكذلك كتب بحثية. وهذا مهم وضروري، إنما ليست هذه حكاياتِ النكبة، بل معطيات و»مواد بحثية» تنطلق منها وتُبنى عليها الحكايات، هي المكونات إنما ليست العمران. هي ليست الفن الذي تتشكل به الحكايات، أو الحكاية الجمعية للفلسطينيين.
وكذلك تناول الكثيرون النكبة في كتب بحثية، توثق لما حصل. كل ذلك لا يؤسس، بذاته، سردية ما حصل. هو يوثق تفاصيلها كحقائق. تفاصيل لا بد من حكايتها لتأسيس الرواية الجمعية المبنية على تراكمات روايات فردية، لنؤسس، كما فعل مستعمرونا، أساساً مادياً لا يكون بدون المرويات المعنوية.
تمهدَ الطريق للاستعمار، الذي صار اسمه إسرائيل، باستعمار بريطاني تمهدَ الطريق له، بنصوص وفنون تناول سياقاتَها إدوارد سعيد في «الاستشراق». هي بريطانيا التي كتب عنها الروائي النمساوي ستيفان زفايغ في «التباس الأحاسيس» (1927) قائلاً، من خلال مدرس يخاطب طلابه أن «عليكم أن تفهموا أولاً البلد واللغة اللذين تريدون الإحاطة بهما، انطلاقاً من أسمى شكل في الجمال اتسما به)…( عليكم أن تستمعوا إلى اللغة لدى الشعراء)…(قبل الشروع في تشريحه ودراسته، لأن انكلترا الحقيقية هي إليزابيث وهي شكسبير والشكسبيريون».
يعطي زفايغ قيمةً أولى للفن (أسمى شكل في الجمال) في تشكيل هوية وماهية إنكلترا، ليكون البلدُ ما يصوره/يحكيه الفن، أو لنعرِفه ونعرفه، في التاريخ اللاحق، من خلال الفن. ليكون الأدب (والسينما اليوم) بحكاياته، منفذاً لأي منا، إلى أي واقعٍ لأي تقاطع في التاريخ والجغرافيا. أعطى الفن (شكسبير مثلاً) لإنكلترا مكانتها «القومية»، ضمن حدودها، شكل هويتها التي ستتعداها لاحقاً إلى العالم بصفتها الاستعمارية، وهو مبني كذلك على فنون ونصوص، كما كتب إدوارد سعيد.
يوضح سعيد في عمله «الاستشراق» (1978) الدور الذي قام به الأدب (وعموم الأعمال، فنيةً وغيرها) في التمهيد للاستعمار المادي، فالاستشراق «توزيع للوعي الجيوسياسي إلى نصوص جمالية، وبحثية واقتصادية، واجتماعية، وتاريخية، وفقه لغوية» ويتوسع سعيد في توصيف الاستشراق كوعيٍ أدى أخيراً إلى الاستعمار، ورافقه، ليصف تالياً الاستشراق بأنه «تبادل حيوي بين مؤلفين أفراد، والمؤسسات السياسية الواسعة التي شكلتها الإمبراطوريات العظيمة الثلاث – البريطانية والفرنسية والأمريكية – التي أُنتجَت الكتابة الاستشراقية ضمن حدودها الفكرية والتخييلية».
بنَت إذن الفنونُ وبينَت «إنكلترا الحقيقية» كما قال زفايغ، ثم «أُنتجت الكتابة الاستشراقية» ضمنها تأسيساً لسياستها الاستعمارية التي ستغطي نصف العالم. وكان ذلك ممكناً ومعقولاً وطبيعياً من خلال الحكايات (الأساطير)، فناً وأدباً. وهذا كله كان سبباً باكراً جداً في ما صار يسميه الفلسطينيون لاحقاً «النكبة».
تحكم البريطانيون بأرض فلسطين وشعبها، في تقسيم استعماري للمشرق العربي بينها وبين فرنسا. وخلالها، وبالأسلوب ذاته، أسست وراكمت النوازعُ الصهيونية ثم الحركة الصهيونية، روايتَها لاستلام فلسطين من الاستعمار البريطاني. وذلك، في جزء أساسي منه، من خلال الأدب، مواصِلةً ما بدأته بريطانيا. واحدة من الموضوعات الأساسية في كتاب غسان كنفاني «في الأدب الصهيوني» (1966) كان دور الأدب في التأسيس لأسطورة صهيونية حول فلسطين، وبناء الخطاب الصهيوني على التمهيد الذي راكمه الأدب على مدى سنوات. وهو ما يمكن أن نقول إنه نسخٌ مُسبَق لخطاب الاستشراق الاستعماري كما بينه سعيد.
يكتب كنفاني عن جورج إليوت وروايتها «دانييل ديروندا» (1876) أنها «لم تكن «تتنبأ» ولكنها كانت ترسم خطة عمل، وتدفع نحو صهينة اليهودي، واستغلال عقدة التفوق إلى أقصى حد. سيكرر هرتزل، بعد نصف قرن، الموقف ذاته في روايته «الأرض القديمة الجديدة» (أذكرُ أنها صدرت عام 1902، وسبقها عام 1896 كتيبُه «الإرشادي» «الدولة اليهودية») التي كانت إرهاصاً لولادة الصهيونية السياسية على يديه بالذات». ويضيف كنفاني لاحقاً عن هرتزل أنه «كان أول من أعلن هذا الاتجاه بصراحة في مطلع القرن العشرين، حين نُشرت روايته التي استبقت، عند هرتزل نفسه، الصهيونية السياسية».
يضيف كنفاني إلى الروايتَين المذكورتَين المؤسستَين سردياً (معنوياً ومادياً) للصهيونية، ثالثةً كانت مثلهما أساسية في صناعة وتراكم الرواية الاستعمارية الصهيونية وإن بأثر رجعي. هي «أكسودس» (1958) للأمريكي ليون أوريس التي، بخلاف الروايتَين، لحقت إعلان قيام إسرائيل على أرض فلسطين ولم تمهد لها كسابقتَيها. لكنها، كما سنرى، كانت دفعاً قوياً لتعزيز ونشر الرواية الصهيونية بعد تثبيتها.
في عموم كتابه، يدرس كنفاني الأدب الصهيوني في مراحله المختلفة، وفي تراكمه لنقلِ رواية واحدة، على تباعد نصوصه الأدبية، ويوضح بذلَ «الفكر الصهيوني جهده لتبرير الأعمال الأدبية وإعطائها أرضاً حقيقية، إلى حد لم يعد يستطيع فيه القارئ أن يعرف ما إذا كان «أكسودس» مثلاً هو المصدر الذي يعتمده المؤرخون اليهود؟ أم أن مؤلف «أكسودس» اعتمد المصادر التي كتبها المؤرخون اليهود؟». قد تكون العبارة الأخيرة لكنفاني، ملخصةً لما أريد قوله في هذه الأسطر، إن أهمية الأدب (والسينما، فلفيلم «أكسودس» تأثير في المدارك لا يقل عنه لدى الرواية) تكمن، في هذا السياق، في مكانة المرجعية الواقعية والمؤسسة والمراكِمة للسردية، إلى درجة احتمال التباس الأمر على المؤرخ. وهذا ما فعله الأدب (والفن) الاستشراقي تجاه الاستعمار الأول في فلسطين، ومن بعده الصهيوني تجاه الاستعمار الثاني فيها.
نالت النكبة قدراً واسعاً من التناول في أفلام وثائقية ودراسات، وماتزال تستحق وتتطلب المزيد من ذلك التراكم. لكنه يبقى معطيات واقعية وتقنية، الغاية التوثيقية والبحثية فيها هي الاعتبار الأول. للآداب والفنون سحرُ صناعة الحكاية التي لا هوية ولا ماهية لأي كيانٍ وطني بدونها.
قد نجد روايات فلسطينية وعربية، يمكن أن نصنع منها سرديتنا حول النكبة (المستمرة دائماً)، كما فعل المستعمرون والصهيونيون من قبل، لكنها لم تتراكم بما يكفي، لتغير في النوع، في المدارك. لم تنضج، لا كماً ولا نوعاً. أما السينما الفلسطينية (مستثنياً منها أفلام إيليا سليمان، «الزمن الباقي» تحديداً)، وفي موضوع هذه المقالة، فلا باعث للتفاؤل هنا، على المدى المنظور على الأقل. أو حتى غير المنظور.
كاتب فلسطيني/ سوري