سوار مصطفى بدأت معالم الحركة السينمائية السورية تتضح للعيان مع ما يعرف بجيل ‘سينما الشباب’، وهو أطول شباب ‘نظريّ’عرفه التاريخ إن جاز التعبير، حيث امتد منذ أواخر السبعينات وحتى أواسط الألفين، مع أسماء مخرجين قلائل لم يتعد إنتاج الواحد منهم أكثر من فيلمين، وفي أحسن الأحوال ثلاثة طوال حياتهم المهنية، لكن طبعاً للقاعدة استثناء سنأتي على ذكره لاحقاً.
أما الجيل اللاحق من المخرجين، الذين يحار المرء كيف يوصفهم بعد احتكار جيل ‘السبعينات’ اسم ‘سينما الشباب’، لم تتح له الفرصة ـ الإنتاجية على الأقل ـ لمنافسة معلمي السينما السورية الأوائل، حيث تعمل مؤسسة السينما السورية كما كل شيء في سورية ـ بوصفها المؤسسة الوحيدة المعنية بالإنتاج السينمائي ـ، تعمل بمبدأ ‘الفرن’، حيث هناك صفّ انتظار طويل ينتظم فيه المخرجون للحصول على فرصة إنتاج يتيمة. وهنا لا يتوازى العرض مع الطلب، حيث تتيح مؤسسة السينما لعشرات المخرجين المنتظرين فرصة إنتاج أو اثنتين بأحسن الأحوال في كل عام. لكن أيضاً كما تعمل جميع الأفران (المخابز) في سورية، هناك دائماً استثناءات للمنتظرين في هذا الصف الطويل، وكما يتمتع أصحاب الامتيازات الخاصة دوماً وفي أي مكان في سورية بأولوية لا تمس، كذلك الحال في مؤسسة السينما. هذه الاستثناءات سمحت لما يطِلق عليه البعض اسم ‘ظاهرة عبد اللطيف عبد الحميد’ بالظهور إلى العلن، فالرجل يكاد يحتكر الفرص القليلة التي ترمي بها مؤسسة السينما عاماً بعد عام، وعلى الرغم من الموهبة الفذة التي تكشفت في فيلمه ‘ليالي ابن آوى’، الا أن أفلامه اللاحقة بدأت بالانهيار تدريجياً لتصل إلى لغة سينمائية أقرب إلى الدراما التلفزيونية منها إلى الفن السابع. هذه الأفضلية في الإنتاج يتقاسمها مع عبد الحميد المخرج الشاب جود سعيد، الذي استطاع خلال عامين أن يحظى بفرصتي إنتاج أثمرت الأولى فيلماً من العيار المتوسط وهو (مرة أخرى)، أما فيلمه الثاني فهو قيد التصوير حالياً ويحمل اسم (صديقي الأخير)، والذي يجري تصويره على الرغم من الاضطرابات الدموية التي تشهدها سورية، لتبقى ظاهرة ‘سعيد وعبد الحميد’ صامدة في وجه المؤامرات الخارجية.
طبعاً هناك دائماً إجابات تبدو مقنعة من قبل الحارس الأمين لمؤسسة السينما ‘الناقد والمخرج’ محمد الأحمد، حيث أعلن في أكثر من مناسبة أن لا منافسين آخرين لعبد الحميد في المؤسسة، وربما سيعلنُ الأحمد قريباً ألا منافسين لجود سعيد أيضاً خاصة أن أفراد صف الانتظار بدءوا يختفون تدريجياً قسراً أو طوعاً، بسبب مواقفهم السياسية، ما حدا بالمخرج جود سعيد إلى إنشاء صفحة على الفيس بوك تحت عنوان ‘الحرية للمخرج الشاب جود سعيد’ يتهكم فيها على المخرجين المعتقلين مطالباً فيها بالحرية لنفسه، لكن مماذا؟ لا أحد يعرف. بالطبع للمخابرات السورية تاريخ أسود مع السينمائيين في سورية، حيث تجيد فروع الأمن دائماً لغة وحيدة في التعامل مع المخرجين وهي لغة ‘ممنوع من العرض’ والتي لم تقتصر على أفلام وثائقية مؤثرة كأفلام عمر أميرلاي، بل تعدتها إلى منع أفلام أنتجتها مؤسسة السينما نفسها كما حدث لفيلم ‘نجوم النهار’ لأسامة محمد والذي تصدرت صورة ملصقه غلاف مجلة ‘الحياة السينمائية’ عام 1988 في احتفاء واضح من قبل المؤسسة بهذا الفيلم الفذ، لكنه للمفارقة بقي ممنوعاً من العرض رغم كل المحاولات.’ ‘ ‘لقد شهدت الانتفاضة السورية منذ بدايتها تسجيل مواقف كثيرة للسينمائيين تدعم الانتفاضة، بدأت مع حرب البيانات بين السينمائيين المعارضين والموالين. ففي الوقت الذي اجتذب فيه البيان الأول أسماء لامعة في الحقل السينمائي العالمي أمثال مايكل مور وكاترين دونوف وجولييت بينوش ومايك لي وكوستا غافراس، حشد البيان الثاني كل قواه لاستقطاب أكبر عدد ممكن من العاملين في الدراما والتلفزيون إلى جانب السينمائيين لزيادة عدد الموقعين على البيان، حتى صار البعض يتهكم على هؤلاء بأنهم ‘سينمائيو ما بعد البيان’، لأنهم قبله لم يتعدوا كونهم فنيين ومنفذي إنتاج وعاملي إضاءة مع الاحترام الكامل لهذه المهن النبيلة، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن كثيراً منهم هُدِدوا بأرزاقهم في حال الامتناع عن التوقيع. لم يقتصر الأمر بالطبع على حرب البيانات هذه بل تعداها إلى حملات التضييق على السينمائيين، الذين اضطر بعضهم إلى الهرب خارج سورية خشية التنكيل والاعتقال. حتى أن بعضهم ما يزال قيد الاعتقال حتى لحظة كتابة هذه السطور أمثال: ريم الغزي، شادي أبو فخر، فراس فياض، ونضال حسن الذي خاض جولات عدة مع المؤسسة من قبل. بالمقابل أفرزت الثورة تياراً جديداً من السينمائيين الشباب، استطاعوا تحت ظروف قاهرة صناعة أفلام سينمائية حقيقية، قدمتها المحطات التلفزيونية في سياقات تغطيتها الإخبارية للشأن السوري، لكن هذا التقديم لم ينقص من قيمتها الفنية، كفيلم أزادي، وفيلم وعر.. نشيد الثورة، تهريب 23 دقيقة ثورة، وغيرها من الأفلام.
بالطبع تحتاج هذه الأفلام إلى جانب أخرى بقيت حبيسة الانترنت، إلى قراءة متأنية للغتها البصرية ومكوناتها الفنية للكشف عن الاحتمالات الثرية التي تقدمها الصورة السينمائية، وكيف تستجيب طاقة الصورة لإحساس صانعها بالقتل المتربص به في كل لحظة. لا بد أننا نحتاج للوقف طويلاً أمام نوع خاص وجديد من السينما التسجيلية أقل ما يمكن أن توصف به هو تعبير ‘السينما القاتلة’، حيث الكاميرا تصوب وتسجل صورها باتجاهين، الأول نحو واقع الشارع وانتهاكاته اليومية، و الثاني نحو قلب السينمائي… الذي قد يدفع حياته ثمناً لتسجيل لحظة ما على شريط كاميراه ـ بندقيته.
إن حياة السينمائي ـ وفيلمه أيضاً يبقيان ضمن هذا السياق رهناً بأمرين: بمناوراته المستمرة لتجنب طلقة كاميراه المميتة ـ مجازاً ـ، وبتصويب صورته نحو الكادر القاتل ـ حقيقةً، حيث تساوي صورة واحدة في سورية ألف طلقة. قد نكون أمام موجة جديدة من السينما السورية تحتاج مطولاً للتحليل والقراءة والبحث، وتخلصنا من إرث ثقيل من البيروقراطية والانتهاك، وإن كان هناك ما يبعث على تفاؤل ما وسط هذه الانتظار المميت، هو أن باكورة نتائج هذه الانتفاضة، هي سينما.. سينما حرة وشجاعة ونبيلة تنبأ بمستقبل أفضل لجميع السوريين. ‘ كاتب من سورية