مشروع تاريخ الأدب عند طه حسين، يقوم علي تصور شمولي للمعطيات المحيطة بالظاهرة الأدبية، وحتي تجاوزهاكان مؤرخا للأدب بامتياز… من المؤرخ إلي الناقد، ثم الروائي وكذا المترجم، إلي الأديب بمفهومه القديم
د. سعيد بوخليطمشروع طه حسين النقدي:
حينما نتحدث عن التراث النقدي لطه حسين فإننا نموقع النقد العربي، ضمن لحظة فكرية، كان يبحث فيها عن مشروع نقدي متكامل يغطي كل الحقول المعرفية، حيث يمثل طه حسين، أول رمز فكري تبني مقولة المشروع النقدي، موظفا في سبيل ذلك آخر النظريات النقدية، التي أفرزها المشروع الفكري الغربي. هذه النظرية التي حاول بها طه حسين قراءة مجموعة من التجليات المعرفية العربية، تنتمي في مجملها إلي التراث العربي. ولعل محاولته المهمة والجريئة في قراءة الأدب الجاهلي، تدخل في نفس السياق الفكري، بل أهم محطاته النظرية. ذلك أن ما وصل إليه من نتائج وتخريجات منهجية تشكل ثورة مفهومية ونظرية في مسار النقد العربي. إن ما قام به طه حسين، لم يكن من الممكن ولوجه، لو لم ينطو علي حس نقدي عميق، وعلي وعي حضاري كبير بضرورة إعطاء محفزات تاريخية للذات العربية تخرجها من مقولاتها النظرية الجافة، التي أضحت مفاهيم دوغماطيقية تكبح جماح هذه الذات. وظلت ملامح المشروع النقدي عند طه حسين، غير مكتملة بل تم وأدها في المهد نظرا لمجموعة من العوامل، عملنا علي توضيحها سابقا. ولعل من أكبر المرجعيات النظرية التي حكمت المنهج النقدي عند طه حسين تأثره وتشبعه بروح القراءات الغربية وخاصة الممارسة النقدية الفرنسية، ولعل أشهر الأشياء، كذلك التي وسم بها النقاد العرب، طه حسين، في دراساتهم لمتنه النقدي، هو التأكيد علي حضور المنهج الديكارتي، في ممارسته المنهجية، هذا المنهج الذي ينطلق من مقولة الشك والارتياب، من أجل الوصول إلي اليقين، وإن كان البعض يعتقد، أن منهج الشك هذا لم يأخذه طه حسين من عقلانية ديكارت وإنما يستمد مقوماته المفهومية من التراث العربي: (ذلك لأن وجوب الشك قبل الاعتقاد منهج من أقوم مناهجها الأصلية في التفكير والبحث. فالجاحظ قبل ديكارت بسبعة قرون قد اهتدي إليه وآمن به ودافع عنه، وجعله منهجا من ألزم مناهجه في التفكير، ووسيلة من أهم وسائله للوصول إلي درجة من اليقين العلمي، فهو يشك ويدعو إلي الشك، وللشك عنده حالات موجبة لا بد أن يفطن إليها الإنسان حتي يشك في مواضع الشك نفسه). هذا المنهج إذن سواء استعاره من عقلانية القرن 17، أو ينحدر من التراث العربي، كان الفهم، الذي حاول من خلاله قراءة الأدب العربي قراءة تاريخية وتطورية. يقول طه حسين في تحديد طبيعة منهجه: (أريد أن أصطنع في الأدب هذا المنهج الفلسفي الذي استحدثه ديكارت للبحث عن حقائق الأشياء في أول هذا العصر الحديث، والناس جميعا يعلمون أن القاعدة الأساسية لهذا المنهج هي أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلوا تاما، والناس جميعا يعلمون أن هذا المنهج الذي سخط عليه أنصار القديم في الدين والفلسفة يوم ظهر، قد كان من أخصب المناهج وأقواها وأحسنها أثرا، وأنه قد جدد العلم والفلسفة تجديدا، وأنه قد غير مذاهب الأدباء في أدبهم والفنانين في فنونهم، وأنه هو الطابع الذي يمتاز به هذا العصر). هذا المنهج في رأي طه حسين يخول للناقد العربي، دراسة تاريخه الأدبي، بذهنية خالية من أي معطيات سابقة عن الموضوع، والتجرد خاصة من المشاعر والعواطف القومية، وكذا الإحساس الديني: (إذا لم ننس هذه العواطف وما يتصل بها فسنضطر إلي المحاباة وإرضاء العواطف، وسنغل عقولنا بما يلائمها. وهل فعل القدماء غير هذا؟ وهل أفسد علم القدماء شيء غير هذا؟ كان القدماء عربا يتعصبون للعرب، أو كانوا عجما يتعصبون علي العرب، فلم يبرأ علمهم من الفساد.
مشاعر واغلال وقد اعتبر طه حسين، هذه المشاعر التي تحدد أفقنا النظري، اتجاه تراثنا الأدبي بمثابة أغلال، تكبح التحرك الحر والطبيعي، للذات العربية في اشتغالها علي تراثها الأدبي، خاصة وأن هذه الذات تنظر إلي تراثها الأدبي، لا نظرة تاريخية تطورية، ولكن برؤية دوغماطيقية تحكمها نزعة تقديسية تجعل من الصعب اختراق هذا النسيج الفكري بحس علمي موضوعي بفكر مختلف مع ذاته، يتعامل مع الحقائق باعتبارها تحققات تاريخية مرتبطة بسياق ثقافي معين، وبمعطيات اجتماعية واقتصادية وسياسية، ومن خلال تطبيق طه حسين لمنهجه التشكيكي، سيخرج ببعض الخلاصات النظرية التي شكلت قطيعة منهجية، معرفية مع طبيعة الرؤية، التي تحكم الذات العربية في موقفها من التراث الجاهلي أو بعبارة أخري أن التخريجات النظرية لمنهجية طه حسين خلخلت المعهود والمألوف وهكذا يمكن لنا مثلا في هذا السياق الوقوف علي بعض تصورات طه حسين بخصوص الشعر الجاهلي: (أ ـ لا يعكس الحياة الدينية الجاهلية. ب ـ لا يعكس الحياة الاقتصادية الجاهلية. ج ـ يرينا الأخلاق علي غير ما هي عليه في القرآن. د ـ لا يتحدث عن البحر الذي كان يحيط بالجزيرة العربية. وباختصار أن الأدب الجاهلي لا يعكس الحياة الجاهلية بصدق علي نحو ما يعكس شعر عمر بن ربيعة، وشعر أبي نواس وكتابات الجاحظ عصور هؤلاء الشعراء والكتاب(. هذه التصورات تأسست بالإضافة إلي الروح الديكارتية علي روافد معرفية أخري وهي، قراءة أساتذة طه حسين المستشرقين للشعر الجاهلي، والمنهج اللغوي الذي طبقوه عليه، ثم تأثره بمنهج تاريخ الأدب الإغريقي للأخوة كروازيت، بالإضافة إلي قناعته المعرفية بالتصورات المنهجية لعلم النقد التاريخي، كما اشتغلت عند نقاد القرن 19، والتي كانت تفهم الأدب باعتباره تعبيرا فكريا، عن وضع اجتماعي معين، وبالتالي لا يمكن فصل الأدب عن بيئته، وكذا عن ظروف المبدع الذاتية والموضوعية، فالأدب ابن بيئته. انطلاقا من هذه المعطيات المنهجية، سينتهي البحث بطه حسين إلي أن (الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء.. وإنما هي منتحلة مؤلفة بعد ظهور الإسلام. فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين وأن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح، وهو عنده قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل علي شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي. وأن أكثر ما نقرأه من شعر امرئ القيس، أو طرفة، أو ابن كلثوم، أو عنترة ليس من هؤلاء في شيء، وإنما هو من انتحال أو اختلاق الرواة). وقد أثار هذا التصور ضجة فكرية كبيرة أدت إلي مصادرة الكتاب، بل واتهام طه حسين بالإلحاد، والكفر، وكذا عمالته للأطروحات الاستشراقية، ويعتقد البعض، أن طه حسين ما كان ليجلب عليه حساسية الرأي العام المصري في تلك الفترة: (لو لم يستغل خصومه جملا جاءت استطرادا في صلب البحث الذي عقده عن الشعر العربي واللغة، وعن القحطانية والعدنانية، والعرب البائدة والمستعربة، والخلاف الجوهري بين اللغة التي كان يصطنعها في جنوب البلاد العربية واللغة التي كانوا يصطنعونها في شمالها، وقد ساق الدكتور طه حسين أكثر من حجة علي صدق نظريته التي انتهت به إلي أن هذا الشعر الذي يسمونه الجاهلي، لا يمثل اللغة الجاهلية ولا يمكن أن يكون صحيحا وأنه وجد بين الشعراء الذين يضيفون إليهم شيئا من الشعر الجاهلي قوما ينتسبون إلي عرب اليمن إلي هذه القحطانية العاربة التي كانت تتكلم لغة غير القرآن والتي أثبت البحث الحديث أن لها لغة أخري غير اللغة العربية). ولعل أهم الاستطرادات، التي جاءت في ثنايا بحثه والتي مست الشعر الجاهلي، واستفزت المتلقي العربي هي: 1 ـ يعتقد طه حسين أن حديث القرآن والتوراة عن ابراهيم وإسماعيل، وكذا إثبات قصة هجرة إسماعيل ابن إبراهيم إلي مكة، لا يكفي ذلك لإثبات وجود هذه الوقائع تاريخيا. 2 ـ مسألة أخري تدخل في إطار انتحال الشعر الجاهلي، وإضافته إليهم، وتدخل هذه المسألة كذلك في تأثير الفكر الديني، ويتعلق الأمر بتعظيم شخص النبي وأسرته. ثم نسبه من قريش: (اقتنع الناس بأن النبي يجب أن يكون صفوة بني هاشم وأن يكون بنو هاشم صفوة بني عبد مناف، وأن يكون بنو مناف صفوة بني قصي، وأن يكون قصي صفوة قريش، وقريش صفوة مضر، ومضر صفوة عدنان، وعدنان صفوة العرب، والعرب صفوة الإنسانية).. 3 ـ الاعتقاد بأن الدين الإسلامي ما هو إلا تجديد وتطوير لدين إبراهيم، وبالتالي أخذ الناس بالاعتقاد، أن الإسلام هو نفسه دين إبراهيم. نقد طه حسين وقد تركزت الانتقادات الموجهة إلي طه حسين، وكانت انتقادات عنيفة ذهبت إلي حد التظاهر والتوجه إلي البرلمان، علي أربع نتائج نظرية توصل إليها طه حسين وهي: (1 ـ أنه كذب القرآن في إخباره عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام. 2 ـ أنه أنكر القراءات السبع المجمع عليها فزعم أنها ليست منزلة من الله تعالي.3 ـ أنه طعن في نسب النبي صلي الله عليه وسلم.4 ـ أنه أنكر للإسلام أوليته في بلاد العرب وأنه دين إبراهيم تلك أهم المقدسات التي مسها مشروع طه حسين، والتي أثارت استنكار الرأي العام الفكري في تلك الفترة، وتطورت إلي درجة الدعوة إلي إلغاء وظيفة طه حسين الجامعية، كأستاذ بها وإحالته علي النيابة. والأهم من ذلك أنه منذ تلك الفترة حكم علي المشروع النقدي لطه حسين بالموت، وأصبح ينظر إليه بنفس النظرة التي يتخذها العرب من المستشرقين، وأضحت مقولاته النقدية، يشوبها نوع من الارتياب والشك. وهذا ما يثير التساؤل حول حدود الوعي اللبيرالي في ممارسة الفكر العربي، ما إمكانية امتداد الرؤية الليبرالية إلي ممارساتنا اليومية؟ خاصة إذا كانت المسألة تتعلق بمقولات كبري تحكم الذات العربية، وتؤسس فهمها للعالم، مثل التراث وما ينطوي عليه من تجليات مفاهيمية من أدب وشعر ومشاعر وعقائد وسياسة… قلت هذا، لأن كل الدعوات الليبرالية في الوطن العربي، وطموحاتها النظرية ستجد نفس المصير: دعوة الشيخ علي عبد الرزاق صاحب كتاب الإسلام وأصول الحكم الذي شكك في البعد الديني لمفهوم الخلافة، مؤكدا بأن الخلافة ليست أصلا من أصول الإسلام وإنما هي مسألة سياسية أكثر منها دينية، وأن الخلافة لم ترد في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية وإنما هي قضية دنيوية… وبالطبع ستجر هذه المواقف علي الشيخ علي عبد الرزاق الويلات، وتعرض لنفس مصير طه حسين ولكن بشكل آخر. ما يقال عن هاتين الشخصيتين، يمكن أن نقوله علي أحمد أمين أو الكواكبي… أو أدونيس… هناك خلل إذن في بنية الذات العربية. وأعتقد أن أهم مواطن الخلل هو ما يمكن أن نسميه مع عبد الله العروي، عدم تمكن العقل العربي من هضم أسس ومفاهيم الفكر الليبرالي. وأضيف بأن عدم تجذر الوعي الليبرالي في البنية الذهنية العربية يتأتي من كون الذات العربية لم تتعرض لهزات عنيفة، تخلخل معتقداتها، والتي تحولت مع تراكم السنين إلي اشتغالات دوغماطيقية، ذلك أن علاقتنا بالعالم ظلت منسجمة يحكمها منطق اليقين والثبات، خاصة وأن المرجعية الدينية، تشكل إطارا للارتياح الفكري والعقائدي. وما دام الحال كذلك، فإن الواقع العربي لا يتحمل أي مفهوم يتجاوز أفقه المفاهيمي، وبالتالي ستظل محاولة طه حسين وغيره، مجرد أحلام رومانسية مثالية، غالبا ما تفيق علي أضغاث كابوس مرعب ومخيف.
قلت كل ذلك، لأن قراءة طه حسين للشعر الجاهلي، وهي جديدة في منهجها ومضمونها، حكمتها مجموعة من الخلفيات المنهجية الجديدة عن الثقافة العربية. وتتجلي جديتها في أنها: (أكدت فكرة ارتباط الأدب بالمجتمع وتفاعله معه وفهمه من خلاله، وهو ثانيا نبه إلي فكرة حرية الباحث وتجرده، وبالغ في هذا التنبيه أمدا… عرضه لكثير من المتاعب، وهو ثالثا قدم طرق وأساليب الغرب في دراسة الأدب والنقد فصور ما ذهب إليه سانت بوف من ترتيب شخصيات الأدباء للأمة في فصائل وأنواع علي نحو ما يرتب علماء النبات الفصائل النباتية، ورسم في دقة ما ذهب إليه تين من أن الأديب إنما هو ثمرة حتمية لقوانين الجنس والزمان والمكان. وأوضح كيف أن برونتيير طبق علي فنون الأدب وأنواعه نظرية داروين في التطور والنشوء والارتقاء فخرجت بنتيجة التشكيك في وجود شيء اسمه الشعر الجاهلي، وإنما هو منتحل. يعتبر ذلك نواة طه حسين وأهم الركائز النقدية في مشروعه، بل أهم أطروحاته المفاهيمية. لم يعرف طه حسين بشيء أكثر مما عرف بموقفه هذا من الشعر الجاهلي. ولعل اشتغاله بالأدب الجاهلي يندرج في إطار مشروع متكامل لقراءة تاريخ الأدب العربي. بلورة المنهج كيف سيبلور طه حسين منهجه التاريخي هذا إذن؟ وما هي أهم المحددات المفاهيمية التي سيؤطر بها منهجه؟ يقول طه حسين وهو يتحدث عن الأدوات المنهجية التي يجب توفيرها لمؤرخ الأدب: (وإذا الباحث عن تاريخ الآداب ليس عليه أن يتقن علوم اللغة وآدابها فحسب، بل لا بد له أن يلم إلماما بعلوم الفلسفة والدين، ولا بد أن يدرس التاريخ القديم والحديث وتقويم البلدان درسا مفصلا، وإذا الباحث عن تاريخ الآداب لا يكفيه من درس اللغة حسب البحث عما في القاموس واللسان وما في المخصص والمحكم، وما في التكملة والعباب، بل لا بد له مع ذلك من أن يدرس أصول اللغة القديمة ومصادرها الأولي، وإذا الباحث عن تاريخ الآداب لا بد له من أن يدرس علم النفس للأفراد والجماعات إذا أراد أن يتقن الفهم لما ترك الكاتب أو الشاعر من الآثار وإذا باللغة العربية وحدها لا تكفي لمن أراد أن يكون أديبا ومؤرخا للآداب حقا إذ لا بد له من درس الآداب الحديثة في أوروبا، ودرس مناهج البحث عند الفرنج بلغة ما كتبه الأساتذة الأوروبيون في لغاتهم المختلفة). في هذا النص الطويل، يحدد إذن الإطار المنهجي الذي يجب علي مؤرخ الأدب التحرك داخله، وكذا الشروط المعرفية الواجب توافرها فيه، والتي نختزلها في شرط معرفي واحد هو: الموسوعية المعرفية للإلمام بالظاهرة الأدبية، وبكل معطياتها. فلا بد إذن، لهذا الباحث أن: 1 ـ يتقن علوم اللغة من بلاغة، عروض، النحو، الصرف وفقه اللغة… 2 ـ الإلمام بعلوم الفلسفة، علوم الدين، علم النفس وعلم الاجتماع… 3 ـ الدراية الكبيرة بالتاريخ القديم والحديث، ثم المعرفة المفصلة والدقيقة بالمعطيات الجغرافية. 4 ـ الاطلاع علي اللغات الأجنبية، وذلك لمعرفة الآداب الأخري، الوقوف عند لغة واحدة لا يكفي بالنسبة لمؤرخ الأدب.5 ـ معرفة أصول اللغات القديمة، ومعطياتها الأولي.6 ـ معرفة المعطيات النفسية، للأفراد والجماعات، والذين ينكب مؤرخ الأدب علي دراستهم، وذلك من أجل فهم آثارهم الفكرية والأدبية… تلك إذن أهم الشروط التي حددها طه حسين بالنسبة لمؤرخ الأدب، والتي كانت متأتية لطه حسين نفسه، لذا كان مؤرخا للأدب بامتياز، ذلك أنه إذا استقرأنا هذه الشروط وجدناها متوفرة في شخصية طه حسين، كما عكسها بين ثنايا اشتغالاته الفكرية. فمن المؤرخ إلي الناقد، ثم الروائي وكذا المترجم، إلي الأديب بمفهومه القديم، حيث يجمع بين التكوين اللغوي القديم ـ مع الإلمام الواسع بالمعطيات الثقافية المعاصرة. لقد توفر لطه حسين ـ كل ذلك بفعل تتلمذه علي مدرستين، إحداهما يمكن القول بأنها تهتم بالثقافة القديمة وبالتالي سيكون منهجها في قراءة الآداب العربية قديما كذلك، وأخري حديثة، تتمثل في المنهج الذي أحدثته الجامعة المصرية، في دراسة الآداب العربية، ونقصد بالاتجاه الأولي، ما تلقاه طه حسين عن أستاذه سيدي علي المرصفي، أحد أهم أساتذته في الأزهر، ويدين له طه حسين بالكثير، حيث يقول في حقه: (أستاذنا الجليل، السيد علي المرصفي أصح من عرفت بمصر فقها في اللغة وأسلمهم ذوقا في النقد وأصدقهم رأيا في الأدب وأكثرهم رواية للشعر ولا سيما شعر الجاهلية والإسلام). فالأستاذ سيد علي المرصفي جسد المرجعية النظرية والفكرية، لفهم الآداب العربية. (فالمرصفي علم طه حسين كيف يقرأ النص العربي، كيف يفهمه، وكيف يتمثله، وكيف يحاكيه، علمه إذا كيف يقرأ النص العربي قراءة صحيحة وسليمة في لغته وعروضه وكيف يفهم ألفاظه ومعانيه ومستغلقاته اللغوية والنحوية وكيف يتذوقه كلغة ومعان شعرية عربية قديمة وأساليب ستمد طه حسين برصيد هام في كتابته الأدبية). والأستاذ علي المرصفي من بين الرموز الفكرية التي عملت علي تطوير النقد والأدب العربيين، وهو تطور حدث في الأزهر: (علي يدي كل من الشيخ سيد المرصفي، والشيخ حمزة فتح الله حين اتبع الشيخان نفس أساليب دارسي الأدب القدماء وفي مقدمتهم المبرد والقالي والجاحظ حيث العناية في الدرس تتجه أولا إلي جمع النصوص الشعرية والنثرية المختارة بالإضافة إلي طائفة من الحكم والملح والأخبار والأمثال، ثم يتناولان ذلك تناولا يعني باللغة والبلاغة والتذوق وما إلي ذلك). وكانت هذه أول الخطوات الأساسية في تطوير العناية بالآداب العربية، ستعقبها خطوات تجلت في أعمال، جورجي زيدان، ومصطفي صادق الرافعي، ثم جهود عباس محمود العقاد، ثم الأبحاث التي خرجت من الجامعة المصرية والذي درس بها بعض المستشرقين من أمثال كارلونلينووفييت…. والرافد المعرفي الثاني بالنسبة لطه حسين، الذي فتح عينيه علي المنهجيات الجديدة في قراءة الآداب العربية، يتمثل في التأثير الذي أحدثه المستشرق كارلونلينو، وهو التأثير الذي سيفيده في استخراج علم جديد إسمه: تاريخ الآداب وتبلور القراءة الخارجية للنص العربي. يقول طه حسين عن هذا المنهج الجديد إن (المذهب الذي أحدثته الجامعة المصرية في درس الآداب بمصر نافع النفع كله لاستخراج نوع من العلم لم يكن لنا به عهد مع شدة الحاجة إليه وهو تأريخ الآداب تأريخا يمكننا من فهم الأمة العربية خاصة والإسلامية عامة فهما صحيحا، حظ الصواب فيه أكثر من حظ الخطأ ونصيب الوضوح فيه أوفر من نصيب الغموض). ولعل في كل ذلك، ومن خلال تأثير الرجلين علي فكر طه حسين يتحقق الفهم المنهجي، الذي أعطي لتاريخ الأدب في المشروع النقدي لطه حسين، بتأسيس المنهجية التاريخية علي نظرة متكاملة تحاول الإحاطة بكافة معطيات الظاهرة الأدبية، فالمرصفي كان بالنسبة لطه حسين مرجعا لغويا مكنه من فهم الاشتغالات الداخلية للنص، مكوناته اللغوية والأسلوبية، ونحن نعرف جيدا متانة النص العربي القديم من حيث بلاغته وتركيبه اللغوي المكثف، مما يجعل من الصعوبة اختراقه، ما دامت لا تتوفر علي تكوين لغوي قوي. وقد تأتي هذا الشرط لطه حسين بفضل تتلمذه علي شيوخ الأزهر وخاصة المرصفي: (لقد علمه إذاً كيف يقرأ النص العربي قراءة صحيحة وسليمة في لغته وعروضه وكيف يفهم ألفاظه ومعانيه ومستغلقاته اللغوية والنحوية وكيف يتذوقه كلغة ومعان شعرية عربية قديمة وأساليب ستمد طه حسين برصيد هام في كتابته الأدبية (…) وتعتبر هذه القراءة أساسية في العملية النقدية التي سيتعامل معها طه حسين في دراسته للنص الأدبي، كما تعتبر ثابتا أساسيا سيوجه مشروع كتابته النقدية عندما يحاول البحث عن قراءة جديدة وصحيحة للنص العربي. أما الأستاذ كارلو نلينو فقد كان بالنسبة لطه حسين، الرافد الآخر في تشكيل منهج قراءته. وهذه المرة سيأخذ طابعا مغايرا عن قراءة سيد علي المرصفي، حيث يحاول الإحاطة بالظاهرة الأدبية في معطياتها الخارجية، والإلمام بسياقها البراني(. وستكون هذه القراءة للنص العربي قراءة من الخارج، إذ سيمده بالمنهج الذي سيقدم به طه حسين قراءته الأولي للناس في صياغة جديدة تكشف عن أشياء ذات بال كما قال، حتي يتمكن الناس من فهمها وتكون قريبة إليهم ولا يشعرون بالاغتراب إزاءها كما حصل لطه حسين.
تكامل النظرة تكاملت النظرة إذن بالنسبة للمشروع النقدي عند طه حسين، وبالتالي بقي وفيا للبرنامج المنهجي الذي خطه لكل دارس لتاريخ الأدب. قراءة لا تنفصم، ولا تجيز الاهتمام والانكباب علي جانب دون آخر، إنه تصور متكامل. وفي نص لطه حسين سيقر بأن ما تلقاه علي يد سيد علي المرصفي وكارلونلينو، شكل بالنسبة إليه الأساس النظري والمنهجي، وكذا الأرضية الفكرية بالنسبة لكل ما سيأتي من بعد. أو بمعني آخر، مشروع طه حسين النقدي، وأفقه الفكري والمنهجي، سيتحدد من خلال اشتغالاته المنهجية، المؤسسة علي فكر الرجلين. يقول في هذا الإطار: (أحدها علمني كيف أقرأ النص العربي القديم وكيف أفهمه وكيف أتمثله في نفسي، وكيف أحاول محاكاته. وعلمني الآخر كيف أستنبط الحقائق من ذلك النص وكيف أصوغها آخر الأمر علما يقرؤه الناس فيفهمونه ويجدون فيه شيئا ذا بال. وكل ما أتيح لي بعد هذين الأستاذين العظيمين من الدرس والتحصيل من مصر فهو قد أقيم علي هذا الأساس الذي تلقيته منهما في ذلك الطور الأول من أطوار الشباب. بفضلهما لم أحس الغربة حين أمعنت في قراءة كتب الأدب القديم، وحين اختلفت إلي الأساتذة الأوروبيين في جامعة باريس وحين أمعنت في قراءة الأدب الحديث). وعلي هذا الأساس، سيتخذ مشروع تاريخ الأدب عند طه حسين، تصورا شموليا للمعطيات المحيطة بالظاهرة الأدبية، ومحاولة مقاربتها من مختلف الزوايا، وكذا الحيثيات الإشكالية للمعطي الأدبي. مؤرخ الأدب حسب طه حسين لا يكتفي، فقط بالوقوف عند حدود التاريخ للأدب، وإنما يضطر إلي الإحاطة بالمعطيات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وكذا اللغوية… للحظة التاريخية، التي يريد العمل علي موقعتها، فهذه المباحث الإنسانية الأخري، تعتبر مكملة لعمل المؤرخ الأدبي. ولعل هذا الفهم الذي أعطاه طه حسين لعملية التأريخ الأدبي سيدفعه إلي تجاوز التأسيسات المنهجية والمعرفية التي تنهض عليها بعض عمليات التاريخ الأدبي، أهمها: استحضار المقياس والبعد السياسي في عملية التأريخ للأدب: من أكبر تجليات هذا الفهم: اشتغال هذا الربط بين السياسي والأدبي في الثقافة العربية، حيث لا زلنا نؤرخ للأدب بالدولة السياسية، وهكذا نقسم العصور الأدبية علي حسب العصور السياسية. ويتم ربط ازدهار وانحطاط اللحظة الأدبية، بالاستقرار السياسي أو انحطاط الحياة السياسية. فالأدب كان راقيا في عصر بني أمية، وفي العصر العباسي، لأن الدولة العربية في تلك الفترة كانت قوية سياسيا، وتميزت كذلك بالاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، أو علي العكس سينحط الأدب، حينما تفككت هذه الدولة وضعفت… ينتقد طه حسين هذه الرؤية، ويرفض تحديد الأدبي انطلاقا من السياسي، فالمسألة غير مؤكدة. يقول طه حسين في هذا الشأن: (إن الحياة السياسية لا تصلح مطلقا لأن تكون مقياسا للحياة الأدبية وإنما السياسة كغيرها من المؤثرات كالحياة الاجتماعية، كالعلم، كالفلسفة، تبعت النشاط في الأدب حينا آخر، فلا ينبغي أن يتخذ واحد من هذه الأشياء مقياسا للحياة الأدبية لكن هذا لا يعني أن طه حسين يتغاضي أو ينكر الصلة بين الأدبي والسياسي، وإنما يؤكد علي ضرورة التعامل مع تداخل المفهومين بنوع من النسبية.
تحديد عملية تأريخ الأدب بنوع من الدوغماطيقية: وتجلت هذه المسألة تاريخيا في التأسيسات المفاهيمية للمشروع النقدي لرواد القرن 19 فنحن نعلم أن الهم المعرفي، الذي أعطي المسوغ النظري، لرموز نقدية، مثل: تين، سانت بوف، برونتيير… بتأثير من العلم الطبيعي، هو تحويل تاريخ الأدب إلي علم موضوعي يتوخي تحقيق نتائج، تخلو من الاعتبارات الشخصية والذاتية. وقد حاول كل ناقد تحقيق هذا الهدف بطريقته. إلا أن طه حسين يرفض هذا الفهم، من خلال إيمانه بالخصوصية المعرفية والمنهجية لكل حقل من الحقول النظرية، جازما بأن: (تاريخ الأدب لا يستطيع بوجه من الوجوه أن يكون موضوعيا صرفا، وإنما هو متأثر أشد التأثر وأقواه بالذوق، وبالذوق الشخصي قبل الذوق العام، مما يجعل مسألة العلمية، تأخذ فهما جديدا ومغايرا داخل حقل تاريخ الأدب، عن اشتغالاتها في العلوم الأخري. المقياس الأدبي: في سبيل تجاوز الاشتغالات السابقة، يقترح طه حسين، فهما منهجيا يؤسس ذاته علي رافدي العلمية، وكذا الفنية، أو بمعني آخر؛ أن ينهض تاريخ الأدب علي إطار نظري يمكنه من استيفاء حدود العلمية، التي تمكن له حيز الموضوعية. ومن جهة أخري التعبير عن الطبيعة الذاتية للعمل الفني؛ الذي يتطلب استحضار مقولة الذوق، حيث رهان المعطي الأدبي علي ذاته. ولعل في هذا النموذج الأخير، تتحدد رؤية طه حسين، للإطار النظري المحدد لعمل مؤرخ الأدب.