تأملات في موت كمال سبتي علي كرسي موحش، في مدينة صنعها النسيان

حجم الخط
0

تأملات في موت كمال سبتي علي كرسي موحش، في مدينة صنعها النسيان

فاروق يوسفتأملات في موت كمال سبتي علي كرسي موحش، في مدينة صنعها النسيان تلك السعادة غائبهصبر مضي، صبر سيمضي وهي طعم ما تمطقه اللسانكأنما منذ الازلوكأنما من ليلة أو ليلتينكأنما ولدت باسبانيا القريبة كالاملأو كالازلوكأنما اندثرت بارياف البلاد الواطئهتلك السعادة غائبههي هاهنا قولوا وربتما سأضحك من ظنونيكأس شاي الصبح والبيض المكرر كل يوم والدجاج السهل في طبخ الغداءورحلة الارزاق من بيتي الي سوق النبيذ الحلو مرتفع الكحولوعودة حتي بلا ادني صفير للمزاح مع النساءبلا فضول للكلام عن السماء وغيمهاوبلا خرافة أن تري عيناي في المشي الطريقمخافة من ايما عثر،وإلا دندنهبقصيدة في المشي عن ايلام اسبانيا”اليها .. ثم لا ترجع ولا ترجع”سأضحك من ظنوني كل كأس من نبيذ، كل دندنة ببيت أول،وبغصة في الدندنه:تلك السعادة غائبه .كمال سبتي 2005غ1فعاش الشاعر العراقي كمال سبتي (توفي قبل ايام في سيتارد الهولندية) مستثني من كل بداهة. كانت حياته مجموعة متلاحقة ومتقاطعة من الاستثناءات التي وهبته صورة البطل المتمرد الذي يحرص في استمرار علي أن يغذي قطيعته باسباب خلاف نبيل وصلب، تضفي علي شخصيته سحرا مضافا. لقد صنع قدره وحيدا وغريبا ونافرا. ومع ذلك فانه لم يعش أبدا لحظة ضعف، بل كان يقوي نفسه بخزين من القناعات التي تعلي من شأن الأسي لتضعه في مصاف الأمل. كان شعوره بالعزلة يتسلل الي من خلال صوته الذي كان يصلني في الاونة الاخيرة يوميا. كان لا يصدق أن الزمن مضي بمثل هذه السرعة بنا فتجاوزت اعمارنا الخمسين، كلنا (نحن ابناء ما اصطلح علي تسميته في العراق بجيل السبعينات الشعري). لم نعد شبابا، بل نحن في الحقيقة ننحدر الي خريف العمر من غير أن تعدنا الرؤيا بوطن. وهناك من بيننا من ذهب الي الموت تاركا دفاتر يتسلي بها الآخرون مبهورين، مثلما فعل رعد عبد القادر. واذا ما كانت الحكمة (بشكلها السافر) قد تسللت الي شعر كمال فصنعت كتابه الأخير : صبرا، قالت الطبائع الاربع (الصادر عن دار الجمل 2006) فلم يكن ذلك الحدث إلا مؤشرا خطيرا علي استسلامه لشيخوخة مبكرة، الامر الذي مهد لوقوعه تحت طائلة البداهة التي تقول: (الوحيد يموت مبكرا). وهي البداهة الوحيدة التي انتصرت عليه، وأخذته معها بعيدا عنا لينتهي بها الفصل الأخير من اسطورة رجل أبي سوي أن يكون آسرا لا أسيرا، في الشعر كما في الحياة. فكمال سبتي لم يكتف بعدم الاحتماء بالاحزاب والتكتلات السياسية العراقية التي اقيمت في المنافي، وهو المعارض الصلب للديكتاتورية، بل كان يهاجم ما تنطوي عليه تلك التجمعات من قطيعية طائفية و فكرعشائري مريض. وكان ذلك حرصا منه علي أن يقدم نموذجا للمثقف المستقل، المتمسك بنزاهة المبدأ. وهو ما جعله يقف وبقوة ضد الغزو الامريكي للعراق، في الوقت الذي كان فيه حاملو شعارات اليسار قد صنعوا من سمعتهم قرابين لتدوسها عجلة الحرب الامريكية. كان كمال سبتي رجل العزلة الذي ليس من اليسير اختراقه أو اللعب بقناعاته. ويمكنني القول أنه ينتمي الي القلة التي تعرف ماذا تريد وماذا تفعل. في حوار مع اسكندر حبش يقول: “لا عدو للشعر أقسي وأخطر من الحزب، أي حزب. كان علينا في المنفي أن نقوم بحهدد جبار من أجل تحرير الادب من ربقة العبودية الحزبية. وفي ما يخصني فلقد كتبت مئات الصفحات حول هذا الأمر مقالات وردودا حتي تغير الأمر بعدها فأصبح من العار علي شاعر عراقي أن يلفظ اسم حزب أو اديولوجيا في حضرة الشعري البهي الخالص.الاديولوجيا مسطرة للوعي والمشاعر يرفضها الشعر والعقل المتحرر، والحزبي في الأدب والكتابة هو عنصري سادي مريض هدام ينبغي أن يقدم الي محكمة العدل الدولية في لاهاي كونه مجرما في حق الانسانية لا أن يفكر في نيل الجوائز الادبية”. هذه المعاني وسواها صنعت من حوله جبهات زادت من عزلته، وفي المقابل فانها توجته في أعين الكثير من الشباب بصفته نبيا أعزل تشبها بتروتسكي، الشخصية الماركسية الوحيدة التي سحرته وخصها بمحاضرة طويلة، لا ابالغ إذا ما قلت أنها كانت تجربة فريدة من نوعها في الكتابة التي تمزج الادب بالسياسة بالتاريخ.غ2فآخر مرة التقيته في منفاه الهولندي عام 2001، كان يعيش زاهدا، غير أنه لم يكن ليترفع عن الدخول في حروب صغيرة دفاعا عن قناعاته ضد السياسي والحزبي بصيغتهما العشائرية، وهي اختراع عراقيي المنافي كما كان يقول. بعدها حل الصمت بيننا، وفجأة قبل سنة بالتحديد، فوجئت أن كمال يحضر بصوته لنستأنف صداقتنا من جديد. كان هذه المرة قد فرغ من كل حروبه. غير أنه كان يعاني من ثغرات واضحة في ذاكرته الحديثة (ربما بتأثير حياة العزلة التي يعيشها في بلدة لا يعرف من سكانها سوي صديقته، وهي رسامة هولندية يبدو أنها كانت تجيد الاسبانية أو هكذا يخيل الي) اما ذاكرته العراقية فقد كانت علي قدر هائل من الوضوح والاستنفار. كان يتلو علي أحداثا شخصية غابت عن ذهني تماما، عشناها سوية في السنوات العصيبة التي قضاها منفيا في بغداد ما بين قدومه من الناصرية عام 1974 الي لحظة هروبه الاعجازي عام 1989 حين اختفي في مطار روما وهو محاط باعضاء وفد رسمي من ادباء السلطة. كانت رحلته فيما بعد نوعا من الاوديسة وصولا الي اسبانيا. ولكن كيف انضم كمال الي حشد السبعينيين بقوة وهو الغريب عن بغداد؟ ربما يكون الشاعر والمفكر كاظم جهاد هو السبب، وهو ما ارجحه. لقد حضر جهاد الي بغداد مثل عاصفة، ماكنة لانتاج شعر مدهش، سارع البعض الي دعم طبعه في الكتاب الوحيد الذي صدر لجهاد في بغداد عام 1974(يجيئون أبصرهم). ولقد تزامن صدور ذلك الكتاب مع احتفاء مجلة الكلمة (ذات الانحياز الادبي الستيني) بظهور جيل شعري جديد. يومها لم يكن كمال سبتي معنا. غير أن حضوره بدا واضحا ومقلقا وصادما بعد ذلك بقليل بعكس عقيل علي (وجد ميتا علي أحد الارصفة في بغداد قبل حوالي سنة) الذي بشر به جهاد كثيرا. كمال كان نوعا من المثقف الحيوي، الذي يريد له مكانا في دائرة الحدث الثقافي، وهو ما استطاع أن يكونه بدءا من عام 1978. بعدها صدرت كتبه الشعرية (وردة البحر) (ظل شيء ما) ( حكيم بلا مدن) (متحف لبقايا العائلة)، قبل أن تسنح له الفرصة لكي يكون منفيا، بدلا من أن يصبح لعثمة طارئة وخرساء في الة حرب مرعبة. كانت طريقه الي هولندا التي وصلها متعبا طويلة. ولكنها الطريق التي أهلته لكي يأخذ المعرفة الي الشعر بعكس تلك الطريق التي سار عليها كاظم جهاد من قبل، حيث التهمت المعرفة الشعر.غ3فيقول كمال سبتي: “انا لست سعيدا في حياتي. هذا ليس سرا، لكن هناك أمر آخر في شعري أهم فنيا ومعنويا من الحزن وأعني به التراجيديا الشخصية. قلت مرة إن المعرفة ستكون باردة بدون تراجيديا شخصية. فما بالك بالشعر. انا أسعي إلي أن تكون التراجيديا حاضرة في شعري. انا شاعر تراجيدي. ساقول إن التراجيديا معلمتنا. لا طعم للأدب كله والفن كله بلا تراجيديا شخصية. الشعراء اللغويون أفسدوا الشعر بملئه بتراجيديا لغوية باهتة وباردة. الشعر لا يصنع بتراجيديا ذهنية متخيلة في اللغة ذاتها. إنه دم الشاعر وحكايته الشخصية في هذه الحياة. لا امنع المرفهين والاثرياء من أن يقولوا إنهم معذبون. لكنني لا اطيق شعرا تكتبه كائنات لغوية ذهنية باردة لا يمكن لمأساة أن تصبح لعبة لغوية. إن اصبحت كذلك فهذا جرم مشهود”. يؤكد الشاعر الراحل هنا انه لا يجد من عمل يستهويه مثلما هو سعيه الي كتابة سيرته الشخصية شعرا، وهي سيرة يمتزج من خلالها الم المعرفة بخبرة العذاب الشخصي. وهو ما بدا جليا في كتبه التي اصدرها خارج العراق: (آخر المدن المقدسة) (آخرون قبل هذا الوقت) (بريد عاجل للموتي). وهي كتب للأسف طبعت بشكل سيء ووزعت بشكل أسوأ. وقد يكون مفاجئا إذا ما قلت أن سيرة كمال سبتي يمكن اختصارها بفكرة نوفاليس عن حلم العودة الي البيت. لقد عاش سبتي حياته كلها خارج البيت. حتي أنه كان يقرن حنينه الي بغداد برغبته في العودة الي غرفة صغيرة في فندق الصياد، حيث ترك هناك حقيبة ثيابه قبل أن يغادر العراق نهائيا. الان لم نعد واقعيين كما كنا. غالبا ما كان كمال يفكر بالشاعر الشهيد علي غرار السياب أو حاوي وهو يعرف أن صفة الشاعر النجم لن تكون من نصيبه. ذلك لأنه اختار ان يسير علي طريق يصنعها شغب روحي لا يبارك الآني بل يرتجل أبده الخاص. شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية