تأهيل اليمن اقتصادياً هل يكون بوابة العبور لمجلس التعاون؟
عادل أمينتأهيل اليمن اقتصادياً هل يكون بوابة العبور لمجلس التعاون؟ تقوم الحكومة اليمنية حالياً بعمل الترتيبات اللازمة لانعقاد مؤتمر الدول المانحة الخاص باليمن والذي ينعقد في العاصمة البريطانية لندن خلال الفترة من 15 ـ 16 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، والهادف لدعم الاقتصاد اليمني وتأهيله تمهيداً لانضمام اليمن الي عضوية مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات المقبلة ـ حسب بعض المراقبين اليمنيين ـ وتعول الحكومة اليمنية كثيراً علي مؤتمر المانحين هذا لا باعتباره طريقاً موصلاً لعضوية مجلس التعاون فحسب كما تتمني بل ولأنه صار مطلباً ملحاً طوق نجاة لخروج اليمن من أزمتها الاقتصادية الخانقة، وكان وزير التخطيط والتعاون الدولي اليمني قد أشار الي حاجة اليمن الي حوالي 48 مليار دولار لبلوغ أهداف الألفية الثالثة للتنمية، فيما يبلغ حجم الفجوة المالية 17 مليار دولار، وتأمل الحكومة اليمنية ان تعمل دول الخليج ومجموعة الدول المانحة علي سد هذه الفجوة، وفي هذا السياق استضافت العاصمة صنعاء الأربعاء الماضي اجتماعاً لوزراء خارجية ومالية دول مجلس التعاون بمشاركة الجانب اليمني الذي عد هذه الخطوة بمثابة التزام من قبل هذه الدول ببرنامج دعم اليمن للاندماج في الاقتصاد الخليجي.العضوية بين الحماس والجديةيري مراقبون ان اليمن تبدي حماسة شديدة هذه المرة لبرنامج التأهيل الخليجي الذي سينفذ بمساعدة دولية كونها تعتقد ان برنامج التأهيل هذا سيكون بمثابة البوابة التي ستعبر من خلالها الي عضوية مجلس التعاون خصوصاً مع وجود اشارات بتشجيع أمريكي لهذه الخطوة، وتري حكومة الجمهورية اليمنية ان الأوضاع المحلية والاقليمية والدولية باتت مهيأة أكثر من ذي قبل لانضمام اليمن الي مجلس التعاون الخليجي، ومن المؤكد ان انجازاً كهذا لو تم سيكون أعظم انجاز سياسي يختم به الرئيس صالح مشوار حياته الحافلة، بيد ان القضية أكبر من مجرد أمنيات أو مطالبة للغير بأن يبذلوا قُصاري جهدهم لتأهيلنا في الوقت الذي لا نطالب فيه أنفسنا بالشيء ذاته.اليمن اليوم امام فرصة تاريخية ربما لن تتكرر ويجدر الاستفادة منها الي أقصي درجة، وعليه فان اظهار الحماسة وحدها لا يكفي بل يتعين العمل بجدية متناهية في تهيئة الأوضاع الداخلية لتتلاءم مع شروط الانضمام لمجلس التعاون ولتحوز اليمن ثقة الدول المانحة وتحصل علي مساعداتها.أمام اليمن حزمة من الاصلاحات في الجوانب السياسية والاقتصادية وكذا فيما يتعلق بتوسعة الحريات والحقوق العامة يتوجب سرعة العمل علي تنفيذها لانقاذ ما يمكن انقاذه ولاثبات جدية التوجهات في تبني سياسة اصلاح حقيقية للأوضاع، صحيح ان اجراء انتخابات رئاسية ومحلية يصب في مجري تعزيز المسار الديمقراطي وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية الا ان الانتخابات وحدها ليست كل شيء، فهناك 16 مؤشرا ـ يتم تقويم أداء الحكومات والحكم عليها من خلالها، من ذلك مؤشر مكافحة الفساد، والحكم الرشيد، والاستثمار في الشعب وسيادة القانون والصوت والمساءلة، وفعالية الحكومة، والسياسة التجارية والمالية، وتختلف المعايير المتعلقة بالفساد باختلاف الجهات الدولية ومصالحها، الا ان جميع الجهات جعلت مكافحة الفساد ضمن المعايير الأساسية للحكم الصالح، فلو نظرنا الي المعايير التي يستخدمها البنك الدولي فسنجد أنه يركز علي ستة معايير هي:ـ المحاسبة والمساءلةـ الاستقرار السياسيـ فعالية الحكومةـ نوعية تنظيم الاقتصادـ حكم القانونـ التحكم بالفسادوفي المقابل نجد منظمة التعاون الاقتصادي للتنمية تركز في دراساتها علي أربعة معايير فقط هي:ـ دولة القانونـ ادارة القطاع العامـ السيطرة علي الفسادـ خفض النفقات العسكريةأما الدراسات الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الانمائي فهي أكثر شمولاً وتضمنت تسعة معايير هي: (المشاركة ـ حكم القانون ـ الشفافية ـ حسن الاستجابة ـ التوافق ـ المساواة وخاصة في تكافؤ الفرص ـ الفعالية ـ المحاسبة ـ الرؤية الاستراتيجية) ـ أنظر التقرير الاستراتيجي اليمني 2005م ـ وعلي هذا الأساس فان علي الحكومة اليمنية ان تثبت جديتها ومدي مصداقيتها في بقية المعايير الأخري والتي علي رأسها مكافحة الفساد، مع ان المؤشرات تقول بأننا نبتعد كثيراً عن التوجه الحقيقي للاصلاح الشامل، وكدليل علي ذلك فقد أعلن صندوق حساب تحدي الألفية تعليق مساعداته المالية لليمن للعام الثالث علي التوالي (2005، 2006، 2007) وقال تقرير صادر عن المؤسسة الدولية ان اليمن رُشحت بالفعل لتلقي مساعدات 2007 الا ان أداء الحكومة الضعيف بكوادرها غير المؤهلة علمياً والتي تفتقر الي الكفاءة والمهنية قد أدي الي تغيير مفاجئ في المؤشرات مما حدا بصندوق حساب تحدي الألفية الي توقيف اليمن من استلام المساعدات الاقتصادية والمالية للسنة المالية 2007م، وفي نفس الاتجاه فقد قلص البنك الدولي معوناته المالية لليمن للفترة الزمنية الممتدة من عام 2005م الي عام 2008م بنحو 34% الي 280 مليون دولار، وأرجأ معونات مالية بقيمة 700 مليون دولار لأن الحكومة اليمنية لا تقترح أية مشاريع مناسبة ومتفق عليها رايز هيرمان ـ الصحوة 2/11 .وهكذا نجد ان التحدي الأكبر أمام الحكومة اليمنية هو في مدي مصداقيتها في مواجهة الفساد، ومع أنها سارت في هذا الاتجاه بعض خطوات تمثلت في تشكيل الهيئة العليا لمكافحة الفساد، والبدء في اعداد قانوني المناقصات والذمة المالية تمهيداً لاقرارهما من مجلس النواب الا ان المشكلة ليست في اصدار التشريعات وانشاء الهيئات واللجان بقدر ما هي في جدية التنفيذ، فالحكومة للأسف تعمل مع الوقت علي تفريغ تلك الهيئات والتشريعات من مضمونها وتحولها علي المدي الي مجرد اجراءات شكلية لا قيمة لها وكأنها كانت عبارة عن مسكنات لتهدئة خواطر المراقبين في الخارج والمعنيين في الداخل، وكمثال علي ذلك فان الحكومة اليمنية لا تتعامل بالجدية المطلوبة مع تقارير الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة المتعلقة بقضايا الفساد، وغالباً ما تذهب تقاريره الي الأدراج، الي جانب ان الحكومة ترفض تبعية جهاز الرقابة لمجلس النواب وتصر علي ان يظل تبعاً لها.الطريق ما يزال بعيداًالمؤسسات الدولية ومجموعة الدول المانحة تراقب عن كثب أداء الحكومة اليمنية وكذلك تفعل دول مجلس التعاون الخليجي التي يهمها الأمر أكثر من غيرها باعتبار ان ذلك مرتبط بقرار انضمام اليمن للمجلس، ولكن من الواضح ان اليمن ركزت اهتمامها في جانب تحسين صورتها السياسية والأمنية وسعت بقوة لابراز هذين الجانبين علي ما سواهما مدعية تحقيق نجاحات كبيرة في مجال الديمقراطية ومكافحة الارهاب، والحقيقة ان الديمقراطية اليمنية برغم تقدمها علي كثير من ديمقراطيات دول المنطقة الا أنها تظل متعثرة نظراً لانشغالها بصورة كبيرة بمظاهر وشكليات العمل الديمقراطي بما يخدم توجهات النظام وتحسين صورته خارجيا، وتعد الانتخابات الرئاسية والمحلية الأخيرة مثالاً صارخاً لما ذكرناه، وفيما يتعلق بقضايا مكافحة الارهاب فقد أثبتت الأيام والتجارب أنها ليست أكثر من ورقة كرت بيد النظام يستخدمها متي أراد لتصفية حساباته السياسية مع خصومه وابتزاز أصدقائه، صحيح ان اليمن حصلت وتحصل علي اشادات دولية (خصوصاً من الولايات المتحدة) علي حسن مسلكها الديمقراطي وتعاونها الأمني آخرها تهنئة بوش للرئيس صالح بنجاح الانتخابات الرئاسية وفوزه فيها ودخوله عتبة العام التاسع والعشرين في الحكم، لكن الاشادة الأمريكية لا تخلو من أهداف خاصة يكمن بعضها في البحث عن نماذج ديمقراطية مشجعة في المنطقة تعيد شيئاً من الثقة بالسياسة الأمريكية التي وعدت بمستقبل ديمقراطي واعد لشعوب المنطقة.ان فشل النموذج الديمقراطي الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان يضطر الادارة الأمريكية لتشجيع أي نموذج ديمقراطي آخر يظهر علي الساحة العربية ومن ثم تحاول تقديمه بصورة غير مباشرة علي أنه أحد افرازات سياستها في دمقرطة منطقة الشرق الأوسط الكبير أو الجديد، وبمعني آخر تريد الولايات المتحدة ان يحسب لها فضل نجاح أي ديمقراطية تبرز في المنقطة ولو كانت تلك الديمقراطية الناشئة تسير علي عكاز، وكل ذلك كما قلنا لمحاولة استعادة ثقة الشارع العربي الذي يزداد مقاومة للمشاريع الأمريكية المشبوهة في منطقتنا العربية.ونخلص من ذلك الي حقيقة ان الاشادة الأمريكية أو الأوروبية بالنموذج اليمني لا تعني بالضرورة ان اليمن نجحت في اجتياز العقبات وصارت مهيأة تماماً لاستقبال أموال المانحين ومساعداتهم وكذا أموال الخليجيين ومعوناتهم وأنها صارت قاب قوسين أو أدني من مجلس التعاون الخليجي، فماذا بشأن مكافحة الفساد والبطالة والفقر وتشجيع فرص الاستثمار؟ ماذا عن استقلال القضاء وحرية الصحافة؟ وبالمناسبة فقد وضع التقرير السنوي الذي أعلنته منظمة مراسلون بلا حدود اليمن ضمن أسوأ 20 دولة في مجال الحريات الصحافية علي مستوي العالم، واحتلت اليمن في تقرير المنظمة لعام 2006 المركز رقم (149) من بين 168 دولة، والمدهش ان اليمن التي تتفاخر علي دول الخليج بالديمقراطية والتعددية الحزبية لم تستطع ان تجاري الكويت التي حصلت علي المركز رقم (73) كأفضل دولة عربية في القائمة الدولية، كما لم تستطع ان تكون مثل دولة الامارات (77) التي ما عرفت الانتخابات حتي الآن أو قطر التي حصلت علي المركز (80). دول الخليج من جهتها لا يبدو أنها علي عجلة من أمرها في حسم موضوع عضوية اليمن في مجلسها ولأكثر من مرة يصرح مسؤولون خليجيون بأن اليمن ما تزال غير جاهزة بعد لمرحلة الانضمام والعضوية وغالباً ما تتجاهل القمم الخليجية الاشارة الي موضوع عضوية اليمن وآخرها قمة أبو ظبي (قمة الملك فهد) في عام 2005م الأمر الذي دعا الي ايفاد العطية (أمين عام المجلس) الي اليمن أكثر من مرة لتوضيح أسباب التجاهل، ومع ذلك فان دول مجلس التعاون لم تتخل عن اليمن ولم تبخل في مساعدتها، ويمثل مجلس التنسيق اليمني ـ السعودي أحد أوجه تلك المساعدات التي لا تنقطع، لكن مشاكل اليمن الكثيرة مثل تهريب الأطفال والسلاح والمخدرات ونزوح اللاجئين الأفارقة بصورة مستمرة اليها ومحاولتهم العبور منها الي دول الجوار لا تزال قضايا عالقة تؤخر قرار حسم العضوية، ولهذا يبدو ان دول مجلس التعاون قررت العمل في مشروع تأهيل اليمن اقتصادياً بالتعاون مع الدول المانحة لا باعتبار ذلك مقدمة لمنحها عضوية المجلس ولكن لدرء الأخطار عن أعضاء هذا المجلس في هذه الفترة علي الأقل ذلك أننا نعتقد بأن المكان الطبيعي والنهائي لليمن هو في هذه المنظومة لكن اليمن لا تساعد نفسها أو بمعني أصح لا يساعدها قادتها للمضي في هذا الدرب الا بالقدر الذي يتكسبون منه وبما يحقق مصالحهم الخاصة وتلك هي مشكلتنا في هذا البلد.ہ كاتب من اليمن8