تاجر الحكايات وزبائنه

حجم الخط
0

في «تاجر الحكايات» يهدم حسن عبد الموجود علاقة قارئه بالواقع، يزج به في برزخ يتراوح بين الحقيقة والمتخيل، فيقف برجليه بين أرضين زلقتين، كلما ظن أنه أمسك بخيط، أفلت منه. يُدخله الكاتب في عوالم مُبتكرة، ينهال عليه بقصص قصيرة جداً، بحجم «ستوري» على أنستغرام، لكنها مُتطلبة في قراءتها، على الرغم من قصر حجمها الذي لا يتعدى في أقصى الحالات الصفحتين، صبرا ومثابرة قصد بلوغ غاياتها.
في هذا الكتاب، لا يكتفي عبد الموجود باستعراض ذخيرته من القصص القصيرة، مثل تاجر يستعرض بضاعته، بل يُتيح للقارئ كذلك تمريناً محكماً في المطالعة. يُخضعه إلى «حمية» قرائية، وفي تلقي تلك القصص. يفرض عليه إيقاعاً ويتوخى منه أن يتناغم معه.
فقراءة «تاجر الحكايات» تتطلب جهداً لا يقل عن جهد عداء في المسافات المتوسطة، من أجل استيعاب تلك النصوص المركزة، التي تغوص في مجاهيل الحياة المصرية، ولا تغامر بمواجهة الواقع وجهاً لوجه، لا تفصح عن الأشياء بقدر ما تضمرها، وتطرح نظرتها للحياة من زاوية جانبية.
فالكاتب ليس بصدد تدوين كرونولوجيا، وليس مهتماً بإعادة كتابة ما يجري أمام عينيه، لا يريد لبضاعته أن تكون تدوير بضاعة أخرى، بل يريدها بضاعة أصلية، لذلك يُراهن على نظرة جانبية للأشياء، «يمشي تحت الحيط» كما يقول المثل، يؤثر الهامش بدل لب الأشياء.
يلتقط من الأزقة المعتمة سلعته ويجعل منها متناً. لا ينشغل بالنفس الطويلة في الكتابة، متجنباً أن يقع في ترهل نص أو فكرة، مقتنعاً أن جمالية النص في مقدرته على اقتصاد اللغة والشخوص.
وفي تكثيف المشاهد والصور. يطرح وجهات نظر متعددة من منظر واحد، ممارساً حريته في التلاعب بميكانيك القصة القصيرة. يُعيد ترتيب علاقة القارئ بالعالم، وفق حكايات مربكة أحياناً وساخرة في أحيان أخرى. يفضح هشاشة مجتمعات تنهار، ويبذل جهداً بأن يجعل من العادي استثناءً. يبدو المؤلف في «تاجر الحكايات» مثل من يمتلك قاموساً من المرويات، يكتب مثل من يلعب، يتعامل مع القصص كأنها طلقات رصاص، يطلق الرصاصة من غير أن يخبرنا من هو المستهدف.
المهم أن تنطلق الرصاصة فتفصح عن شخوص كثيرة، بعضها يمكن أن نلاقي شبيها لها في الحياة العادية، وأخرى لا نتخيل وجود نظير لها. يذهب حسن عبد الموجود في بعض المرات إلى أقصى حدود التخييل، والقارئ لا يستطع أن يلجم ضحكة وهو يقرأ، أن يلتحم بالشخوص وفضاءاتها، قد يميل إلى قصة أو ينفر من أخرى، لكن الأكيد أنه سيقرأ القصة الواحدة أكثر من مرة.
يستعرض «تاجر الحكايات» قصص نساء يبعن حليهن قصد مواجهة شظف العيش، يحكي عن سجينين يلعبان الشطرنج، لكن ليس على طاولة، بل في مخيلتهما، عن الملك فؤاد ووزرائه، عن امرأة وزوجها في روتين اليومي، عن رجل يتزوج بقاصر، وغيرها من الحكايات، بما فيها حكاية الطفل الذي يتلصص على أخته من فتحة باب الحمام. فهو يجعل من مشاهد معتادة، قد نُصادفها كل يوم من غير أن نلتفت إليها، قصصاً تُروى.

ملخص حياة

يناوب بين سوداوية الحياة والسخرية منها، لا يبتغي استمالة القارئ أو كسب تعاطفه مع الشخوص، بقدر ما تهمه مباغتته. فهو «تاجر حكايات» مراوغ، كعادة التجار، يغرون الزبون بسلعتهم ولا شيء أكثر إغراء من حكاية. في هذه القصص هنالك شخوص تعيش في قلق وضجر، وضحك وتعذيب وندم ولا مبالاة كذلك. قصص تتأمل دراما الحياة، التي لا مناص منها سوى بالحكي. لذلك فتاجر الحكايات لا يبتغي زبوناً يقتني بضاعته من أجل منفعة لحظية، بل يرجو له منفعة طويلة الأمد، في إشفائه من وساوسه بالقصص.
ينصب المؤلف نفسه «تاجراً» على الرغم من أنه يقوم بدور آخر، فهو يختصر الحياة في جملة من المشاهد المكثفة، يحتجزها في إطار ضيق، مثل من يلتقط صورة بموبايل في شارع مزدحم. أو من يجمع صوراً من أجل أن يفردها في ألبوم عائلة متشعبة الأطراف.
فالدخول إلى قصص «تاجر الحكايات» يُشبه القفز في ماء بارد، وعلى القارئ أن يتعلم السباحة، كي لا يذهب ضحية التيار، وأن يعرف متى يغطس رأسه ومتى يطل به إلى الخارج، لأنه سوف يُصادف بانوراما هائلة من الشخوص، من بينها الأحياء والأموات، فالموت والحياة ليسا أكثر من دعابة في هذه القصص، لأن صاحبها يجعل من كل متحرك، أو ساكن موضوع حكي.
والقارئ يصير نفسه زبوناً، أمام تاجر الحكايات، فبعض القصص وردت مبتورة، غير مكتملة، ولعله خيار من الكاتب وليس سهواً منه، كي يورط القارئ في العملية. لأن القصة لا تكتمل على يد كاتبها، بل يُشاركه فيها قارئها. لا تبلغ ذروتها، إلا إذا تشاركا في صنعتها.
والعلاقة بين الكاتب والقارئ، في هذا السياق، ليست تراتبية، إنهما يتبادلان الأدوار، كل واحد منهما ينتظر من الآخر أن يكمل شقاً من الحكاية، كأننا أمام «بازل» قصصي. يصيران شريكين في تدوين هذا الملخص العام عن الحياة، المعنون «تاجر الحكايات» (الدار المصرية اللبنانية 2024).

مزج الأنماط الكتابية

الملاحظ في قصص «تاجر الحكايات» هو المزج بين أكثر من نمط كتابي، نجد فيها المسرح، اليوميات والبورتريه.
هذا المزج المتعمد بين الأنماط المختلفة بث فيها حيوية، وجعل تلقيها سلساً، لكننا لا نعلم على أي أساس رتب المؤلف قصصه، فيبدو ترتيباً عشوائياً، في بعض المرات، كما لا نعلم لماذا أصر على أن يرفق كل قصة مع رسمة، مع أن الرسومات في أحيان لا تطابق المعنى العام، ففي قصة بعنوان: «يوم اللحم» بطلها رجل بينما الرسمة تظهر امرأة (زوجته). لكنها قصص امتلكت من التكثيف ما يؤهلها لأن تلامس مشاغل القارئ، إذا كان مُحبطاً فهي تساعده على مضاعفة الإحباط فيشفى منه، إن كان منشرح البال فتزيد من رغبته في الابتسام. ويبقى أن نشير إلى أن من غير المناسب أن نصف «تاجر الحكايات» بالمجموعة القصصية، لأنها لا تبدو تجميع حكايات منفصلة، بل يبدو أنها كتبت بنفس واحد، بذل فيه جهدا متواصلا وغير منقطع، أو كتبت، منذ الوهلة الأولى، وفق غاية واحدة، هي كتاب جامع وليس مجرد تجميع.

كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية