صالح الرزوقتنضوي أعمال الفنان التشكيلي علي رشيد المقيم في هولندا تحت لواء ما بعد الحداثة. وهذا يعني أنها تعارض الرؤية المركزية للوجود، وتتعامل مع الحياة من منطق ذاتي وخاص.لم يكن علي رشيد في مجمل أعماله مع تراث كلاسيكيات الحداثة التي صنعت للعالم نواة أو جوهرا، والتي استبدلت شعرية الطبيعة بالحكمة الحديدية للعقل الصناعي ولليد العاملة أحيانا. ولذلك يمكن قراءة الطريقة التي يوزع بها الألوان والخطوط والمعاني الغامضة المفتوحة على شتى التفاسير والدلالات بنفس المفردات المضادة لإطار الحداثة الإمبريالي والعقيم. وأقصد بذلك مفردات أو حتى مصطلحات فك العلاقة مع الاستعمار.وفي مثل هذا الجو يرسم علي رشيد إطار عالمه الصغير والنوستالجي، المسكون بذاكرة من غير صور واضحة ولا محدودة، وهي ذاكرة النفس والروح، أو حتى ذاكرة الأماكن البعيدة التي يطويها النسيان شيئا فشيئا ويحولها إلى مجرد متبق.. ندوب من مرحلة يحق للعين أن تنساها.فقد بدأ من ثقافة بشرية يوجد فيها مساحة للإنسان، أو فرصة ليترك علامات تدل على نشاطه العابر وقصير الأجل. كان الإنسان يحتل في لوحات علي رشيد زاوية ولو أنها صغيرة من فكرة اللوحة بالقياس لتراكم الأشياء أحيانا وتسلسلها في أحيان أخرى. ثم بدأ يغيب بالتدريج. ولم يتبق منه غير انطباعات وبوادر لأفكار ليس لها صورة. وقد وسع ذلك من الشعور بالغبن الاجتماعي.وكأنه يسير باتجاه طفولة البشرية.. من الواقعي إلى التجريدي، من عالم الحدود الواضحة إلى عالم بلا حدود وبلا أشكال، إلى عالم من مشاعر فقط، بطريقة إنسان البدايات لحظة أن اكتشف حاسة الرسم للتو، وبدأ يترك آثاره على جدران المغارات والكهوف. لقد أدى ذلك لخلق ركام من الفوضى والشرائع المتناقضة التي تستند إلى خيط درامي.. إلى حكاية حنين لأشياء مألوفة وتنقرض، منها طابع البريد. ومنها رزمة الكتب المربوطة بحبل من ألياف خشنة. أو أشياء ابتعدنا عنها ولم تترك في قماشة اللوحة غير دمعة حزينة ورموز ثكلى. فالبيوت في اللوحات تترك أحيانا لدى المشاهد الانطباع أنها تبكي. وكأن أحزانها تنصب على شوارع يشملها مخطط إعادة تنظيم مدينة طوباوية قيد الإنشاء، أو على بيوت منغلقة ومنطوية على نفسها، وقد فقدت النوافذ وكل سبل التواصل الأخرى مع ثمرات الضوء أو بلغة مقننة: البصر.. ويبدو من أول نظرة أن هذه الدراما هي تعبير مزدوج عن صدام بين سرد محبط ومكبوت وساكن، ومنفى يحول الذكريات لأشخاص لم يعد لهم وجود، أو إلى رومنسيات بريئة ليس لها عقدة، وكأنها عاطفيات عامة. كما لو أن الوطن والمنفى مزدوجة تحمل أعباء الصدام التاريخي بين الماضي والحاضر.و بهذا الخصوص إن الانتباه للحمولة العاطفية يضع مجمل هذه اللوحات، بكل مراحلها، على بساط البحث.. فالألوان والخطوط دائما تقترح نوعا من المشاعر التي ترفض العالم، وتقبل هفواته بنوع من الحنان الواضح.. وهو حنان لوني يسبغ علينا قيمة إضافية هي حب الآخر والشك بالذات. وهذا يمكن قراءته من خلال المفردات العامة التي يصعب اكتشاف مرجعياتها الخاصة، باستثناء الخيوط التي تربطها بالماضي وأثره في العقل والقلب. إن هذه اللوحات غالبا ما تنقل العاطفة والمشاعر إلى لغة مقروءة لها معادل موضوعي في أحاسيس المشاهد. ولكنها ليست بالضرورة هي أحاسيس الفنان ذاته، لأنه يبدو منفصلا عن الخامة والمواد بعد الانتهاء من نشاطه التعبيري. وهذا يؤسس للخلاف بين نية الفنان وتفسير المشاهد. وهو نفسه النشاط الذي نسميه فنيا باسم ( الغموض أو الابهام ). وهي بشكل أساسي مشاعر لعاطفة محاصرة في حالة تأهب أو استعداد للضرب بيد من حديد على عالم النفايات الصناعية. وأود أن أضيف إنها عاطفة كاريكاتورية ساخرة تشير إلى مكامن الضعة التي تحد من قدرة الإنسان على التحرر. بل من قدرته للتعرف على ماهيته وربما رؤية صورته المشوهة والفاسدة. ( وخير مثال على ذلك المرحلة التي كان يستخدم فيها كولاج الورق والجبس ثم مرحلة الغرافيك والخط الأسود على خلفية من الرماد). وهذا لم يلغ إمكانيات التأمل بما ينطوي عليه من عاطفة الشك وحالة السلام، وبالأخص سلام الروح، حينما تحتل الألوان الزرقاء المائية والسماوية الصافية مساحة القماشة مع إطار ضيق ومخنوق من ألوان نارية تشبه لون الرماد الذي يشتعل بالهشيم. لقد كان اللون في هذه اللوحات رمزا مباشرا لعناصر الطبيعة. فالأزرق هو السماء أو البحر الذي فقد شكله لأنه بلا أفق وبلا ضفاف. والأحمر والأخضر هو لون الزهرة وليس صورتها. وبهذه الطريقة تتحقق القيمة العاطفية والنشاط الرمزي التصويري بعد الهروب من مغبة الأشكال، التي يرى العقل الإغريقي، أنها صورة مزيفة تختلس من المعنى حريته، وتضفي عليه القيود المادية المشروطة بأعباء الواقع. إنه عالم فني مرتبط بالعاطفة الجياشة التي يصعب تصويرها أو محاكمتها بأشكال محددة. غير أن الحدود المخنوقة في أطراف اللوحة تبدو لي أشبه بعودة الوعي ويقظة المشاعر النائمة والمندمجة بمطلق الحالة. إنها لوحات تصور عاطفة أفلتت من عقالها، ولكن ترتطم على جدران الواقع ومسؤوليات الضمير وعالم الأخلاق الوضعية. مع ذلك حاول علي رشيد جهده ليعيد للذاكرة ما فعله الفن في فرنسا، بعد الحرب العالمية الثانية، من تنازل عن نخبويته، تمهيدا للتعامل مع مفرداته الشعبية. وأذكر على سبيل المثال بهذا الخصوص لوحات جين دوبوفيه Jean Dubuet التي تحتل فيها صور الحارة والنوافذ والأطفال والكتابات على الجدران مكان الصدارة، وذلك في إطار من ألوان براقة ودموية تعكس لهيب الشمس وغليان الدم في العروق. لقد تحول تراكم الأشياء بهذا الأسلوب وتجاورها أيضا إلى نوع من المصفوفات الطبقية كعلامة مباشرة تدل على ضياع الجيل السابق، وخروجه من البيت إلى الشارع. وهذا كان يفاقم من مشكلة الإغتراب الذهني ويساهم في إلغاء التفكير بمشكلة الزمن. مع تحويل اللوحة إلى فضاء ساكن له صفة الديمومة وليس التعاقب. وكأن علي رشيد أراد أن يقول مع كل أفراد المدرسة الفرنسية إن الأشياء لا تهرم بسهولة مثل الإنسان. حيث يمكن أن ترى الفضاء وكأنه حفرة بشرية تتطور في الداخل، وحيث تتحول النفس لمطبعة وهمية ومتحركة، وعليها ندوب وآثار نقوش أو عبارات الزمن الميت. بهذه الرؤية تحمل الأشياء للعالم تفسيرا شخصانيا عن مسائل الحب والحصار والقلب والعين، التي هي مغرفة الكلام، كما نقول بالتعبير الدارج. وربما تقترح بعض الصور التي لا وجود لها في الواقع. كما هو شأن الخزف الصيني، وكما هو شأن تصوراتنا عن متاهة قوامها الرموز والألوان. أو باللغة الفنية: النقوش وفن الممكن وربما الذهن.في هذه الحالة تتركنا اللوحة أمام قوس يبدأ من تزيينات هندسية مشوهة على طريقة بيكاسو المعروفة، مع تزيينات نباتية ليس لها تعريف، وأوضاع لها علاقة بالجسم البشري المجزأ من غير إيروتيكا. لماذا لا نقول أمام فلسفة فيتيشية بلا تجنيس: عن العين واليد والأصابع، وهذا لتفسير موقف الإنسان من أعباء الحياة المادية المحكومة بالأحاسيس فقط، الأحاسيس المباشرة.و هنا لا بد من التنويه لمعنى هذه الحياة. إنها برأي الخلفيات الروحية لعلي رشيد تتساوى مع مطحنة الجسد البشري وتفتيته، ثم تتساوى مع إلغائه وإضافته، وتحويله من لياقة فنية إلى ظل وكم.و يمكن رؤية ذلك بالعين وبالحدس. أما أهم المفردات الجديدة هي المادة الخام والمنظور. فقد لجأ علي رشيد في الهزيع الأخير لتوظيف الرسم على قوالب من ثلاثة أبعاد. وهذا يعني أنه دمج المادة والتعبير الفني ونشاط البصر في خلية واحدة. هذه الخلية هي الحيز الذي يسمح له بتحويل نواة المجسَم إلى رسالة أو إلى لغة تواصل.وهذا يضع بين يديه، غير المادة القابلة للإنكسار وذات المفهوم العذري، بنية متحركة هي البلورة التي تتصف أصلا بصفات لا تتوفر في خامة الخشب والقماش كلا على حدة. ومن ذلك :- المعنى، حيث أن القالب يترك لدى الناظر معنى الحياة أو الموت لأنه بتصميمه يشبه المدافن أو بيوت الغضار التي انتشرت قبل عصر التدوين.- اختلاف التحكم في أبعاد المنظور، من طول وسماكة وعرض.- معنى التفاصيل. فهي من مسافة بعيدة تترك الانطباع بالمفهوم الوظيفي المناط بها، ومن مسافة قريبة تبدأ رسالتها الإستاطيقية باليقظة والانتباه.- وأخيرا التمهيد لفن يدمج النحت مع الرسم. حيث أن القالب نصف التشكيل والألوان والخطوط نصفه الآخر. وهذا يفتح المجال للتلاعب بالمفردات بالعلاقة مع المكان وطريقة العرض.. هل يتم ذلك بواسطة التعليق بسلاسل في السقف أو بواسطة الارتكاز على قاعدة صماء أو على الأرض مباشرة إذا كان القالب بحجم كبير. وأعتقد أن ذلك يشبه إلى حد كبير ما يحصل في النص المفتوح حيث الحدود بين الأجناس تغيب ويموت تاريخ الكتابة بشكله المعروف لنبقى أمام جنس أعزل وبلا علامات فارقة إلا ذاته.لا شك أن هذه القوالب أضافت قيمة عملية وجمالية جريئة للفنان علي رشيد، ووضعته أمام احتمالات كثيرة قد تفاجئ ليس العين فقط ولكن حاسة الملمس. ولا سيما أن المادة المختبئة تحت الألوان والخطوط لها عدة أنماط وأدوار. فهي ذات أبعاد أساسية أو ذات زوايا حادة. وتتألف من مواد الطبيعة الأصيلة التي تعرضت لعوامل الحت والتفكيك والتعرية كالخشب واللحاء، أو التي تتأثر بالحرارة كالغراء. وهذا يعني تنوع الخواص بسبب تنوع الكثافات. الأمر الذي يدل على استجابة مختلفة للبيئة وللطرق على سطح المادة والضغط والشد(1)، وعلى تنوع الاستجابة للفشل الناجم عن الإجهاد ( or failure yield ). إن هذا يؤثر فعلا في كيف نرسل مغزى العمل للمتلقي. وهو أيضا يتطلب مزيدا من الفهم لمبدأ المتحول والثابت، ومن الأمثلة على ذلك تبدل السطوع والملمس وانكسار الضوء والنفوذية. ولقد فرض ذلك عليه الارتباط بتقنيات، هي بحد ذاتها تدخل في مضمار الأعمال الريادية، فالتعامل مع مادة القالب يعود لمراحل من قبل التاريخ، ولا سيما للعصر الحجري الجديد، حين بدأ الإنسان يغادر الكهوف ويصطاد فريسته بأدوات من صنع يديه، أو بواسطة منحوتات خاصة قيمتها الجمالية في وظيفتها قبل أن تتطور وتحمل إشارة خاصة بالقبيلة ثم بالفرد نفسه، وهذا يعني أنه وضع خلفه المبدأ الأساسي للنشاط البشري النفعي وأضاف عليه التعريف الجديد للمفاهيم.ويترتب على ذلك أن علي رشيد فنان مراحل. ولكن الانتقال لديه ليس من لون لآخر، كما اعتاد النقاد على قراءة تاريخ بيكاسو، إنما من أسلوب لأسلوب.. كان بيكاسو يبدل معاني الألوان ضمن رؤيته السريالية الساخرة والحزينة لوجود متهالك وآثم. وكان أيضا يبدل من علاقة الشكل الهندسي بالفراغ.. فالمربعات يمكن لو وضعناها تحت مجهر ثلاثي الأبعاد أن تتحول إلى مكعبات. تماما مثل تقنيات التصوير بالـ 3D. وهذا انتقال في أدوات التعبير وليس في موضوعاته. ولكن علي رشيد، بتواضع، وبلا تبجح أو مقارنات مجحفة، انتقل من الانطباعية التجريدية للتجريد التعبيري. وترافق ذلك مع التخلي عن المربعات والمثلثات وكل الأشكال المعروفة في هندسة إقليدس لمساحات ذات ثقل سيكلوجي. المربع أو المكعب نقرأه بشكل أميبا. والوجه نقرأه بشكل فقاعة أو طفح جلدي. لقد انتقل من فترة الأنتي- فوبيا لفترة الكلوسترو- فوبيا، ثم لفترة الاغتراب الوجودي. ومن الاهتمام بأثاث المنزل إلى الاهتمام بالشارع. وأخيرا لترسيم الحدود بين البشر ومقتنياتهم والدخول في مرحلة التشيؤ الصناعي بكل ثقله الطبقي المعروف. ونجم عن ذلك تعريف للمساحة أو تعامل مع الفضاء الذهني لمطلق معنى التواصل. وترافقت هذه المرحلة بالذات مع الانتقال من ثقافة اللون الأحمر الدموي إلى ثقافة اللون الأزرق. وثقافة اللون البني الخفيف، الترابي أو الخشبي. ثم تراجعت الألوان لمصلحة فراغ أبيض يتداخل مع الرمادي. ولم يوفر علي رشيد هذه الفرصة الثمينة لتطوير مفرداته أيضا. فقد كان يتخلى بالتدريج عن الخطوط الطويلة والحادة. ربما هي سفح لمقطع في منحدر. أو لأفق مستقيم. أو لحدود قطاعات معروفة من الطبيعة الصامتة التي لها زوايا واضحة ومسافة نفسية بعيدة تفصل بين المشاهد وموضوع اللوحة. وهكذا يوحي طول الخط بالمشاهدة وبالجو الطبيعي المفتوح. وهو المعادل الموضوعي لتقاطع جميع أصناف النشاط المادي مع حمولة ذهنية متعددة الأبواب والنوافذ. ثم إنه بدأ بتوظيف خطوط ملتوية وحلزونات ( loop ). وقد تطابق ذلك في الفلسفة النسبية مع شكل الأنشوطة، وربما الموجات الجيبية، ولكن غير المتكررة التي تتعرض لانزياح بصري وبالتالي دلالي. ومن نافل القول أن الانتقال من خط يحمل معنى التفاؤل والنظرات البعيدة والبصر المحايد إلى خط غير معروف، ويصعب تصنيفه ومنكفئ على نفسه ويدل على الشك ونفاذ الصبر، كناية عن الدخول في الغامض أو الصامت. وهما أسلوبه للتعبير عن صعوبة التواصل مع مفردات الحضارة الراهنة. ويبدو أن مفهوم علي رشيد للحضارة كان منقسما على نفسه: فهو يتردد بين رؤية لأفراد في حالة حصر وارتباك.. حالة عدم تواصل وانكسار. وبين رؤية مجتمع لمؤسسات لها شكل وقانون الذات الجماعية. وبوجه عام إن تحقيب الإنتاج الفني لعلي رشيد يعكس اهتمامه بمفردات لم تأخذ حقها من العناية والتفصيل. فقد انتقل من الاهتمام بالبيئة المغلقة والأشخاص والمجتمع إلى أشياء هي من خصائص هذه البيئة كالبيت والشارع والسماء والبحر والغطاء النباتي، تمهيدا لمزيد من التفصيل في كل مفردة سابقة على حدة.. وهذا يعني التخلي عن رسم البيت لرسم جدار منه فقط، أو التخلي عن مشاهد طبيعة ساكنة لرسم البحر أو الشجرة فقط، وهلم جرا. وذلك يمكن ترجمته بعبارة أخرى: إنه في كل حقبة كان ينسى بعض العموميات ليستغرق في بعض الخصوصيات. وكان ينسى النطاق للتركيز على المجال الذي لم يلفت انتباهنا من أول نظرة. وهذا جعل من كل حقبة تالية تفسيرا لمجاهيل الحقبة السابقة. وقد سهل ذلك مهمة تصنيف أعماله تحت ثلاثة بنود أو أساليب عريضة. وهي بالترتيب:1 أسلوب المشاهد العامة حيث أن الرؤية لا يحدها البصر. ونادرا ما يكون الإطار مغلقا. الأمر الذي يترك فرصة للعاطفة وللمعنى ليكون متواصلا مع موضوع اللوحة التالية ومع اجتهادات المشاهد. وهنا تغلب على اللوحات المفردات الملونة.2 أسلوب الصور المتحركة التي لها مضمون واحد وهو القيام بفعل إيجابي نحو عالم لا نمتلكه وعلاقتنا به عدائية ويشوبها الرفض والاستنكار. وهنا تشترك اللوحات في استخدام مواد خام غير اللون والقماشة، طبعا بالإضافة إلى الخطوط.3 البورتريهات التي ترسم وجوها مظلومة أو بقايا ملامح حطمها الواقع الظالم والمتوحش، ولذلك ضاعت منها صورها الإنسانية ولم يتبق غير أجزاء لقسمات تواجه المصير المحتّم. ولذلك هي غالبا من الغرافيك أو الخط الأسود العريض الفاحم.وإنه بالانتقال من حلقة لحلقة تأتي بعدها يمكن ملاحظة اتخاذ إجرائين.الأول التخلي عن المفردات الشعبية العامة التي تروّج فعلا لقوانين صناعة إنسان الغيتو. وعن كل المفردات التي تبني نشاطها على أساس حدة الإبصار والرؤية.الثاني الاهتمام بالتدرج في سماكة طبقات الدهان، وهو تدرج له معنى، لا يعبر عن السخاء بالنور، ولكن عن ثقل الحقائب والأمتعة التي نحملها معنا في رحلتنا في الوجود. وهي متفاوتة من لوحة لأخرى ومن زاوية في اللوحة الواحدة لزاوية غيرها. ولو طبقنا هنا أدوات التحليل النفسي التقليدي الذي وضع أسسه فرويد نستطيع أن نقول: إن لوحات علي رشيد لا تزال مهمومة بالرموز العامة لخطايا البشر. حينما تكون النفس في صلح مع ذاتها تجد الألوان رقيقة، وحيث تتراكم الأخطاء والعثرات تكون كثيفة وسميكة. ولكن يجب الانتباه أن هذه الخاصية لا ترتبط بضربات الفرشاة. فالقماشة تبدو مغطاة بتضاريس ملونة فقط. وحسب فرويد أيضا هذا يدل على علانية الغرائز عند علي رشيد وعدم أسراريتها. إنها غرائز تحت سيطرة العقل النهاري، وبعيدة كل البعد عن العادات السرية المرتبطة بالاستمناء اليدوي(2). وهذا بقراءة أخرى يعني أنها تقدم الحصيلة النهائية لنشاط عكس مجتمع النهضة. فهي لوحات لا تشترك مع الطبيعة في إهمال معناها، وهذا هو التعريف الحقيقي لفلسفة عصر الأنوار والنهضة، ولكنها لوحات تفك ألغاز السيرورة الطبيعية قبل أن تموت، وتتحول إلى مدينة صامتة، أو مشهد ساكن. إن علي رشيد ( كما قال هابرماز ) لم يهتم بحرية ذاتية تتحقق في المجتمع، ولكن بحرية تعود للحق العام ضمن سيرورة لثقافة تفكير. وهي نفسها ثقافة الأفراد التي تندمج بوجوه الروح المطلقة والروح الموضوعية. وهكذا استطاعت روحه أن تتحرر من الصفات الطبيعية المسؤولة عن قراءة تقليدية لواقع المحاكاة(3).هوامش :1 علم هندسة المواد لويليام كاليستير. بالإنكليزية.2 – تحليل فرويد لشخصية دافنشي. 3 – القول الفلسفي للحداثة لهابرماز . ص 137 .qadqpt