ذكرني الكاتب الكبير ياسر الزعاترة بما نسيت، فقد كتب اسمي مسبوقاً بالكاتب «الساخر»، فرفع بذلك من روحي المعنوية؛ فلا يزال هناك من ينظر إلي باعتباري الكاتب «الساخر»، بعد أن أنهى عبد الفتاح السيسي مهنة «الكتابة الساخرة»، إذ صار ينتج سخرية لا تضاهى. وإذا كان دور الكتاب الساخرين هو إعادة صياغة الواقع والأحداث بشكل ساخر، فسخرية الواقع وفكاهته، هي في القمة بحيث يعجز الكاتب الساخر عن التعامل معها أو منافستها.
ولهذا فما أن يتم الإعلان عن خطاب للسيسي حتى تجدني أهرول ناحية التلفزيون المصري، صحيح أن بعض القنوات الأخرى تنقل عنه هذه «اللحظات التاريخية»، من عمر الأمة، لكن خشيتي من أن يفوتني «كوبليه»، أو «قفشة» يلقيها السيسي بمنتهى الجدية والصرامة، تجعلني أذهب لمصدر البث المباشر، والذي لا يكون غالباً مباشراً. فصاحبنا تذاع خطبه مسجلة، وبعد أن تتعرض للمونتاج، ومع هذا لا تخلو من فكاهة، في الكلام وفي الإشارة!
في خطابه الأخير الذي توجه به للأمة، ذكر أن الموازنة أربعة أقسام، ورفع «شارة رابعة»، ثم سرعان ما انتبه، وأشار بأصابع يده جميعها، مع أن البنود أربعة وليست خمسة و»خميسة». وهو أمر يؤكد أن المتعة الكاملة تتحقق بمشاهدته صوت وصورة، لان الاستماع إليه عبر المذياع، سيفقد المستمع جانباً مهماً من الفكاهة في خطابات السيسي وتصريحاته، التي أحالت الكتاب الساخرين للتقاعد، ليصبح وصف الزعاترة لي بـ «الساخر» ليس دقيقاً، وليس صحيحاً.
وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإنني أحرص هذه الأيام على مشاهدة الدراما الساخرة، لأقف بنفسي على الخطر الذي وقع على الكتابة الفكاهية من جراء عدم القدرة على منافسة السيسي، وقد انتهيت من مشاهدة المسلسل التلفزيوني «كيد الحموات»، وأواصل مشاهدة التافه «هبة رجل الغراب»، وقد بدت لي السخرية فيهما باهتة، فالانقلاب أنتج فكاهة لا يمكن لكاتب ساخر أن ينافسه فيها.
وليس السيسي وحده، الذي أنزلنا من عرش الكتابة الساخرة، ولكن كان معه إعلامه، عندما تستمع إلى ما ورد في مذكرات «هيلاري كلينتون» من أحد مقدمي البرامج في فضائيات الثورة المضادة، وهو يروي نقلاً عن كلينتون كيف تصدت البحرية المصرية للأسطول الأمريكي السادس بقيادة الجنرال الفذ مهاب مميش، وأجبرته على مغادرة المياه المصرية مهزوماً مدحوراً، بعد أن جاء هذا الأسطول ليمنع إسقاط حكم الإخوان. مع الوضع في الحسبان أن الواقعة مختلقة تماماً ولم تذكرها كلينتون في مذكراتها.
المعجب توفيق حميد
بعيداً عن الفكاهة، فقد كان خطاب السيسي، الذي توجه به للأمة، هو إعلان فشل، ومع هذا فان معجباً كتوفيق حميد، ظهر على قناة «الجزيرة»، مؤكداً أنه دليل قوة، فقد تميز بالشفافية والمكاشفة. وكأنه يكفي للطبيب أن يقول لمريضه أنه مريض، حتى يكون مطلوباً من المريض أن يهتف: «تصفيق»!
وكأن السيسي لو لم يعترف بأن هناك أزمة في قطاع الكهرباء، لن يعلم المواطنون بها، ولن يشعروا بانقطاعها!
لو قام السيسي لأشاد توفيق حميد بقيامه، ولو نام لأشاد بنومه، ولو تكلم لصفق لأنه تكلم في الوقت المناسب، ولو صمت لتغزل في صمته، ولو اعترف بفشله وعجزه لقال حميد هذا الاعتراف دليل نجاح.. فهو معجب، وتأثير الإعجاب كتأثير البنج، وقديماً قال أحد الصوفية: «ذكر المحبة يا مولاي أسكرني.. وهل رأيت محباً غير سكرانا؟!».. لا بأس، فليس على السكران حرج!
حميد في دفاعه، كان ضيف المرموق جمال ريان، والذي تتحول أسئلته لوابل من الرصاص، سرعان ما جعلت من دفاع المحب توفيق حميد كأنه عهن منفوش، ولذا فقد كان من الطبيعي أن يتعرض ريان لحملة من قبل «اللجان الالكترونية» للانقلاب، مع أنه لم يفعل شيئاً غير أنه طرح أسئلة كشفت العوار في حيثيات الدفاع!
يحتاج ريان لبرنامج من بابه يتمدد فيه، ليكون الحوار مواجهة، ومؤكد أنه سيتفوق على « نقطة نظام» بقناة «العربية»، الذي يقدمه الإعلامي حسن رياض.
ما علينا، فالفكاهة في عهد ما بعد 3 يوليو (أيلول الأسود) لم تعد قاصرة على أداء عبد الفتاح السيسي وحده، فقد صارت هي سمة الانقلاب، بكل مكوناته بما في ذلك لجانه الالكترونية، ومن سماتها الحفظ لا الفهم!
منذ فترة وجدت من المتعة أن أشاهد البرامج التي تحتفي برأي الجمهور، وإذا كانت قناة «الحوار» مثلاً، تبدو للمشاهد أنها تحتفي بنوع بعينه من الاتصالات، فإن «الجزيرة مباشر مصر» تفتح الباب للجميع، لنكتشف أن أنصار الانقلاب قد وجدوا ضالتهم في هذه البرامج، لشعورهم بالعجز والفشل، فيعملون على تشويه من ينقل الرأي الآخر فزعزع بنقله يقين الظهير الشعبي للانقلاب.
والسؤال هل «الجزيرة» هي السبب في انخفاض شعبية عبد الفتاح السيسي عند المستويات الدنيا، وبما لا يكفي لنجاح مرشح للمجالس البلدية، ولعضوية المجلس المحلي لمحافظة القاهرة؟!
الجواب: إن جماعة الانقلاب تعتقد أن «الجزيرة» هي المسؤولة عن ذلك، وإن كنت أعتقد أنها بنقلها للرأي والرأي الآخر كانت من أسباب تثبيت فؤاد المؤيدين للشرعية عندما يجدون تهافت وضعف حجة الموالين للانقلاب.
بيد أن سياسات السيسي نفسه، وفشله في أن يكون على مستوى الآمال المعقودة عليه، كانت سبباً في خسارته لظهيره الشعبي.. وقد لا يعلم كثيرون أنه لا يحوز شعبية تذكر في أوساط من ينتمون للحزب الوطني «المنحل»، وذلك لأنه يتمحور حول ذاته، وقد ورد في الأثر: «من حب نفسه كرهته جماعته»، فضلاً عن أنه لا يملأ أعينهم بطريقته في الكلام، وخياراته، عن الجاذبية والوسامة واستدعاء الرقص في المجال السياسي.
ولا أقول ما لا يعرفه الناس، إذا قلت أن قادة الحزب الوطني في المحافظات المصرية لم يهتموا بحشد الناس لانتخاب عبد الفتاح السيسي، وقد وقف هو على ذلك بعد الانتخابات الرئاسية، فجاءت سياساته لتنال ممن كان يتم النظر إليهم على أنهم ظهيره الشعبي. والمدهش أن شخصاً كعبد الحليم قنديل اعتبر أن رفع السيسي للدعم على الوقود قرار شجاع من رئيس لم تعنيه شعبيته. وهكذا صار إغضاب الشعب والطبقات الفقيرة فيه دليل شجاعة عند المعجب عبد الحليم قنديل.. وماذا كان يفعل مبارك أكثر من ذلك؟!
الأمن والأمان
في برامج التواصل مع الجماهير، يمكن للمرء أن يقف على نبض الناس، ولا يخلو الأمر من فكاهة للتسلية، عندما يكون صاحب المداخلة ينتمي للانقلاب.
قبل أن يُنصب رئيساً، كان أنصار عبد الفتاح السيسي، يردون على الحديث عن الفشل بأنه ليس مسؤوليته فهو مجرد وزير في حكومة، وأن الحاكم هو عدلي منصور، وفي دفاعهم عنه يقولون إنه «دكر» وجاء لتحقيق الأمن والأمان، والانحياز لمطالب الناس، وتحقيق أمالهم، وحل المشكلات الاقتصادية والأمنية التي كان الرئيس مرسي سبباً فيها.
لكن السيسي فشل في البر والبحر، وتفاقمت المشكلات في عهده، ولا توجد عنده خطة للتصدي لأي مشكلة، إلا على طريقة التصدي للفيروسات «بصباع الكفتة». وفي هذه الحالة يصبح مفيداً أن نستمع لدفاع أنصاره، حتى وان كانوا لجاناً الكترونية، الدفاع عندها وظيفة مدفوعة الأجر!
من المتابعة، فإنني صرت أعرف من ينتمون للانقلاب قبل أن يفصحوا عن أنفسهم وبمجرد أن يتكلموا كلاماً عادياً، وصار حالهم يدعو للشفقة، فلا دفاع ولا برهان، ولا حيثيات لتأييد من يؤيدونه، بعد أن صار كله على «عينك يا تاجر».
كأنه مقرر دراسي يوزع عليهم ولا يتغير، يدور في فلك التخوين، فـ»الجزيرة مباشر مصر»، مملوكة لقطر التي تحارب الدولة المصرية، والمذيع هارب، والمتصل يحذر من أنه لو عاد فسوف يتم الانتقام منه. فلا وجهة نظر، ولا دفاع عليه القيمة، وهي مداخلات كاشفة عن أن الجاري في مصر لا يرقى إلى مستوى الانقلاب العسكري على وضاعة الانقلابات العسكرية. فهذه ثقافة «حرامي الغسيل»، لا اللصوص الكبار. مما يجعل من الانقلاب في مصر فضيحة الانقلابات العسكرية على مر التاريخ!
ولزعزعة اليقين في صحة الموقف، وربما لأن المتصل مكلف بالاتصال، فانه يترنح عند الرد عليه بما يليق.. سأل أحدهم الإعلامي الواعد توفيق شتا: من أين تتقاضى راتبك؟! فرد بسخرية: «من البنك». فارتبك لعدم توقعه الرد، وعاد يسأل من جديد: أنا سألتك من أين تتقاضى راتبك؟! ويرد توفيق: «.. وأنا قلت لك من البنك». فيرتبك ولا يدري ما يقول.
الفكاهة لا ينتجها عبد الفتاح السيسي وحده، فانقلابه ينتج الفكاهة والسخرية. تابعوا خطاب الانقلاب وأذنابه وأذياله، فإن القلوب تمل.
صحافي من مصر
[email protected]
سليم عزوز