في طور الحياة الاستعجالية والمتسارعة والأشكال الأدبية المتعددة بفضاءات التواصل الإبداعي المتعددة، كتويتر والانستغرام والفيس بوك، أصبحت هناك أشكال أدبية متوالدة تعبر عن وعي الإنسان المعاصر وخيباته المتراكمة بومضات مكثفة، تفجر بداخلنا أسئلة الوعي والإحساس بالذات والآخر، بإمكانه قراءتها بتغريدة أو مدونة على خلفية صورة بالانستغرام، أو بكتاب الجيب الصغير الذي يكون رفيق الرحلات القرائية القصيرة.
وهذا النوع السردي الذي أقصده هو فن الشذرة الذي أراه رغم اختزاليته، وقصره الشديد، إلا إنه من أكثر الفنون دويا في الوجدان الإنساني لالتقاطه حالات من المفارقات الإنسانية المتعددة بلغة مكثفة ومنحرفة عن المألوف تشتغل على أسئلة العقل والتنوير، والبصيرة، والتعبير بحكمة عن تجارب الماضي، وتساؤلات تثير فينا التفكير بالحاضر كما هو بصرامته وقساوته وتلتقط ما نشعر به بشكل مألوف ويومي، ولكنا نعجز أحيانا عن البوح بها أو صوغها بنسيج لغوي مدهش كما يستطيع بعض الموهوبين من الأدباء، هذا الفن الذي يعرفه فريدريش شليغل، على إنه: «فن يخاطب المستقبل والأجيال القادمة، ويظل معاصروه عاجزين في أغلب الأحيان عن فهمه أو تقبله». أرى إن هناك ازديادا له بعد ظهور عالم تويتر، وأرى بعض المتمكنين له من مثل الأديب الأردني مهند العزب سابق الكثيرين فيه إذ برز به منذ فترة طويلة نسبيا منذ عام 2007م، والمبدعين الجدد مثل محمد بن مانع الشهري، وأميرة صليبيخ التي سنعرض لها بعد قليل. هذا الفن وهو من الفنون الصعبة يجب القول إنه لا يشترط إن يكون كاتبه بالضرورة من المجيدين في كتابة الأشكال السردية الأطول كالقصة والرواية، فهو فن تكثيفي يعتمد على الموهبة في الالتقاط والتصوير والانحراف عن المألوف، والآخران يعتمدان على البناء والحبكة والفصاحة العصية على البعض.
الكاتبة البحرينية الشابة أميرة صليبيخ في مجموعة شذراتها المعنونة بـ «ثالثهم كذبهم» تلتقط بعدسة لغتها المعتمدة بشكل أساسي على بلاغة قول الحقيقة، أسوة بكثير من الكتاب الذين التزموا بدور الكتابة الحقيقي، تلتقط العام والخاص وتعبر عن بحزن يستعين بالعقل لينقل المعاناة الإنسانية من منظور الذات بشكل واع ومنطقي يتقاطع مع تجارب الغير ويعبر عنها، لتكون أشبه بلقطات تشكل ذاكرة للموجوعين بشكل عام وللمتقاطعين مع تجربتها الإنسانية بشكل خاص. في شذراتها هناك امتداد كتابي خطي قصير يتماشى وطبيعة الكتابة الشذرية المفترضة، فنادرا أن يزيد عدد كلمات الشذرة لديها عن ثلاثين كلمة.
أما من حيث المواضيع، فثمة تعدد وغنى على مستوى الموضوعات، والحقول الدلالية المتعددة تنطلق من وجع شخصي كفقدان الأم، ومشترك كأعباء وثقل الذاكرة، إضافة إلى موضوعة تعرية الزيف الإنساني والكذب والنفاق الطاغي على العصر بازدياد مطرد.
إذ يقول عن هذا المنحى: د. عبدالستار الراوي: «أميرة صليبيخ بعقلها النقدي وعاطفتها المتأججة تحاول عبر تجربة الشقاء الإنساني أن تقترب من حقيقة الحب والشقاء، لتلامس المكثفة الحياة بصخبها وجنونها بأحلامها وأمانيها بالكائن وال .. يكون، بالآن والغد، لتجعل الكائن البشري يقف أمام نفسه متأملا الزيف والأقنعة والألوان الفاقعة».
الأمومة المفقودة:-
تبدأ أميرة كتابها بإهداء عام، يليه إهداء خاص موجه لأمها التي فارقت الحياة كما يتضح من مضمون الإهداء إذ تقول:
«إلى أمي التي غادرتنا فجأة دون وداع إرقدي بسلام.. لحين ألقاك».
جميع الشذرات الواردة في المجموعة، عن ثيمة الأم، تتماس مع انزياحات الحياة عن شروطها الإنسانية الطبيعية فتتحول إلى مظاهر وطقوس فقد متتابعة، وحالات حنين لماض لن يعود يتجسد في أماني، فلديها فقد الأم هو فقد للحركة إلى الأمام فتنعدم رؤى المستقبل، والحركة والعيش بصورة طبيعية فعالة، إذ تقول:
«يفقد هذا الكون أمامه عندما تموت الأم»، كما إن الزمن الماضي في الشذرة متمثلا في الفعل (قلت) «قلت احتمالات الفرح منذ رحيلك يا أمي!» يؤكد على تقلص ماهو مجرد احتمال مفترض للفرح، قد يكون أو لا يكون. وماهو أسوأ من هذا كله هو أن يفقد المرء رغبته في الحياة فيطلب الموت للوصول إلى الأم، أو تصل إلى مرحلة الحسد من أي مدفون قرب قبر الأم.
وبعد الاستسلام لتجربة الفقد، والاقتناع إن الموت حاصل لا محالة، ولابد من العيش في هذه الحياة تعايشا من الألم بدأت تعيش بين حالتين الأولى في تذكر الماضي حيث تقول:
«أمي التي كانت تطرز أيامي بأدعيتها».
وترصد حالها في الحاضر قائلة :
«رحلت تاركة دبابيس موتها في حلقي وقلبي!».
إذن هناك حياتان مرسومتان عبر تذكر الماضي المفقود حيث كانت حياة مطرزة بأدعية الأم تهش عنها كل حزن وهم، أما اللوحة الثانية مقترنة بالحاضر تجسد المفارقة بأن هذا التطريز إنزاح ليصبح دبابيس في الحلق والقلب، وكم هذه الصورة مأساوية جدا وعنيفة على القارئ، إذ أحسنت وأجادت رسم مأساتها بحرفية وبانتقائية عالية لمفردات استعارتها الأكثر من معبرة، وكاشفة للحال النفسية، ولرؤية القاصة للحياة بين الماضي والحاضر.
الذاكرة المثقلة:-
بينما تحتاج بعض الأقليات إلى المخيلة والذاكرة لإعادة تشييد الماضي، على حد قول ريكور:«إعادة تشييد الماضي هو من عمل المخيلة»، فإن صليبيخ بحالة هروب مستمر من الذاكرة، وحرب قائمة بين الاستدعاء والنسيان، يبدو إن الرابح فيها هو حضور الذاكرة، مما يعني ان مخيلتها تشيد الماضي اذعانا لحضوره، كما اذعنت لحال فقد أمها، فتقول:
«المتكؤون على الذكرى
لا تسير قلوبهم باستقامة»
مشيرة إلى تعب القلب المصاحب لحالة الاستدعاء والتذكر، حيث عدم الاستقامة إشارة إلى انحراف بنبض القلب، مما يحيل إلى وعكة عاطفية جراء عملية التذكر والاستدعاء.. مما يجعل هذه الذات الحزينة تحاول البحث عن تذاكر للنسياة للنجاة من هذه الذاكرة المريرة دون جدوى:
«نفذت تذاكر النسيان
لذلك ستبقى هذه الرحلة مؤجلة إلى حين»
لتقرر بعد ذلك حاجتها لمقدار بحر لغسل هذه الذاكرة، بملح يزيد الجرح تهيجا وألما، ولكن قصدت الإيحاء بسعة مخزون ذاكرتها أولا، وثانيا: أرادت توضيح صعوبة تطهير الذاكرة.
«أحتاج مقدار بحر لغسل ذاكرتي!»
لتخرج بحكمة أخرى تؤكد إن الحاضر لا يكون بخير إلا بفقد ذاكرة الماضي:
«عندما نفقد الماضي
يستعيد الحاضر عافيته!»
ولكني لا أعتبر هذا من باب المطلق، والتعبير عن ماضي الجماعة، ولكنه تعبير ذاتي عن الماضي الشخصي للأفراد، لما يحمله من أحداث مؤلمة مرت على الأشخاص، بينما بوجهة نظري إن ماضي الجماعات المقموعة بحاجة ماسة لإعادة تشييده وفق المخيلة حتى يكتب ويحفظ ولا ينسى فالأمة التي تنسى ماضيها لا تعيش حاضرها ولا تستشرف مستقبلها.
* ختاما:
رغم إن هذه المحاولة الأولية من الكاتبة الشابة أميرة صليبيخ تستحق التقدير والإشادة، إلا إنه لابد من التنويه على إنه ثمة أخطاء طباعية في المجموعة تتطلب من الكاتبة تنقيحها ومراجعتها، يلي ذلك هناك خفوت للتكثيف في بعض الشذرات مما ينقلها من الحيز السردي الذي يعتمد التكثيف والمفارقة ورصد التناقضات إلى الصيغة الخبرية العادية غير المشوقة لأفق التلقي الباحث عن الجدة والابتكار بين دفتي اللغة ولكن باشتراط منطقي كما يقول ريكور متحدثا عن قضية إبصار الشبيه في الاستعارة: «إن التشابه يتمثل إذن في تغيير المسافة داخل فضاء منطقي»، وهو ما لم نر المبدعة وقعت في شراك عدم المنطقية، بل بالعكس غالب ما طرحته تم في دائرة دلالية منطقية، لم نجدها عند الكثير من المبتدئين.
* ناقدة وكاتبة كويتية
* أميرة صليبيخ، «ثالثهم كذبهم»، الدار العربية للعلوم، بيروت، الطبعة الأولى 2014م.
سعاد العنزي