عن اليهودي ونحن، إسقاطات ذكيّة علي الواقع السياسي هنا وهناك!
رجاء بكريّة
عليك أن تنزع قطعة من لحمه دون أن تنزل قطرة دم واحدة هذا ما أعلنه القاضي حين قدّم فتواه بشأن الدَّيْن المستحق علي أنطونيو للتّاجر اليهودي في مسرحيّة تاجر البندقيّة الّتي عرضت مؤخّرا علي مسرح الميدان، حيفا. وهذا ما يعلنه العمل الجديد لمسرح عيون الجولاني أمام المتفرّجين الّذين ملأوا القاعة بالتّصفيق، عليكم ألا تتوقّفوا عن انتزاع الدّهشة من ملابسنا دون أن تمزّقوا نسيجها. لقد خرج هذا العمل كي يجسّد مقولة لا زلت أؤمن بضرورة تبنّيها، كون الطّفولة مصدرا حقيقيّا للإبداع. تاجر البندقيّة عمل يستحقّ أن تبادر المسارح المختلفة، وعلي رأسها مسرح الميدان الي استضافته والتّرويج له لهدف واحد فقط أن تغتني بما يمنحه للدراما الشّجاعة، نقاء الطويّة والذّائقة المختلفة لماذا الطّفولة الآن؟
لأنّ الملفت في تاجر البندقية حضور الطّفولة بكثافة فيه، والأصحّ أن نقول أنّ الطّفولة تحرّكه بأصابع الفطرة، وربّما هذا بالتّحديد ما يعاني منه مسرحنا النّاضج، تلقائيّة الفطرة ودفء الموهبة. ولو أنّ مسرحنا النّاضج حرص علي الاستفادة من هذه التّجربة لربّما استطاع أن يقف علي أسباب تراجع النّوعيّة فيما يقدّمه. وباعتقادي ثمّة سر فيما أنجزه مسرح الجولان مع الأطفال ممثّلا بحرص القيّمين عليه علي حماية ما للطّفولة من خصوصيّة. لم يحاولوا تلقين الأطفال مضامين الفكرة والحدث إنّما لجأوا إلي ترويض رغبتهم في التعلّم، ودفعوهم ما أمكن لاستكشاف قدراتهم الّذاتيّة عبر أخذ تجربة غير محدّدة بقانون أو ضوابط. تداعيات عالمينمرحلة الاستكشاف والتجريب غير الخاضعة لضوابط تعتبر المرحلة الأولي في اختبار قدرة هؤلاء الأطفال علي امتهان الممارسة، وتعتبر ضروريّة لكشف أبعاد المضمون ومساحات استرساله.
لكنّ ذلك لم يتوقّف عند التّلقائيّة والتّجريب، إنّما أعقبته مرحلة التّذويت والتّهذيب مع الحفاظ علي عنفوان التعبير والاسترسال. هذا النّوع من التّجارب، ومع أطفال ليس سهلا كما يخيّل للبعض ذلك لأنّهم إلي جانب الرّغبة في الانصياع لإملاءات النّص والخشبة تستوليهم الرّغبة في تأكيد مضامين جديدة تصدر عن تداعيات النّص فيهم. فلديهم عالمان، الأوّل يعتمد علي أمزجة وأحلام زمان ومكان الشّخصيّات الّتي يتعرّفون إليها وتستوليهم سلوكيّاتها وأمزجتها، والثّاني يعتمد علي عالم الطّفل الذّاتي، مزاجه وحلمه. وعليه فإنّ التضارب بين أمزجة وأحلام العالمين سيؤدّي إلي واحد من اثنين، إمّا التمرّد العام علي الفكرة المسرحيّة وإنشاء قالب جديد المضامين والسّلوكيّات، وإمّا التّنازل طوعا عن ثوابت عالمهم واستساغة مضامين الفكرة وأبعادها في سبيل خوض التّجربة حتّي النّهاية. إنّ ما يحكم الاحتمالين في النهاية هاجس الحضور علي الخشبة. لكنّ الذي حدث كان مفاجئا إلي حدّ بعيد فطاقم الأطفال المسرحي لم يتمرّد ولم يتساوق مع الأمزجة والفكرة والحدث، إنّما حنّكه الانبهار بعالم الشّخصيّات في سياقها التّاريخي البعيد، ومكّنه من إسقاط نتف من أحلامه، وترويض مزاجه. فبدا الأطفال متمرّسين في التحدّث بصوتين، صوت الشخصيّة وصوت أناهم الّذي حضر عنيفا وملفتا. وربّما هذا بالتّحديد ما يميّز المألوف الّذي خرج عن العمل، الانتصار علي الذّات عبر تأكيد سلاسة حضور تلك الأنا وتفـــرّد أدائها. فالتّاجر في هذا العمل ليس تاجرا تماما بل طفلا تاجرا. والأميرة طفلة أميرة. ووفق ذلك تسير الطفولة جنبا إلي جنب مع الأدوار وتغنيها بعناصر الإدهاش والمفاجأة. ففي زاوية ما من نهاية كلّ مشهد تنتظرنا حركة غير محسوبة ليست من باطن النّص المعد، كالمشهد الّذي يعرض تخوّفات الأميرة من حدس الرجل الصائب، المرشح للزّواج بها، وتضامن الوصيفة معها. ثمّ إصرارها في مشهد آخر علي عودة خطيبها بالخاتم الّذي أهدته له، وسط استحضار لافت لنزوات طفوليّة غير محسوبة علي النّص. فهذا الفريق النّاشئ جاء كي يطعّّم العمل بالفرادة ويغرق الإضافات غير المحسوبة في مسرحيّاتنا البالغة بالمساءلة. (اقتباس)هذه المراوحة المرنة بين الفكاهة والجديّة، شئنا أم أبينا، تنطوي علي دراسة واعية للحدّ الّذي ستذهب إليه الشّخصيّة وتعود منه. يضاف إليها حرص المَشَاهد جميعا علي التسلّح بفكاهة عذبة. من عمق المشهد الجاد يخرج مشهد آخر كاريكاتوري يجرّب زوايا الخشبة محمّلا بالكلام، محنّكا بخفّة الحركة وسرعة البديهة. إلي ذلك كلّه يضاف فريق أطفال صغار بعمر خمس سنوات قام بأداء دور كومبارس داعم لهيكليّة العمل المسرحي. وباعتقادي هنا تكمن لمعيّة المسرحيّة. فهذا الفريق النّاشئ جاء كي يطعّم العمل بالفرادة ويغرق الإضافات غير المحسوبة في مسرحيّاتنا البالغة بالمساءلة. ويثير السّؤال مجدّدا، كيف تضيف ولماذا، ومتي تصبح الإضافة علامة؟
تصوّرات الكاتب في مرآةالنّصّ الممسرح خلافا لما نعتقده غالبا عن نسبة حضور تصوّرات معدّ النّص في النّص الأصلي لم يرسم معدّ النّص تصوّرات عشوائيّة عن عالم شكسبير الدرامي. ولعلّه من المناسب أن نؤكّد أنّه بقدر حضور المزاجيّة تغيب الهزليّة. نعم تدوّر المسرحيّة مفاتيح الفكاهة، وتلعّب أغلفة المزاج الذّاتي لمعدّ المسرحيّة. ومناخات مشاهدها طقوس متعة شخصيّة بالدّرجة الأولي. كأنّ معدّ النص يحرص علي تلميع دفء تصوّراته وحميميّتها عن أمكنة وأزمنة ليست حاضرة في ذهن العصر. ويبدو أنّ شموليّة الفكرة تهمّه بقدر ما يهمّه الإنتقاص من أبعاد مصداقيّتها. علي هذا الوتر يشاكس العمل روّاده، وتتخلل تصوّرات الكاتب مبني النّص الأصلي وتنجح في تشكيله، تطوّعه بقدر ما يستجيب لها. بهذا المعني تبدو الكتابة هوي أو ضربا من ضروب االعشق، ولعلّ هذا الحوار الرّوحي لعوالم كلاسيكيّة فقدنا متعتها حين هجوم المودرنزم والبوست مودرنزم وسواها من التيارات الفكرية، كان سببا في خروج عمل صاف نظيف لا تحكمه الصّراعات المعتادة، والمحسوبيّات الّتي يعدّها المسرح النّاضج غالبا لذائقتنا، فيسيء إليـنا وإليه. يـــحدث في هذا العمل استحضار لحكايا الأميرة والعاشق الوفي. لليهودي الجشع وفق صورته الرّائجة في الأدب الأوروبي، واستغلاله الظـــروف الاجتماعيّة القاســــيـــة للبسطاء من عـــامّة الشّعب. طقــس من طقوس ألف ليـــلــة ولـــيلة وهي طقوس نسينا نكهة تفرّدها، والسحر الّذي تضيء به عيوننا وتزفّ به أرواحنا. حصلت محاولة لاختطاف المشاهد إلي بلاد عجيبة كلّما تجوّل بين غرفها وبدأ الاكتشاف أفزعته الدّهشة، وأعادته الفكاهة إلي المكان. ومثلما ملكت المسرحيّة الكبار كذلك فعلت للصّغار. لكنّ ثمّة أمراً واحداً بقيت أتساءل حول توقيت حضوره كون إحدي الشّخصيات المركزيّة يهودية. إسقاطات سياسيّة أهي الصّدفة وفي هذا الظّرف، وضمن فرقة تعتمد علي أطفال لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة، أم أنّ هذا التّعريف يمكن احتسابه إسقاطا مبرمجا علي الحالة السياسيّة الرّاهنة؟ وأعني السياسة الإجمالية للحكومة الإسرائيليّة في مصادرة الأراضي وتقطيع أوصال غزّة والضّفة وتحويلها إلي كنتونات. وربّما يجوز اعتبار انفصال الجولان عن دولته الأم سورية واحدة من الإسقاطات الواردة. لكنّ عزاءنا أنّ قطعة اللّحم الّتي أراد التاجر اليهودي انتزاعها من كتف أنطونيو عثر علي مبرّرات قانونيّة لتحريم قطعها بل وإدانة صاحب النيّة فيها. فهل تملك عمليّات التقطيع المستمرّة للأمكنة والأراضي مبرّرات قانونيّة لمنعها أو استرجاعها؟ ربّما جاء هذا العمل الدّرامي كي يذكرّنا بالحـيلة الّتي يــجب اعتمادها مع خصمنا، وهي سلاح اعتمده اليهود في معظم مفترقاتهم التاريخيّة. فهل تستطيع دراما مشاكسة كهذه أن تلهب المخيّلة، وتضيء مفاتيح الذّاكرة؟ بطولة جماعيّة يتّفق المسرحيّون عادة علي إسناد بطولة مطلقة لأحد أفراد الطاقم المسرحي كي يمنح فرصا متفاوتة لقدرات طواقمهم، ويحرّضهم علي تحدّي خاماتهم. لكن يبدو أنّ طاقم تاجر البندقيّة اتّفق علي إقناع المخرج خليفة ناطور ومعدّ النّص معتز أبو صالح علي إعلان بطولة جماعيّة للأطفال المشاركين في العمل. لقد حدث الرّهان علي جماليّة المضمون وعذوبة الحضور، والبطولة المطلقة، لكن للجميع بمن فيهم فريق الكومبارس الصّغار. إلي كلّ ذلك أضيف أنّ مسرحيّة تاجر البندقيّة عمل يستحقّ أن تبادر المسارح المختلفة لاستضافته والتّرويج له لهدف واحد فقط أن تغتني بمّا يمنحه للدراما الشّجاعة، نقاء الطويّة والذّائقة المختلفة. ہ كاتبة وتشكيليّة فلسطينيّة