تاتيانا ياكوفليفا وماياكوفسكي: قصة حب على صخرة الحياة

الاعتقاد السائد بين الأدباء والقرّاء الروس، أن ليلي بريك هي المرأة الأهم في حياة الشاعر الطليعي فلاديمير ماياكوفسكي (1893–1930). ومع ذلك، كانت هناك في حياته امرأةٌ، حلم أن تكون زوجته، وأهداها قصائده، التي عدتها ليلي بريك منافسةً قوية، وهي تاتيانا ياكوفليفا، التي قضت طفولتها وشبابها في مدينة بينزا الروسية، قبل أن تهاجر إلى باريس. كانت علاقتها العاطفية بفلاديمير ماياكوفسكي مشرقةً وسريعةَ الإيقاع وقصيرة، وكان من الممكن أن تنتهي بالزواج، لولا ظروف حالت دون ذلك، ولم يكن بوسعهما تغييرها.
في خريف عام 1928 جاء ماياكوفسكي إلى باريس، مدينة الفن والموضة والصالونات الأدبية، لإلقاء محاضرات وإقامة أمسيات شعرية، وكان ينوي أيضاً أن يلتقي بإللي جونز الأمريكية من أصل روسي، التي أنجبت منه ابنة. كان هذا اللقاء أوّل لقاء للشاعر بابنته. كانت الكاتبة إلزا تريوليه تُخبر أختها الكبرى ليلي بريك (عشيقة ماياكوفسكي) في موسكو بما يحدث في باريس. كانت ليلي تدرك شغف ماياكوفسكي بالنساء الجميلات، وخشيت أن تطرأ في ذهنه، بعد لقائه إللي جونز، وابنتهما فكرة الرحيل معهما إلى أمريكا، لذا فقد اتفقت مع شقيقتها إلزا على صرف انتباهه عن إيلي جونز، لتضمن أن تظل هي الحب الذي لا يتكرر في حياة شاعر عظيم.
.وتقول إلزا: «تعرفتُ على تاتيانا قبيل وصول ماياكوفسكي إلى باريس وقلت لها على سبيل المزاح: «أنت طويلة القامة مثل ماياكوفسكي». وبسبب هذا الطول، قمت بتقديم فولوديا (اسم تدليل شائع لاسم فلاديمير في الروسية) إلى تاتيانا. وقع ماياكوفسكي في حبها من النظرة الأولى. كانت تاتيانا في ريعان شبابها. ممشوقة القوام… مليئة بجرأة الشباب، تسبح، تلعب التنس، وتُحصي معجبيها.. ورغم أنها كانت تكسب عيشها بجدّ من تصميم القبعات النسائية، إلا أنها كانت تخطط لمستقبلها بحكمة. أذهلها ماياكوفسكي وأخافها. وهكذا بدأت علاقتهما العاطفية العاصفة، التي أفسدت الكثير من مشاعري. كانت إلزا تشعر بشيء من الغيرة، إذ قبل ليلي كان ماياكوفسكي شديد التعلق بها.
خطط الشقيقتين إلزا وليلي حول مغازلة عابرة بين الشاعر وتاتيانا الجميلة باءت بالفشل، إذ إن ماياكوفسكي وقع في حبها بجنون،وأُعجب بها لطول قامتها «أنتِ الوحيدة التي تُضاهي طولي»، وأسِر بجاذبيتها وخجلها الخفي، وبإجادتها الفرنسية، ومعرفتها الواسعة في الفن والأدب، وقدرتها على حفظ عدد كبير من قصائد الشعراء الروس، بما في ذلك قصيدته الطويلة «سحابة في بنطال». وبعد اللقاء الأول مباشرة، أوصل تاتيانا إلى بيتها وصرّح لها بحبه. كانت تاتيانا آنذاك في الثانية والعشرين من عمرها، أي أصغر من الشاعر بثلاثة عشر عاماً، رشيقة، جميلة، متألقة، مكسوة بالفراء والخرز. ورغم أنها سمعت عن الشاعر من قبل، إلا أنها وجدته مختلفاً عما تخيلته، لم يعد ذلك الشاعر المستقبلي ذا القميص الأصفر، بل بدا وتصرف كأرستقراطي. أهدى ماياكوفسكي إلى حبيبته قصيدتين عاطفيتين مع نصوصهما الأصلية الموقعتين من قبله: «رسالة إلى الرفيق كوستروف من باريس حول جوهر الحب» و«رسالة إلى تاتيانا ياكوفليفا» (نُشرت بعد 26 عاماً).
لم يفترقا طوال إقامته في باريس، في الفترة من 15 أكتوبر/تشرين الأول إلى 2 ديسمبر/كانون الأول1928. كانا ثنائياً رائعاً. يبتسم الناس وهم ينظرون إليهما – يا لجمال هذا الثنائي، يا لهما من عاشقين رائعين. ماياكوفسكي وسيمٌ جداً، ضخم البنية. تاتيانا أيضاً طويلة، رشيقة، تترك انطباعاً بالأناقة والرقي، تليق به تماماً.
في غضون أسبوعين من لقائهما، تقدم لخطبتها. لكنها لم تجب لا بالموافقة ولا بالرفض، بل وعدت بالتفكير في الأمر. قالت تاتيانا ياكوفليفا للصحافية زويا بوغوسلافسكايا: «كنا نلتقي كل يوم تقريباً. كان يتودد إليّ بطريقة كما لم يفعل أحد من قبل: زهور، وقصائد وأحاديث عن الشعر، كان يغار عليّ بشدة.. لم تدرك عائلتي مدى قربنا. لم أخبر أحداً بشيء. كان الأمر يخصني وحدي. كان ماياكوفسكي يعجبني كرجل، كشاعر أعرف قصائده وأحبها». يبدو أن كلاً منهما كان يعاني من مشاكل شخصية في العلاقات. كتبت إلزا تريوليه، أن تاتيانا أخطأت في فهم حقيقة ما كان يحدث: «كيف لها أن تعرف أن هذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة بالنسبة له؟ كيف لها أن تعرف أنه كان دائماً يُخاطر بكل شيء، حتى بحياته؟ كيف لها أن تعرف أنها مجرد شخصية عابرة في حياة ماياكوفسكي». لم ينكر ماياكوفسكي علاقته بليلي بريك، وجاء إلى باريس وهو يحمل قائمة طويلة من الهدايا التي طلبتها، وكان يذهب إلى المتاجر لشراء الهدايا برفقة تاتيانا، عندها أدركت الفتاة أن الأمر ليس بهذه البساطة، وأن قلب الشاعر لم يكن حراً. حاول ماياكوفسكي إقناع ياكوفليفا بالعودة إلى روسيا دون جدوى.

ورود فولوديا

استمر لقاءاتهما لأكثر من شهر. قبل رحيله، خطط ماياكوفسكي لإرسال هدايا أسبوعية لمُلهمته الباريسية خلال فترة غيابه عن باريس. فأودع بعض المال في حساب مصرفي لمتجر زهور باريسي شهير طالباً بأن ترسل أسبوعياً باقة ورود إلى عنوان المرأة التي أحبها. بعد رحيل الشاعر، كانت الورود تصل باسم تاتيانا ياكوفليفا مرفقة ببطاقة كُتب عليها «من فولوديا». وعلى ظهر إحدى البطاقات كتب أبياتا شعرية: نرسل إليكِ ورودا/ حتى تبدو الحياة / بضوءٍ وردي/ ستذبل الورود/ ثم سنطرح عند قدميكِ/ الأقحوان.
كان المتجر الباريسي ذو الاسم المرموق، ينفذ بدقة تعليمات عميلها المبذر. ومنذ ذلك الحين، وبغض النظر عن الطقس، كان رسول متجر الزهور يطرق باب تاتيانا حاملاً باقات ورود ذات جمال أخّاذ «من فولوديا». تحولت حكاية ورود ماياكوفسكي في روسيا إلى أسطورة رومانسية تناقلتها الألسن جيلاً بعد جيل، بعد أن صبغها الرواة بالتحوير والمبالغة. يروى أنّ الشاعر أودع كامل أجوره عن عروضه الباريسية في حساب مصرفي لشركة زهور باريسية عريقة، على شرط أن تُرسل إلى تاتيانا ياكوفليفا، عدة مرّات في الأسبوع، باقات من أبهى وأندر الأزهار: الكوبية، وبنفسج بارما، والتوليب الأسود، وورد الشاي، والأوركيد، والنجمة، والأقحوان. أما تاتيانا نفسها فتقول في رسالة لها في نهاية عام 1928 لأمها في مدينة بينزا الروسية: «أتلقى كل يوم برقيات، وكل أسبوع زهوراً. لقد أمر بأن تُرسل لي الورود صباح كل يوم أحد حتى وصوله».

مشاعر متبادلة

بعد 21 يوماً من رحيل ماياكوفسكي، في 24 ديسمبر 1928، كتبت تاتيانا إلى والدتها في بينزا: «لقد أيقظ في نفسي الحنين إلى روسيا وإليكم جميعاً.. كدتُ أن أعود. والآن يبدو لي كل شيء بلا طعم. إنه عظيمٌ جداً – جسدياً ومعنوياً، حتى إن ما بعده يبدو صحراء قاحلة. إنه أول شخص استطاع أن يترك أثراً في روحي». أعجبت تاتيانا بأخلاقه البسيطة والراقية وحضرت جميع عروضه الباريسية، التي لقيت نجاحاً لافتاً، فقد كانت دائماً تحقق حضوراً كاملاً، وتتوافد عليها «باريس المثقفة».
قال ماياكوفسكي في قصيدة «رسالة إلى الرفيق كوستروف من باريس حول جوهر الحب» مخاطباً تاتيانا: «سآخذكِ على أي حال يوماً ما، وحدكِ أو مع باريس»! وفي رسالة مؤرخة في 3 يناير/كانون الثاني 1929، كتب برقة آسرة إلى تانيكا (كما كان الشاعر يُنادي تاتيانا): «لو دوّنتُ جميع محادثاتي مع نفسي عنكِ، رسائلي غير المكتوبة، ومشاعري الوديّة غير المنطوقة، لتضاعف فوراً حجم أعمالي ثلاث مرات، وكلها شعر خالص». إنه شخص رائع»، تعترف تاتيانا في رسالة إلى والدتها. يعاملني برقة، وكانت فترة غيابه عن هنا لمدة ستة أشهر مأساة كبيرة بالنسبة له. اتصل من برلين، وكان صوته ممتلئاً بالحنين، إنه شخص لطيف للغاية. رحيله كان صعباً جداً عليّ. وهو أكثر شخص موهوب قابلته في حياتي.
ماياكوفسكي لا يكف عن إرسال البرقيات إلى تاتيانا: «اشتقت إليك كثيراً» ،«أشتاق بطريقة لا تصدق»، لا يُمكن أن لا نكون معاً دائماً. وفي 3 يناير 1929، كتب: «لا أُحب الحياة من دونكِ إطلاقا. فكّري في الأمر ملياً، واجمعي أفكاركِ (ثم أغراضكِ)، ووافقي قلبكِ مع أملي في أن أضمكِ إلى صدري وأُحضركِ إلينا، إلى موسكو. دعينا نفكر في الأمر، ثم نتحدث عنه».
حلقة مفرغة
كانت المشاعر متبادلة بينهما، لكن ياكوفليفا لم تُجازف بقبول عرض الزواج: فقد بدا ماياكوفسكي عنيداً، جامحاً، مندفعاً، وكان يخيفها بشغفه الجارف. علاوة على ذلك كان شاعر البلاشفة، أما تاتيانا فكانت مهاجرة بيضاء. مثل هذا الاتحاد كان يمكن أن يجلب المصائب لكليهما. كتبت تاتيانا إلى والدتها أثناء انتظارها زيارة ماياكوفسكي الثانية إلى باريس: «أواجه الكثير من المشاكل الآن. حتى لو أردتُ أن أكون مع ماياكوفسكي، فماذا سيحدث لإيليا ميتشنيكوف، وإلى جانبه هناك اثنان آخران. إنها حلقة مفرغة. زار ماياكوفسكي باريس للمرة الثانية في 22 فبراير/شباط 1929، ومكث فيها حتى مارس/آذار، حيث قدم عدة قراءات شعرية لجمهور فرنسي، إحداها في حيّ شعبي في باريس. وخلال هذه الزيارة، التقى تاتيانا ياكوفليفا عدة مرات. وفي مقابلة صحافية لاحقة، قالت تاتيانا: «حاول ترتيب عودتي معه إلى الاتحاد السوفييتي». وقد تلقت آخر رسالة من ماياكوفسكي في 5 أكتوبر/تشرين الأول 1929». في أواخر عام 1929، كان من المفترض أن يأتي ماياكوفسكي لاصطحابها، لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب رفض السلطة البلشفية منحه تأشيرة المغادرة (وقد تبين لاحقاً أن ليلي بريك، التي كانت أيضاً على علاقة بوزير الأمن، هي التي طلبت منع ماياكوفسكي من السفر) على الرغم من أن الشاعر كان قد سافر إلى الخارج مراراً من قبل.

تَحَطَّمَ قاربُ الحُبِّ

في هذه الأثناء، كانت أحوال ماياكوفسكي تتدهور، واستمرت الغيوم تتلبّد فوقه: ففي معرضه المسمى «20 عاما من العمل» الذي افتُتح في 18 مارس 1930 خابت آماله حين لم يحضر أي من الأدباء البارزين أو المسؤولين في الدولة، كما كان يتمنى. في فبراير، غادرت ليلي بريك وزوجها أوسيب بريك إلى أوروبا. وُصف ماياكوفسكي في الصحف المركزية بأنه «رفيق درب الحكومة السوفييتية» – بينما كان يعتبر نفسه منبراً بروليتارياً. في مارس لم يُوفق العرض الأول لمسرحيته «الحمام». وكان من المتوقع فشل مسرحيته «البق» كذلك. في أوائل أبريل/نيسان 1930، حذفت الرقابة من مجلة «الصحافة والثورة» التحية الموجهة إلى الشاعر البروليتاري العظيم لمناسبة الذكرى العشرين للعمل والنشاط الاجتماعي». سرت في الأوساط الأدبية شائعات عن أن ماياكوفسكي قد استنفد طاقته الإبداعية.
قبل يومين من انتحاره، أو اغتياله في 12 أبريل، التقى ماياكوفسكي القرّاء في معهد البوليتكنيك، وكان معظم الحضور من أعضاء الكومسومول. خلال الأمسية، سُمعت من الجمهور صيحاتٌ مُسيئةٌ، فيما كانت الشائعات الزائفة تلاحقه في كل مكان، فتزيد حالته النفسية اضطراباً. وفي 14 أبريل 1930، وجد الشاعر في شقته مضرجاً بدمه. أعلنت الصحف الرسمية أنه أطلق النار على صدره بمسدس، غير أن الشكوك حول السبب الحقيقي لوفاته، ما زالت قائمة حتى اليوم، وموضع جدل بين كتّاب السير. ترك الشاعر وصية مكتوبة بخط يده، جاء فيها:
لا تتهموا أحداً في موتي، وأرجو أن لا تغتابوا. فالراحل لم يكن يطيق ذلك.
أمي، أخواتي ورفاقي، سامحوني ـ هذه ليست الطريقة الصحيحة (ولا أنصح غيري بها)، ولكن ليس لديّ خيار. كما يقولون «انتهت الحادثة». تَحَطَّمَ قاربُ الحُبِّ على صَخْرَةِ الحَياةِ اليَوميَّةِ. صفّيتُ حسابي مع الحياة، ولا داعي لتعداد الآلام، والمتاعب والشكاوى المتبادلة.. وداعاً

فلاديمير ماياكوفسكي

هزّ نبأ وفاة الشاعر كيان تاتيانا ياكوفليفا، التي كانت قد اعتادت على اقتحامه لحياتها بشكل منتظم، وكانت قد ألفت أن يكون جزءاً من عالمها اليومي. قالت تاتيانا لاحقاً: «سواء أطلق النار على صدره بنفسه أو صوّب أحدهم مسدساً نحوه، فلا فرق. لقد أصبح ضحية نظام إجرامي، مثل غوميليف ويسينين وتسفيتايفا. كانوا يريدون أبواقا، أما هو فقد بدأ يعزف على الفلوت. لم تكن تلك هي الموسيقى التي أرادوها»..
في مطلع عام 1930 تزوجت تاتيانا ياكوفليفا من الفيكونت برتراند دو بليسي، الذي التقته، قبل لقائها بالشاعر. لا يمكن وصف هذا الزواج الأول لتاتيانا بالناجح: فقد تزوجت من رجل لم تكن تحبه، لكنه أبدى اهتماماً بها لفترة طويلة. كان الفيكونت دبلوماسياً، ومنظم أول سرب جوي تابع لقوات فرنسا الحرة بقيادة ديغول. في عام 1940، وقد لقي حتفه بعد أن أُسقطت طائرته فوق البحر الأبيض المتوسط. أنجبت تاتيانا من الفيكونت ابنة اسمها فرانسين، التي أصبحت لاحقاً كاتبة مرموقة في أمريكا، وألفت عدة كتب عن والدتها.
وجدت تاتيانا السعادة الحقيقية عندما التقت في عام 1941 بزوجها الثاني، أليكس ليبرمان، النحات الأوكراني – الفرنسي. بعد زواجهما، انتقلا إلى نيويورك، حيث افتتحت تاتيانا صالوناً لتصميم القبعات، سرعان ما اكتسب شهرة واسعة. وكانت من بين زبوناتها مارلين ديتريش، وإديث بياف، وغريتا غاربو. كانت تاتيانا تقوم بتصميم كل قطعة على نحو خاص يلائم شخصية كل زبونة. علاوة على ذلك، كان منزل عائلة ليبرمان يعجّ دائماً بالمشاهير من ضيوفه، مثل سلفادور دالي، وكريستيان ديور، والأميرة مارغريت. عاشت تاتيانا ياكوفليفا حياةً مشرقةً حافلةً بالأحداث، وتوفيت في 28 أبريل 1991، في ولاية كونيكتيكت. كانت تتذكر ماياكوفسكي كثيراً بحنان وتتحدث عنه بشكل إيجابي، لكنها لم تندم على عدم كونها زوجته أبداً.
كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية