لقطة من فيلم (حركى) الذي يحكي مأساة هذه الفئة
فرضت المادة 11 من اتفاقية إيفيان (مارس/آذار 1962) التي أفضت إلى إنهاء الاستعمار الفرنسي في الجزائر، إطلاق سراح السجناء من الطرفين. كما ورد فيها أيضاً ضرورة حماية من بقوا في الجزائر. لكن لم تمض سوى أسابيع قليلة عقب توقيع الاتفاقية وإعلان وقف إطلاق، حتى اكتظ الميناء بآلاف البشر، من رجال ونساء وأطفال، يرغبون في المغادرة على الفور إلى فرنسا، بعدما شاعت الاغتيالات العشوائية وتصفية الحسابات، وبات الأوروبيون الذين وُلدوا وتربوا في الجزائر (أو من يطلق عليهم: الأقدام السوداء) في مرمى النار. أخلوا منازلهم وتنازلوا عن ممتلكاتهم وفروا بجلدهم، بما يتعارض مع ما ورد في اتفاقية إيفيان.
شهدت الجزائر، حينها، أكبر حملة تهجير قسري.. لم يكن الأوروبيون وحدهم يرجون باخرة تبعدهم عما كان يحصل على الأرض من صدامات، بل كان إلى جوارهم جزائريون أيضاً، اتُهموا بالتعاون مع الاستعمار وأطلق عليهم اسم «الحركى». ما عرفته البلاد في 1962 لم يكن الاستقلال فقط، بل حصل تهجير الآلاف من البشر. وهؤلاء الذين أطلقوا عليهم اسم حركى وجدوا أنفسهم متهمين بخدمة الاستعمار، ألم يكن من الأفضل تسوية قضيتهم في الداخل بدل حملهم على المغادرة؟ أليسوا جزائريين وقضيتهم تعني الجزائر قبل فرنسا؟ ففي خضم أحداث 1962 لم يكن من الهين إقناع أحد بالتأني والتفكير في مصيرهم، فقد سادت حمى من تصفية الحسابات وتغلبت العاطفة على العقل، لكن توالت سنوات وتبين أن الكثيرين ممن اتهموا بالتعاون مع الاستعمار، إنما لفقت لهم تلك التهمة جزافاً.
كان يمكن أن يختلف اثنان من أجل ملكية قطعة أرض، فيصف أحدهم الآخر بالحركي ويُجبره على هجر البلاد. قد لا يتفق رجل مع آخر بشأن الزواج بامرأة فيجد نفسه قد صار «حركياً» في أعين الناس وبات شخصاً مهدداً في حياته. أما أولئك الذين يُقال إنهم ـ فعلاً ـ تعاونوا مع الاستعمار، فقد فرضت عليهم ظروف، ذلك الأمر، لم يكن سهلاً عليهم التملص في ظل الضغط والترهيب من طرف مُستعمرين. إزاء مسألة من يُنعتون بالحركى، نجد أنفسنا إزاء رقم كبير منهم، لفقت لهم تلك التهمة، لأسباب شخصية أو نظراً إلى ظروف تتجاوزهم. وعلى الرغم من مرور ما يزيد عن ستين سنة من الاستقلال، لم يجر تفكير جاد في حل قضيتهم. لم يتأسس خطاب صريح ولا منظومة تفكير في إزالة اللبس عن هذه المسألة، التي كادت أن تودي إلى انشقاقات عميقة داخل المجتمع، بل إن كل شخص يدعو إلى التفكير في مسألة الحركى، وإعادة فتح ملفاتهم في حياد، سوف يصير مذموماً وشخصاً غير مرغوب فيه، ويتحمل اللوم من كل جانب.
تقليب تربة الماضي
كان من الممكن حل مسألة من يُنعتون ﺑ«الحركى» وتفادي تضخم الخلافات، لولا أن الجزائر لم تدخل أزمة سياسية حادة عقب وقف إطلاق النار في مارس 1962، على إثر توقيع اتفاقيات إيفيان. ففي صيف تلك السنة ساد الاعتقاد بأن الحكومة المؤقتة، بقيادة بن يوسف بن خدة، التي كانت تقيم في تونس، سوف تدخل إلى الجزائر العاصمة، وتصير الحكومة الشرعية للبلد. وحين حل أعضاؤها في البلد وجدوا آلاف الأشخاص في انتظارهم، في الترحيب بهم، لكن لم تمض أيام قليلة حتى أزيحت هذه الحكومة وناب عنها (جيش الحدود) بقيادة هواري بومدين، وصار أحمد بن بلة رئيساً للبلاد. في تلك الأثناء كان الصراع من أجل الزعامة أكثر أهمية من حل القضايا الداخلية، في نظر سادة البلاد.
بلغت الصراعات ذروتها وصار بن بلة لا شغل له سوى توطين حكمه ومد خيوط تحالفاته، من غير تفكير في أن هنالك قضايا عالقة وجب حلها في الحين، لا سيما قضية الحركى. هؤلاء الذين لم يهتم بأمرهم أحد، مع أن عددا كبيرا منهم دخلوا حيز تلك التهمة جزافاً، ووجدوا أنفسهم مخيرين بين المغادرة أو التصفية الجسدية. من الجانب الآخر فإن فرنسا أيضاً لم تعترف بهم في الستينيات. كيف نتهمهم إذن بالتعاون مع المستعمرين، بينما المستعمرون أنفسهم لا يعرفون هؤلاء الذين يُقال عنهم حركى؟ تفشت بالتالي فوضى في المحاكمات الشعبية، وصار هؤلاء الجزائريون غير مرغوب فيهم من الطرفين، لا في الجزائر ولا في فرنسا، مع أنهم ضمنوا في فرنسا أن لا يتعرضوا إلى تصفية جسدية، ورضوا بالعيش في ظروف قاسية، معزولين عن الفرنسيين، كما لو أنهم وباء. طالت مقاساتهم عقوداً قبل أن يُرد لهم الاعتبار خلف البحر، لكن اللعنة ظلت تلاحق ذريتهم، فكل شخص من نسل من ينعتون بالحركى يتحمل وزر التاريخ، على غرار الأسلاف، فلم تعد التهمة تخص الحركى وحدهم، بل كل أبنائهم وأحفادهم كذلك. وعلى الرغم من الكتب الكثيرة التي صدرت في موضوعهم، فإن النظرة العامة نحوهم لم تتغير. نتذكر كتاب «التابو الأخير» لبيار دوم، الذي كشف فيه، للمرة الأولى، أن بعض من اتهموا بالحركى لا يزالون يعيشون في الجزائر ولم يغادروها، مما يؤكد أن التهمة التي لفقت لهم لا دلائل عليها، ذلك ما يبرر سبب عدم متابعتهم قضائياً. من غير أن ننسى الرواية المهمة «فن النسيان» لأليس زينيتار، التي تحكي فيها سيرة جدها الذي اتهم بأنه حركي وكان من المغادرين، مع آلاف آخرين، إلى فرنسا، وكذلك رواية «الحركي» لمحمد بن جبار، وغيرها من الأعمال والشهادات الأخرى، التي تسرد تاريخا آخر عمن ينتعون بالحركى، مناقضاً للرواية الرسمية، وهي كتب تحمل في مضمونها دعوة إلى إعادة بحث هذه القضية، بعيداً عن التشنجات التاريخية، وبعيداً عن تجييش العواطف، لكن لحد الساعة لا يزال الأمر مستبعداً، وكل من ألقيت على ظهره تلك التهمة، لا يزال يتحمل وزرها، مثلما يتحملها معه أبناؤه وأحفاده.
روائي جزائري