ليس من الهين الوقوف على أسرار التجربة الشعرية للشاعر صلاح بوسريف، لما تختزنه من مرجعيات متعددة، تتطلب مجاراة ومتابعة هذه التجربة منذ بداياتها، لأنها مرتبطة بنسق في خط أفقي لا متناه، لما تزخر به من صور بلاغية بحكمة ومرجعية تمتح من معارف خصبة ومختلفة يصعب تحديدها، أولا لتداخلها وثانيا لانسيابها ضمن نسق شعري، يحتاج إلى دراسة علمية وأكاديمية تلقي الضوء على مكامن القوة في شعر صلاح بوسريف، كما هي الحال عليه في دراسة نقدية للشاعر والباحث محمد الديهاجي، في كتابه الموسوم بـ»الشعري والسير ذاتي، نحو ميثاق تخييلي جديد عند صلاح بوسريف» إذ يقول «ولعل صلاح بوسريف، هذا الرجل الذي يأبى أن يستقر على أرض واحدة، لكأن الريح تحته، هو واحد من القلائل الذين ينتسبون إلى هذا الأفق، ويذهبون إليه إبداعا ونقدا».
بمعنى، أن هذا الشاعر زئبقي في تعامله مع دلالات النص الشعري في بعده الإبداعي، وكأنك أمام عدة تجارب تتقاطع في تجربة واحدة بتناسقها وتسلسلها، في علاقتها بالماضي والحاضر، على شاكلة تجربة الفنان التشكيلي الألماني جيرار ريشتر الذي اشتغل على جميع التجارب التاريخية التشكيلية، ليحظى بتجربة واحدة من إبداعه، بقراءات متعددة لا يمكن النفاذ إلى مغزاها، إلا بقوة المعرفة بحيثيات التكوين البلاغي واللغوي والسردي والخيالي والتاريخي للمبدع.
إن ما يميز تجربة صلاح بوسريف هو ابتعاده عن ما هو أيديولوجي، باعتباره يؤمن بما يسمى بالإبداع الكوني، نصرة للفرد والجماعة معا في قالب يتميز بشرط الموضوعية في التعامل مع النص الشعري، بعيدا عن ما يحيط به من شوائب قد تؤثر على تفكير الشاعر وانحيازه لما هو بعيد عن الشعور والإحساس، إذ يقول صلاح بوسريف في جزء من حوار له مع محاوره الشاعر فوزي عبد الغني، في كتابه «قلق الحافة» بهذا الصدد ما يلي: «فأنت لن تجد في دواويني كاملة… أي حضور للشرط الأيديولوجي، أو السياسي، في صورته الفجة، والسطحية التي تخفي النص، وتبعده».
إن غياب الأيديولوجيا في تجربة صلاح بوسريف، لم تكن فقط على المستوى النظري، بل واقع تثبته وتؤكده كتابته في هذا المنحى، من خلال كتابه الموسوم بـ»المثقف المغربي بين رهان المعرفة ورهانات السلطة» كوجهة نظر، حيث يقول في الكتاب نفسه تحت عنوان: «تبعية السياسي وحرية المثقف» ما يلي: «المثقف، صاحب أفكار، وصاحب رؤية ثقافية، أو هو، بالأحرى، صاحب مشروع ثقافي، كما يستوعب الفكر، أو يسعى لفهم ما يجري حوله من خطابات، فهو يستوعب السياسة، بوضعها في سياق فكري أوسع، فهو يجعل السياسة تنصت للثقافة، أو الفكر، وليس العكس».
وطبعا، فالشاعر يشكل جزءا من هذا المشروع، بكونه مثقفا ويرصد بغريزته كل التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للرقعة الجغرافية، التي ينتمي إليها، وبهذا، يكون الشاعر صلاح بوسريف ممن يدافع منذ البداية عن استقلالية المثقف عن السياسة أو الأيديولوجيا، كيفما كانت اهتمامات هذا المثقف الإبداعية أو الفكرية. ومن خلال هذا، ندرك هنا توجه الشاعر نحو أفق مفتوح، كباب مشرع على جميع التأويلات الممكنة، التي تلزم نصوصه الشعرية بالتعامل مع الإدراك الحسي والمخيالي للتركيبات البلاغية والصور الجمالية والقبض عليها، بعيدا عن أي تأثير خارج ما هو إبداعي وفني.
وحتى لا أزيغ عن المجرى الحقيقي لمدارج القول، إنه من الصعب تحديد النسق الشعري لصلاح بوسريف، نظرا لتعدد المدارس في تجربته، لكن هذا لا يمنع من وجود نقطة التقاطع والتلاقي في مشروعه الشعري برمته، هذه البؤرة بالمفهوم الإيجابي للتلاقي، تنعكس على تصوراته الجمالية للكون، ولما تركه المبدعون الأوائل من ذخائر كانت أرضية لاشتغال الأجيال اللاحقة، ومن بين هذه التحف الخالدة «ملحمة جلجامش» التي تعتبر أول وثيقة كتبت في الوجود، وهي قصيدة ملحمية كتبت بالأكادية، خلال أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، ما يدل على نباهة الشاعر وفطنته في التعامل مع النصوص الأصلية المرتبطة بخيال البعد الجمالي لفهم مكنونات الوجود والكون.
كما أنه ليس في متناول كل الشعراء نسبيا الاشتغال على ثيمات من هذا النوع، لما تتطلبه من دراسة وبحث عميقين لهذا الموروث الإنساني، بعيدا عن المراوغات اللغوية الماكرة، التي لا تنعتق من برودة المعنى في صورها الدلالية. فصلاح بوسريف، وقبل أن يلج أبواب المغامرة الشعرية، لم يكتف بالدراسات الأدبية فقط، بل انفتح على عوالم أخرى مرتبطة بالفلسفة والتاريخ والأبستمولوجيا، أي الشروط الضرورية للمعرفة بمصادرها، وغيرها من العلوم الوضعية، ما جعله متنقلا جسديا عبر الأمكنة وزمنيا، عبر كل ما هو ذهني مرتبط بالبحث والقراءة وحسن الإنصات. لدرجة جعلت منه جوالا ومتنقلا بحثا عن حقيقة غائبة كزيارة قبر مولانا جلال الدين الرومي في ولاية (قونيا) في تركيا، وشمس الدين التبريزي، إلى جانب اهتمامه بفلسفة ابن عربي، ما يبرز ويبرهن على حضور الجانب الروحي بمقاصده الصوفية والجمالية، التي لا تخلو من شوق وعشق وهوى وجوى… في عدد من قصائده، إذ يقول في مقطع من قصيدة في ديوانه «بلد لا أين له» تحت عنوان: «شهوات العاشق»:
… أي هواء
هذا الذي قادني
صوب حتفي
وبدد كل أوصالي
أصابعي ترتعش
لهيبها في
جسدي
انساب
تعالي إلى شرري
فأنا
من فرط نداوتك
نذرت لك روحي
ونثرت في أرضك شجري
أنت لي حرث
و
أنا
آتي حرثي متى شئت…
وهذا ما يدل على مدى اهتمام الشاعر بالجانب الروحي أو الصوفي كما يريد أن يسميه، الذي لخصه في جملة من كتابه الموسوم بـ»حداثة الكتابة في الشعر العربي المعاصر»، وهي أن «الأفق الشعري المتكثر، جعل الصوفي يخفف من قيد القصيدة التي كانت تفرض عليه نمطها، وتجعله يبقى أسير شكل لا يحتمل تلك اللغة المقبلة إليه من وجدان مشتعل».
أما في ما يخص تأريخ الأمكنة فلم يستثن كذلك، صلاح بوسريف في الجزء الأول من كتابيه «الأعمال الشعرية» الصادر عن دار افريقيا الشرق، زيارته لشارع المتنبي المعروف ببيع واقتناء الكتب في العراق عندما كان طالبا هناك، وشارع المتنبي وشارع الفداء والشاوية في المغرب مرورا بنصوص عن أمكنة أخرى وأشخاص كانت تربطه معهم علاقات روحية قوية كوالده وولديه لميس وأيمن، وأصدقائه من الشعراء كأحمد بركات ومحمد بنطلحة وأدونيس والعازف منير بشير والتشكيلي عبد الله الحريري.
لم يتوقف النهر الجارف بالرغبة في الكتابة والإبداع عند هذا الحد في تجربة صلاح بوسريف، بل تجاوزت آفاقا أخرى شملت قصائد لا يمكن استدراك مغزاها، بمنحى عن الصور البلاغية والخيالية التي جاءت فيها، إلا بمنطق المعرفة للتاريخ والفلسفة ببعديهما الأسطوري، كما هو الشأن في ديواني «مثالب هوميروس، نكاية في الآلهة» و»مثالب هوميروس، هلاس الأوقيانوس»، حيث يحضر الشعر بطعم الأسطورة، كجسر بين الوقع والخيال في شبه مشاهد درامية تحيلنا على لوحات فنية تغمرها الحركة والألوان، في محاولة استضافة القارئ لإعادة قراءة التاريخ الذي يعيد نفسه بطريقة دائرية عبر الأمكنة والأزمنة المتعددة.
ففي الجزء الأول من مثالب هوميروس يقول في شطر من قصيدته «لنفك الطوق»:
«…وهاااا نحن نحاصرهم ابتزازا لأجل ميلانوس
ليستعيد هيلين زوجته المسروقة،
كما تدعي»
وهي المشاهد التي استقاها الشاعر بذكاء القناص للحبكة الشعرية بأفقها المعاصر من حرب طروادة، ليغلق الدائرة من خلال الرد على صوت آت من خارج هذه الدائرة حيث يقول الشاعر:
« أ
أنت
في داخلها،
أم
الريح تجري بك خارج الطوق؟
أنت من ضربته على عينيك فرأيت الضوء ظلمة جرت فوق الأرض،
والليل أخذ النهار،
كما أنت قهرا أخذت بريسيس،
لا
بسكينة القلب وانشراحه»
لم يكن هنا اهتمام الشاعر صلاح بوسريف بالأسطورة، إلا مدخلا لنظم الشعر من جوانية الفعل الإبداعي، المتميز بنظرته الكاسحة لخريطة الشعر العربي والعالمي، بأبعاده الزمنية منذ تاريخ ولادته، كما لا يخفى على أحد أن معظم نصوصه الشعرية يتجلى فيها ذلك البعد الجمالي الذي يبحث عنه كل مبدع في مجاله، ما دفع بمشروعه إلى الانعتاق من النمطية والابتذال، نحو أفق مفتوح يتغذى من كل مكونات مفهوم الجمال.
* كاتب من المغرب