ثمة سُؤالٌ يُراود المنهمم بالشعر، يتعلق بوضع تعريفٍ له، هل الأمر مرتبطٌ بالمحاولات المتكررة لمنح مفهوم لهذا الذي لا يُقبضُ عليه، فمنذ البدايات رام الكثير من النقاد مُجاورة الشعر، تأملا ومصادقة وحفراً في المناطق البكر والجُغرافيات المجهولة، التي ما زالت في حاجة إلى الضوء، نظراً للعتمات المحيطة بها، والموانع التي تحُول دون القبض على مفاصل الشعر.
والحقيقة أن الشعر لا يُعرّف، ومن غير المنطقي والمعقول تسييج الشعر في مفهوم محدد أو تفصيل قالب معين له، لأن ما يُميزه يكمن في خصيصة الانفلات، وفي الصفة الزئبقية، فهو بمثابة البرق والصاعقة في آن، الوميض المنبثق من رحم الدياجير المتوارية في الخلف، هُناك حيث يبقى خارج التحديد، إلا أن هذه المناوشات التنظيرية تعطي الأمل في مواصلة المطاردة والمراودة لكائن لغوي زئبقي، يُقيم في تُخوم اللانهائي، ويؤمن بالترحال في المفاوز الملتبسة، المفضية إلى عالم الإبداع الملتبس، والبعيد عن الوضوح والتصريح والقريب من الإشارة والتلميح.
إن مفهوماً يُصاغ هكذا للشعر، يظل أمرا بعيد المنال، عصياً على الشعراء قبل النقاد، لاعتبار أساس كونه نمطا تعبيريا، ينبجس من أراضٍ أخرى لا تُدرك، ولعل في هذه اللاتُدرك تكمُن جدارة الشعر. فالسير على هدي السابقين لن يجدي نفعاً، ولن يُفلح الشاعر والناقد من وضع الإصبع على جوهره ما دام خليقاً بالتحليق في سماوات مُشرعة على الحلم والخيال، على التجربة والسفر بأجنحة اللغة حيث المجاز لباسه والاستعارة هوية جمالياته.
الشعرُ أكبرُ من جُبة الفراهيدي
إن سيرورة الشعر لا تقف عند حدود نقطة ما، وإنما تحفر طريقها بإرادة الحتمية التاريخية، التي تؤثر في مسيرتها غير الراسية على شط واحد، نظرا لما تعرفه من ترحالات لانهائية، يكون لها أثر ما على معالم الشعرية العربية، وهنا مكمن لاثباتية الشعر مفهوما وتصورا ورؤى. إنها سيرورة متحولة تنزاح نحو وعد الشعر المنتظر. هذا الوعد لن يتحقق إلا بالإقدام على تكسير البنى التركيبية، بعبارة أخرى على استعمال اللغة بطريقة مخالفة للبنى النحوية المألوفة ذات المعطى السائد، فحينما يقف الشاعر عند البنية التركيبية للغة، فلن يقدم شيئا مغايرا، فهو يعمل على تأبيد هذه اللغة في شكل ميت لا حياة فيه ولا إبداع، ومن ثم ضرورة الخروج عن اللغة المعيارية، والانتصار للغة تتخلق من كيانها، بعيدا عن التأثير الخارجي. هذا التأثير الخارجي لن يؤدي دور المحرك والمحور للغة، بل يشكل المعيق للمغايرة التي تمثل سمة من سمات التجديد الشعري. فجوهر الشعرية يكمن في ارتداد اللغة بناء ورؤية عن سمت اللغة القارة على نهج تركيبي متداول لا حياة فيه، وتفتقر للماء الإبداعي الذي يجعل الشعر أكثر بهاء وبُهراً، وهنا مجلى التناقض بين لغة المؤالفة ولغة المغايرة. وفي هذا الخلاف يمكننا التمييز بين شعرية مقيمة في الشكل وشعرية تخلق شكلها من صميم وجودها التحويلي. ولا ضير من القول إن التوظيف الأمثل للغة يتبدى في قدرة الشاعر على تحويلها من مستواها السطحي ذي الواحدية في المعنى إلى مستوى عميق يجعل اللغة تنماز بتعددية المعنى، وهذا لن يتحقق إلا بتسلح الشاعر بإرث معرفي وتجربة تستجيب لنداء الحاضر، وتستقي كيانها من الماضي دون الإقامة فيه، بل تتعداه وتتخطاه عن طريق الفهم والإدراك والوعي، هذا التراكم يشكل عامل قوة وتحفيزاً لارتياد مستقبل كتابة شعرية، تغير علاقة الفرد بذاته وعلاقتها بالآخر، وتؤثر في الوعي بالعالم، وفي هذا جوهر التحويل الشعري.
فشعرية التحويل ذات صيرورة متحولة، مختلفة ومتعددة، لا تتأسس على الاحتذاء، فهويتها في تمردها وقدرتها على الابتعاد عن الحادثة، بتصييرها رمزا مشحوناً بحمولات متنوعة وإيحاءات تجدد أفقها الشعري. لهذا يستدعي هذا الأفق في الكتابة من الشاعر البحث الدائم عن مخارج إبدالية تنطلق من مداخل منتفية في الشعرية العربية، مداخل تؤمن، منذ البداية، بالمخالفة وترسخ مبادئ المغايرة.
والمغايرة الشعرية تميز اللغة بالجدة والخلق لتتولد عنها لغة سليلة الخرق لتشكيل شعري منسلخ عن التقليدية الأسلوبية المهيمنة في الشعرية العربية، فخرق وتجديد لغة الاستعمال العادي فيه حياة جديدة للكتابة الشعرية لاقتناص الوهج الجمالي والفني لتلقيحه بأمصال شعرية خارج الأعراف والعادة.
حفدةُ قُدامة وورثةُ برُومثيُوس
فالإقامة في جبة قُدامة تثيرُ الكثير من التساؤلات ذات الارتباط بأحقية الهدم والتجاوز، ذلك أن قدامة حين فكر في وضع مفهوم للشعر أخذ السياق المعرفي والديني والسياسي والاجتماعي، في المقام الأول والأخير، إذ قيده بترسانة الوزن والقافية، مغيباً الإيقاع، وهو تصور نابع من الوعي الجمالي للشعر والواقع، فإذا كان الكون يحكمه إيقاع التحول والتغير، بحكم دورة زمنية محكومة بناموس واحد، فإن تقييد الشعر بقيود الوزن يعتبر قتلاً لملكة الإبداع، وتجويعاً للخيال، وخنقاً للإيقاع، الذي يرتضي أفقاً مثمراً بامتداداته اللانهائية، دون أن ننسى قيمة اللغة، التي ظلت متعلقة بالجانب المحاكاتي، دون الخروج من دائرة الاحتذاء والجرس الموسيقي، مما كان له تأثير على تشكل الرؤى والتصورات، هذه الأخيرة لم تتجاوز منطق العين الطبيعية، فجاء متخيلها قريب المأخذ بعيدا عن التجريد. لكن واقع هذا المفهوم سيشهد حلحلة إبان مراحل تاريخ الشعر العربي، إذ لم يعد الشعر كلاما موزونا مقفى، بل تحول من حالة التمثيل إلى حالة التخييل، من هنا بدأت البوادر الأولى للتحرر من سلطة قدامة بن جعفر وحوارييه، إلى عالم يتأسس على رؤية خارج أسوار الوزن تخلق الإيقاع الملائم للشكل الجديد. والشعراء هم حفدةُ سارقي النار، الذين اكتووا بنار الشعر المقدسة، وتأهبوا لمطاردة نورها الوهاج في الأصقاع القصية عن الكشف والمكاشفة، إلا بعد المكابدة الأبدية، والمراودة العصية لتشكلات الذات والوجود، ولا عجب في ذلك ما دامت الأكوان مجهولة وغامضة، منذورة للمنفلت والمدهش والمغري، ومجبولة على الإغراء والإغواء، من هنا تتجلى عظمة الشعر، وتزداد قدرة على المغازلة وإثارة الجمال.

الشعري والمعرفي
تخوض القصيدة العربية احتمالاتها في ذاتها، وتؤسس لكيانها الشعري وفق تصور نابع من التحويلات العميقة، التي تمس التجربة، والأشكال التي عبرتها هذه القصيدة، منذ بدايات القول الشعري التي كانت إبان الجاهلية مرورا بما عرفه من انعطافات، كانت حاسمة في ضرورة البحث عن طرائق في التعبير عن الذات ومناوشة العالم بالتساؤلات ذات الارتباط بالكينونة، والالتباس الذي تميز به الوجود، ويفتح مسار الإبدال، وتلك طبيعة الإبداع البشري .
وسيرة القصيدة العربية مليئة بهذه الانفلاتات على مستوى التحويل الشعري، إذ لم تبق مرتبطة بشكل واحد، وإنما تمكنت من تغيير جلدها الشكلي، ولبس شكل تحتمه صيرورة الشعر والمعرفة، فإذا كان الشكل ثابتا فإن الجانب المعرفي متبدلٌ ومتحول، نظرا لطبيعته وللسياقات المحيطة به، فالنص الشعري ذو القالب العمودي، ظل لقرون من الزمن ساري المفعول في الذاكرة العربية، هذه الأخيرة المثقلة بأصوات الخارج وهول الفضاء المكاني الموحش والمثير للخوف والتيه والضياع، قد لبت نداء التاريخ والمكان والزمان وسؤال الحياة والموت، غير أنه نزح عن هذه المنوالية العمودية للانتصار لصوت الذات، التي كان لها حضورها البارز في القصيدة العربية الكلاسيكية، وإن توارت خلف صدى الفكر الجمعي المفروض بسلطة القبيلة، في العهود المقبلة، فكانت المعرفة في تجاور منطقي مع الشعر، الذي انسلخ من الغرضية الشعرية إلى تلبية نداء الشعر المشبع بمعرفة جديدة تتساوق مع نداء اللحظة التاريخية والحضارية، فبرزت الذات كمحور العملية الشعرية، دون الانفصال عن السؤال المعرفي.
الشعرُ ومُطاردةُ التيه الوُجُودي
الشعر كيان لغوي، يتشكل بفضل اللغة، ويعلن عن هويته، بوساطة المتخيل الذي يتحول إلى مادة لنسج عوالم الشعر ومتاهاته، والتجربة باعتبارها ملح الكتابة وأفقها المفتوح على المُدهش والفاتن، والشاعر العربي وهو يؤسس لكينونته الشعرية، كان يجابه ذاكرة مليئة بأسئلة هذا الفناء المحيط به، وتلك المهاوي السحيقة التي تجعل الذات في مقابلة ذاتها، وكونها تثير العديد من الإشكالات المتعلقة بهذه الكينونة المهددة والمحاصرة بكل ما يجعل الذات أكثر هباء أمام عظمة هذا التيه الوجودي، حيث المسالك تقود إلى اللامحدد في نطاق صحراء، تبتلع الكائن وتغيب الممكن ولا تنظر بعين الرضا إلى المستقبل، ذات لا تصالح الحاضر بقدر ما تعتاش من ذاكرة الصحراء، هولها ومهابتها، صمتها الأبدي وهدنة مهددة بتمرد حشود الكثبان على مملكتها التي ترتضي مقام التيه. لذا تخلقت القصيدة من رحم الفراغ، واستوطنت الدهشة الأولى، دهشة قراءة العالم بعين ضيقة، ذات رؤية مجردة من بعدها الدلالي المشرع على الخروج عن دائرة المعنى الواحد.
إن سيرة الشعر موصولة بخيط واهٍ بين الحقيقة والخيال، فالشاعر الملعون هو القادر على خرق العادة والإتيان بالغريب في الصوت والحركة، في اللغة والتركيب، في المعنى والدلالة، فاللعنة إقامة أبدية للشاعر، حتى يستطيع مراودة الخفي والمحجوب، فإذا كانت التمثيل أو المحاكاة بلغة أرسطو، سمة تميز الشعر العربي منذ البدايات، فإن هذا يعطي الصلاحية لتأكيد هيمنة الخارج على الداخل، وتهميش الذات لصالح الصدى المقبل من عهود القوافل المترحلة من هنا وهناك قصد البحث عن أرضٍ الشعر البكر الصالحة للمغامرة.
ظل الشاعر العربي مكبلا بأسطورة وادي عبقر وخرافات الجن، وأطروحة الإلهام، ما كان حائلا أمام تحطيم أصنام العمود الشعري بتجديده وتقديمه في أشكال تلبي نداء الذات وحيرة الكون. فتم تغييب التجربة وانساق الشاعر وراء أوهام الصوت الجماعي، الذي لم يكن سوى خنق لصوته وإقبار له، رغم أن لعنة الشعر ممتعة وموغلة في مقامات الأسئلة.
لكن تاريخ الشعر تاريخ تحويل، لا يستقر على حال، بل هو دائم الاجتراح، وموسوم بالتغير والخروج عن القوالب الكاتمة لصوت الأعماق، اختار هذا المصير المحفوف بالمغامرة والمغايرة كأفق لكتابة شعرية ملعونة، وذات طابع مشاكس ومتحول.
خارج الإطار
الشعر يكرهُ التعريف ووضع المفاهيم، ويمج المعيارية، لكونها تقتله وتُرديه خارج الفن البشري، وتجعله أكثر عُرضة للفهم السطحي، لأنه يؤسس كينونته بعيداً عن القوالب الجاهزة والقواعد التي تشل الحياة في مفاصله، ويخلق العوالم المتخيلة بالعدول اللغوي والبحث عن المناطق اللانهائية في الذات والعالم.
شاعر من المغرب