تاريخ الأدب في النقد العربي الحديث: المنطلقات والنتائج (1من 2)

حجم الخط
0

الفكر العربي افتقر إلي نظرية في التاريخ تتجاوز التصورات الميتافيزيقية والتاريخ نظرة مثاليةمحمد مندور: البقاء في حدود ما يبوح به النص، ولحظتان نقديتان.. النزعة الجمالية الإنسانية، ثم الإيديولوجية

د. سعيد بوخليط لا شك أن الحديث اليوم عن استثمار القراءة التاريخية في ممارسة الأدب، داخل النسيج الثقافي العربي، يشكل ذكري، إلا أنها ذكري جميلة. ومفهوم الذكري يؤسس ذاته بمعنيين: الفهم الأول، يتأتي من كون موضوع المنهج التاريخي في قراءة الأدب، لم يعد اليوم مجالا لمشروع نقدي أو مفهوما تنظيريا لممارسة الأدب، وإنما يصلح أكثر لأطروحة جامعية ومنهجية للتدريس. لماذا؟ لأنه بكل بساطة، التراكمات النظرية الكبيرة التي حققها الدرس النقدي، أدخل كل قراءة تتوخي تأسيس المسار الخارجي للنص، في باب الحفريات المنهجية، فلم يعد من المستساغ اليوم الحديث عن تاريخية للنص الإبداعي، بالشكل الذي تصوره نقاد القرن 19 في الغرب، أو رموز النقد التاريخي في العالم العربي. الفهم الثاني لهذه الذكري ـ بعدها الرومانسي ـ حينما نتحدث عن المنهج التاريخي، فإننا نضع أيدينا علي مشروع نقدي، كانت تطلعاته كبيرة، إلا أنه اصطدم ببنيات فكرية واجتماعية وكذا اقتصادية، جعلت من هذا المشروع مجرد طموح نظري لا أقل ولا أكثر، ظل يتردد صداه في المؤسسات التعليمية، ولم يتحول إلي نظرية لها امتداداتها الفكرية إلي كل الميادين. لهذا فإن تاريخية المشروع وامتداداته الزمنية لم تعمر طويلا، بل ألغت ذاتها في لحظة التأسيس ثم اقتصر التنظير للمشروع، علي فئة الرواد. التاريخ لم يخلق له أتباعا، كما خلقه التراث، أو كما خلقته النظريات التي وجدت امتداداتها في الشارع السياسي وارتبطت بحركات جماهيرية. إلا أن الناظر في طبيعة حضور المنهج التاريخي داخل الممارسة النقدية العربية سيخلص إلي مجموعة من الملاحظات يمكن أن يخرج بها في تتبعه لمسار هذه النظرية وحدود اشتغالاتها، ثم مستويات امتداداتها، وكذا البعد المفهومي الذي أعطي لها. بطبيعة الحال ما يمكن أن نقوله عن المنهج التاريخي، وتجليه في العالم العربي نسقطه علي كل النظريات والمناهج النقدية الأخري، نظرا للطبيعة الغريبة والعجائبية التي تسافر بها النظرية في سياقنا الثقافي.

أ ـ ان الذهنية العربية، تحكمها بنية معرفية، مؤسسة علي نزعة تراثوية دوغماطيقية، يصعب معها ويستحيل تجذير الوعي التاريخي بالممارسة الأساسية، ذلك أن هناك مجموعة من الثوابت والمقولات النظرية التي تحكم وعينا، وتتبلور في ممارساتنا اليومية. تجعل من غير الممكن بالنسبة للذات العربية الإيمان بالمتغير. ولعل أهم خاصية معرفية آمن بها المنهج التاريخي، هذا الإحساس بأن الواقع لا يظل علي حاله، وبأن معطياته نسبية تتبدل من فترة إلي فترة، ومن عصر إلي عصر. وبأن هناك جدلية بين التاريخ الخاص (تاريخ المبدع)، والتاريخ العام (التاريخ الكوني). فماهية الأدب لا تحدد نفسها بشكل أحادي، وإنما تبقي مفتوحة علي كل الإمكانيات والاحتمالات. أما بالنسبة لواقع الأدب العربي فإن الذهنية العربية، لا تستسيغ هذا الموقف التحولي ليس فقط بالنسبة لممارسة فكرية كالأدب، ولكن كذلك بالنسبة لكل مكونات العالم. ولعل ذلك يرجع كما قلت إلي التراثوية التي تحكم الفكر العربي، وتجعل من الآن الماضي اللحظة المطلقة، وأقصي ممكنات انفتاحات لحظة الواقع، بكل تجلياته الفكرية والعلمية. لهذا كان الفكر التاريخي، بالنسبة للممارسة العربية، غريبا بل مرفوضا، وفهم التاريخ باعتباره التجلي الواقعي، الذي لا يتجاوز حدود الممكن المنجز في لحظة ماضية. لقد كان من المستحيل، علي طه حسين أو مندور انطلاقا من كل ذلك، إقناع المتلقي العربي، بأن الأدب لا يكتمل في لحظة تاريخية معينة، وأن الأديب تحكمه معطيات واقعية اجتماعية، سياسية وثقافية نسبية، ولهذا فإن إنتاجه الفكري ليس مقدسا؛ ولا ثابتا؛ ولا مطلقا، وإنما متغيراً يحكمه منطق التاريخ.

ب ـ ان نظرية المنهج التاريخي ككل نظرية، تحتاج إلي مناخ معرفي معين، وتربة فكرية. كما تتطلب تجليات معرفية أخري في الحقول المجاورة، لتشكل الرافد المعرفي للنظرية، أو بلغة مؤرخي العلم، أن كل نظرية سواء تشكلت في مجال العلوم الإنسانية أو العلوم الدقيقة تحتاج إلي أسس إبستمولوجية، تشكل المسوغ المنهجي، لكل حديث عن تقاطع مفاهيم المعرفة الإنسانية في لحظة تاريخية معينة، إذا كنا نؤمن بأن المعرفة الإنسانية عبارة عن مجموعة من الأنظمة المعرفية. بالتأكيد، الحمولة المعرفية للقرن التاسع عشر، هي التي أعطت الإطار النظري والمنهجي للمشروعية المعرفية، لكل حديث عن نزعة تطورية في الأدب، وكذا إمكانية الحديث عن مشروعية تأسيس نقد علمي. فالنظرية لا يتشكل أفقها الفكري، وتتأسس ملامحها المنهجية، إلا بعد أن تكون قد تبلورت استراتيجيتها العامة، في مجموعة حقول معرفية، وبالنسبة للمشهد الثقافي في العالم العربي نجد أن هذه المسألة لم تتأتَ، قصد التسويغ المنهجي، لكل حديث عن المنهج التاريخي، ذلك أن النظرية فرضت نفسها دون أن يفرضها السياق التاريخي، من هنا غرائبيتها، بالنسبة للمرجعيات النظرية. وحتي نوضح المسألة أكثر. نقول: 1 ـ إننا في العالم العربي لم نعرف ثورة علمية، تمكن من خلق أفق نظري بالنسبة لكل الممارسات الفكرية. في الغرب، ومن خلال النجاحات الباهرة التي جاءت بها العلوم الدقيقة وكذا علوم الحياة، جعلت الذوات الغربية لا تستسيغ أي نموذج غير نموذج هذه العلوم، وتطبيقه علي الأدب. فالممارسة العلمية والواقعية أكدت ذلك، وبالتالي أصبح من الممكن ومن المنطقي بل من الجائز الحديث عن إمكانية التداخل المنهجي بين نموذجي العلمين: العلوم النظرية، والعلوم الإنسانية. أما بالنسبة للعالم العربي، فإن المنهج لم يتم هضمه جيدا. إنه لم يمارس فعلا ولكنه أسقط من فوق. سيتحدث البعض عن لا تاريخية هذا التصور، لأنه يستحضر نموذجا بعينه ممكن التطبيق، ويلغي الاختلافات. كما يؤمن بحتمية المرور من نفس المراحل والخطوات ذاتها، التي مرت منها النظرية في الغرب، وهذه مسألة غير ممكنة علميا، لأنها تتدخل فيها مجموعة من الاعتبارات التاريخية والاجتماعية. وكذا الفكرية، ثم خصوصية الأمم والحضارات، وبالتالي لا يمكن أن نحاسب حدود المنهج التاريخي انطلاقا من معطيات الواقع الأوروبي. أقول، بأن المسألة لا تقوم علي ثنائية النموذج والنسخة، بقدر ما تبقي وفية لمعطيات الواقع العربي بكل بنياته الفكرية، الاجتماعية، والاقتصادية. ذلك أن هذا الواقع ـ مع الأخذ بعين الاعتبار بداية اختمار المنهج التاريخي، ومع ظهور كتاب في الأدب الجاهلي، لمؤلفه طه حسين، في العشرينات من هذا القرن ـ تحكمه بنية ماضوية تجعل من الاستحالة تقبل الفهم التطوري الجدلي، للأشياء، فنحن نعرف بنية العالم في المنظور السلفي. لهذا سيصطدم طه حسين، بصعوبة اقتناع المتلقي بتصوراته المنهجية، رغم أن ما قاله طه حسين، وحتي ارتباطا بفترته التاريخية، ومن خلال الزخم السياسي الذي كانت تعيشه مصر في تلك الفترة، مع بداية تشكل ملامح الوعي النهضوي، لم يكن بالشيء الكثير قياسا للفعل الكوني، ولا يستحق كل ذلك الإجحاف، التي عومل بها كتابه في الأدب الجاهلي، باعتباره بيانا نظريا للمنهج التاريخي، لأن تجربة الشك ربما عاشتها الحضارة الأوروبية منذ القرن 17 ولربما كنا نحتاج إلي جروح ملتهبة تخترق نرجسية الذات العربية، حتي نتمكن بدورنا من اختراق التاريخ. 2 ـ كنا في حاجة معرفية، إلي نظرية في جرأة نظرية داروين، حتي نؤمن بأن الإنسان مثله مثل باقي مكونات العالم، ليس حقيقة فوق منطق التاريخ، أو خارج إرادة العالم، وإنما يسري عليه قانون البقاء والفناء. يحكمه قانون العدم، حتي نؤمن مثلا بأن الشاعر الجاهلي ليس مطلق الشعراء، وبأن الشعر الجاهلي ليس يقينا سرمديا لمفهوم الشعر، وإنما المسائل تؤسس ذاتها في مفاهيم جديدة، وتتكون، باختلاف السياق الاجتماعي.

غياب نظرية في التاريخ 3 ـ افتقر الفكر العربي إلي نظرية في التاريخ، تتجاوز التصورات الميتافيزيقية، فلا زال مجري التاريخ في النسيج الثقافي العربي، ينظر إليه نظرة مثالية، يحكمها مبدأ، أن التاريخ من صنع قوي خفية، تؤسس حوادثه في غني عن البشر. لقد ظل التاريخ يفهم عندنا بالشكل الذي تأسس به في العصور الوسطي في الحضارة الغربية، ذلك أن صيرورة التاريخ هي انحدار من المقدس إلي المدنس، فالحقيقة التاريخية اكتملت في لحظة الأصل. بمعني آخر، نحن في حاجة إلي نظرية وضعية للتاريخ، لكي نفهم كلام المتحدث بالمنهج التاريخي. هذا الفهم الجديد للتاريخ، سيجعل من الحقيقة الأدبية، حقيقة واقعية، تخضع لمعطيات سياقية، تجعل منها حقيقة نسبية وغير مكتملة. أما إيمان الفكر العربي الحتمي بالمقدس والمطلق الأدبيين، فإن ذلك جعل من القراءة التاريخية، قراءة غير مفهومة، وغير مؤثرة، لهذا نظر إلي المشروع باعتباره استغرابا، وتحول طه حسين إلي مستشرق. ج ـ المسألة الأخري التي عرقلت حتمية المشروع التاريخي، هي فراغ المتن الإبداعي العربي، لذا لم يجد النقاد الإطارات الفكرية لكي يمارسوا تمارينهم المنهجية وافتقروا لإبداعات روائية، أو مشروعات أدبية تكون مجالا للتطبيق المفهومي لكل تصورات أصحاب المنهج التاريخي، كما كان الشأن في الغرب. لقد وجد تينو لانسون و سانت بوف كل من شاتوبريان، وفولتير، و كورني، وزولا… لهذا اتجه أصحاب المنهج التاريخي العرب، إلي ما يشكل الثابت النظري لكل ممارسة ثقافية للذات العربية، أي الأدب الجاهلي، والنقد القديم. وهي بطبيعة الحال إطارات مفاهيمية قد لا تتحمل كثيرا التخريجات النظرية لأصحاب المنهج التاريخي. د ـ هناك إشارة أخري، وتتعلق بالزمان الثقافي للنظرية، داخل المشهد الثقافي العربي، وهي لا ترتبط طبعا فقط بنظرية المنهج التاريخي. وإنما بكل النظريات التي سافرت إلي العالم العربي، نقصد تلك السرعة الغريبة التي تتشكل بها النظريات. في ظرف نصف قرن قطعنا في العالم العربي، ما عرفته أوروبا طيلة قرون، لهذا نجد أن نظرية المنهج التاريخي، ما إن بدأت في تشكيل ملامحها الأولي، حتي انزاحت لتترك المجال لتشكلات فكرية أخري، وأعتقد أنه لولا الجسارة الفكرية لرائدها الأول طه حسين، وجرأته، في طرحه للنقاش إشكالات ما زال الفكر العربي إلي اليوم، يعتبرها من الطابو الفكري، لاختفت نظرية المنهج التاريخي إلي الأبد. ولعل هذا التداخل الغريب لزمانية المناهج، وكذا تلاشي نظرية المنهج التاريخي في العالم العربي، دون أن تترك تأثيرا كبيرا، بل مجرد نظرية تجوب ساحة الجامعات لا أقل ولا أكثر، وبالتأكيد أيضا، غياب هذا الزمان الثقافي، يعود بالإضافة إلي كل العوامل التي تحدثت عنها سابقا إلي مسألتين: المسألة الأولي: أن النظرية في العالم العربي، لا تكون إفرازا طبيعيا للسياق الاجتماعي، نظرا لأن الأفق الفكري حتم ظهورها، بل غالبا ما تفرض النظرية حضورها المعرفي من فوق. ولعل ما يفسر هذا اللاسياق النظري، هو غياب مشروع ثقافي عربي، يحكم منطق التجاذب والتجادل المعرفي السابق يؤدي إلي اللاحق، وبالتالي لن تكون النظرية إلا استجابة لمشروع حضاري، تماما كما كانت المسألة في الغرب. المسألة الثانية: وهي قضية أنطولوجية تتعلق بالعلاقة غير العادلة بين الأنا والآخر، بين الأنا/ العربي، والآخر/ الغربي، وهي علاقة يقومها منطق القوي والضعيف، فالآخر هو الذي يحدد أفقنا النظري، وكذا المسوغ المنهجي لكل تشكل نظري.

تلك إذن بعض الأسباب التي أدت إلي عدم تغلغل مشروع المنهج التاريخي في قلب الذات العربية، من أجل خلخلة وتفكيك المقـــولات الميتافيزية التي تحجب الوعي الصحيح عن هذه الذات. فما هي إذن أهم ملامح تشكل المنهج التاريخي عند رواده العرب؟

ـ تجربة محمد مندور:

ولد محمد مندور عام 1907، وتوفي سنة 1956، بعد أن ترك بصمات نظرية واضحة علي النقد العربي، فهو من الرموز الأولي، التي ساهمت في التأسيس المفهومي لهذا النقد. وقد تلقي مندور تكوينه الأدبي الأول في الجامعة المصرية، إذ التحق بها سنة 1925، ومن الصدف الغريبة أن طه حسين، كان الموجه الأساسي لمحمد مندور، لدراسة الأدب، بعد أن كان هذا الأخير مقبلا علي دراسة الحقوق: (والذي لا شك فيه ـ كما يؤكد غالي شكري ـ أن الدكتور طه حسين هو أول من صاغ التحول الحقيقي في نظرة مندور للأدب والنقد عندما لفته إلي أهمية المناهج الغربية في دراسة الأدب وتذوقه، وبخاصة المنهج الفرنسي… ولعله سمع عن سانت بوف و تين و برونتير لأول مرة في محاضرات طه حسين. ويمكن أن نعد المدة التي قضاها مندور في الجامعة المصرية 1925 ـ 1929 بمثابة المقدمة التمهيدية الأولي في حياته). يعد لقاؤه إذن مع طه حسين، العامل الأول في تكوينه الفكري. أما إقامته الطويلة بفرنسا (1939 ـ 1930)، حيث اطلع عن قرب علي الحضارة الأوروبية، وتشبع بأسسها العقلانية المتينة، فقد شكلت العامل الثاني في تأسيس رافده المعرفي: ( ولعل أهم ما درسه مندور في فرنسا فقه اللغة وعلم الأصوات La phonژtique. فاطلع علي كتابات عالم الأصوات الفرنسي الشهير أنطوان مييه Antoine Meillet ودرس نظريات الألسني الكبير فرديناند دي سوسور، فافتتن مندور بالصوتيات وأجري بحوثا مفيدة علي الشعر العربي في معمل الصوتيات بباريس حيث حلل ثلاثة أبحر هي الطويل والبسيط والوافر. كذلك تأثر مندور بمنهج الدراسة الأدبية في السوربون، وهو منهج يقوم علي شرح النصوص). أما العامل الثالث في تكوين مندور النظري والمنهجي، فيرجع إلي تشبعه بآراء وتصورات الناقد جوستاف لانسون: (وقد اطلع علي آرائه عن طريق أتباعه الذين كونوا ما يسمي بالمدرسة اللانسونية le lansonisme. ولا شك أنه تعرف علي كتاباته النقدية والأدبية من خلال دروسه بالسوربون. في ظل كل هذا، كان محمد مندور داعية للعدالة الاجتماعية والحرية الفكرية. وقد عاش مجموعة من التقلبات السياسية والثقافية لبلاده متأثرا خاصة بثورة الضباط الأحرار.

فما هي إذن أهم المحددات النظرية، للممارسة النقدية عند محمد مندور؟ بعد أن حددنا، أهم المكونات النظرية، والأصول المعرفية، التي استقي منها مندور مرجعياته الفكرية والتي تمثلت في:

التقائه بالأستاذ طه حسين، وإقامته بفرنسا، وقد عاين عن قرب المشروع العقلاني الغربي، واطلاعه علي آراء غوستاف لانسون، ثم لحظة فكرية أخري من حياته وبالضبط عام 1956، سيتعرف محمد مندور علي التوجه الواقعي الاشتراكي، مما أثر في توجهه الفكري العام، حيث سيهتم بإدخال البعد الاجتماعي لتفسير الظواهر الأدبية.

يحدد مندور في مقدمة كتاب النقد المنهجي عند العرب، تصوره للعملية النقدية، وكذا مبررات الأخذ بالمنهج التاريخي، بقوله: أساس كل نقد هو الذوق الشخصي تدعمه ملكة تحصل في النفس بطول ممارسة الآثار الأدبية، والنقد ليس علما ولا يمكن أن يكون علما وإن وجب أن نأخذ فيه بروح العلم. بل لو فرضنا جدلا إمكان وضع علم له لوجب أن يقوم ذلك العلم بذاته، ومن المعروف أن العلوم المختلفة لا تنمو وتثمر إلا بفضل استقلال مناهجها ومبادئها التي تستقي من موضوع دراستها (…) وإذن فمن الخطأ أن ننظر إلي النقد في جملته، ونصرف النظر عن مراحله التاريخية، ونري فيه علما كامل التكوين نحاول أن نميز بينه وبين علوم اللغة الأخري بعد أن تحجرت تلك العلوم، لأن في ذلك ما يخلق مشاكل باطلة. كما أنه لن يؤدي إلي نتائج يعتد بها في فهم حقائق الأشياء فهما تاريخيا، بل ولا فهما تقريريا، ومن الثابت أننا لا نستطيع فهم شيء فهما صحيحا بالنظر فيه عند آخر مراحله. ومعني هذا هو أننا نفضل الأخذ بالمنهج التاريخي حتي عندما نحاول أن نضع للنقد حده. جاء تحديده إذن لمفهوم النقد، ولطبيعة المنهج الذي يريد محمد مندور الاشتغال عليه في مقدمة كتابه الهام النقد المنهجي عند العرب، الذي يشكل أحد المرجعيات الأساسية في قراءة التراث النقدي العربي. والكتاب في الأصل أطروحة دكتوراه، أعدها محمد مندور، تحت إشراف أحمد أمين، بعد عودته من فرنسا. محاولا إيجاد مجال نظري لتطبيق اشتغالاته المنهجية والنقدية، وخرج بخلاصة مفادها أن النقد العربي، لم يتشكل كممارسة منهجية خاضعة لأسس نظرية ومفاهيمية إلا في القرن الرابع الهجري، مع الآمدي مؤلف الموازنة، ثم مع الناقد القاضي الجرجاني، صاحب كتاب الوساطة: (فالآمدي علي حسب مندور ـ أكبر ناقد عرفه الأدب العربي، ومنهجه منهج علمي سليم. أما وسائل نقده ـ ما دام لكل منهج روح ووسائل ـ فهي المعرفة والذوق وهو في الكثير من نقده يقوم علي معان إنسانية، وذوق دقيق، وإدراك لنزعات النفوس. وأما القاضي أبو الحسن الجرجاني ( 1290 ـ 1366) فهو ناقد إنساني ترجع مقاييس الجودة عنده إلي الخلو من الابتذال، والبعد عن الصنعة والإغراب، ثم التأثير في نفس السامع وهزها بخلفياته اللانسونية انطوي كتاب النقد المنهجي عند العرب، علي قراءة جديدة للنقد العربي. خلفيات، تتجلي في التحديدات المفاهيمية للممارسة النقدية، التي لم تختلف كثيرا عما وضعه غوستاف لانسون، فبالإضافة إلي تأكيده علي ثلاث حقائق ضرورية للممارسة النقدية وهي: ضرورة تبني المنهج التاريخي كمنهج يتابع ويساير تطور المعطيات، ثم أن النقد يتأسس علي الممارسة الذوقية بالدرجة الأولي، بالإضافة إلي استعانة النقد بالعلوم الأخري، لأن في حدود فهم الخصوصية المنهجية والنظرية لكل حقل معرفي، وهذا يذكرنا بمؤاخذة لانسون، عن الموقف الدوغماطيقي الذي تبناه كل من تين، و برونتيير، قلت بالإضافة إلي التحديدات السابقة، يضيف محمد مندور، تعريفات أخري لحدود المفهوم، ثم طبيعة المنهج، تؤكد تقاطعه الكبير مع المدرسة الفرنسية، وبالضبط تصورات لانسون، والتي عبر عنها هذا الأخير، بشكل نظري صرف في مقالته منهج البحث في تاريخ الآداب، وهي المقالة التي سيترجمها محمد مندور مباشرة بعد عودته من فرنسا سنة 1939، بالإضافة إلي مقالة العالم (مييه)، بعنوان علم اللسان وقد ألحق مندور المقالتين بكتابه النقد المنهجي عند العرب. يؤكد مندور بأن: (النقد هو فن دراسة النصوص الأدبية، والتمييز بين الأساليب المختلفة وهو لا يمكن أن يكون إلا موضعيا، فهو إزاء كل لفظة يضع الإشكال ويحله. النقد وضع مستمر للمشاكل، والصعوبة هي في رؤية هذه المشاكل، وهي متي وعت وضع حلها لساعته). نفس التصور، الذي كان سائدا في السوربون، حيث يقوم منهجه علي شرح النصوص، ومعرفة أسلوب كل نص، من خلال تحليل صياغة خصائصه الفنية والجمالية، ثم مقارنة أسلوب هذا الكاتب بذاك، واستخلاص وجهة نظره في الحياة: (تقوم هذه الدراسة علي وضع المشاكل وطرحها طرحا مستمرا ومتجددا، نابعا مما تزخر به الألفاظ من طاقة فنية، وتتلخص العملية النقدية في التنبه للمشاكل التفصيلية التي تثيرها اللفظة أو الجملة أو الفقرة في نص أدبي، إذ لكل جملة أو بيت مشكلته التي يجب أن نعرف كيف نراها ونضعها ونحكم فيها. وهذا ما يدفع الناقد في رأي مندور إلي أن يحبس نفسه في النص لا يفلت منه، لأنه منطلق كل عملية نقدية، وهذا هو النقد الموضعي)، وهو نقد يتوخي الدقة والتركيز يحاول الوقوف عند الجملة الواحدة، وكذا اللفظة، والتنبه للمشكلات التي تثيرها. إنه البقاء في حدود الإطار النصي، ومحاولة الوقوف علي تجلياته الفنية والجمالية: لهذا سيرفض محمد مندور إقحام علوم خارجية علي النص الأدبي، كعلم النفس وعلم الاجتماع، وكذا علم الجمال، مهاجما التصور النقدي لمحمد خلف الله، صاحب كتاب من الوجهة النفسية في دراسة الأدب ونقده، أحد مبشري الاتجاه النفسي في النقد العربي، وقد دار بينهما جدال نظري فيما يخص تقاطع الأدب بالعلوم، وخاصة علم النفس: (فالأستاذ خلف الله يعتقد أن علاقة الأدب بالمعرفة وطيدة عبر التاريخ، وإذا كان الأدب قد اتصل بالفلسفة قديما فهو متصل في عصرنا الحاضر بالعلم؛ فتيارات العلم تحتك بالأدب، وأهمها دراسات النفس، أو السلوك الإنساني في أوسع معانيه فهذه وثيقة الصلة بالأدب. ولا غرو في ذلك؛ أليس الأدب من أروع ما تنتج نفس الإنسان؟ أليس وليد الشخصية الإنســـانية؟ أليس المعبر عما تنطوي عليه النفس من شعور وإحساس؟). فالأستاذ خلف الله مقتنع بضرورة تطبيق نتائج علم النفس علي الظاهرة الأدبية، وهو ما سيرفضه محمد مندور، بناء علي المرجعية اللانسوية، التي كانت تعتقد، بأن ما يجب أن نستعيره من العلم ليس معادلاته، ولا اصطلاحاته، ولا قوانينه، وإنما روحه. وإن ظل مفهوم الروح العلمية سواء عند لانسون أو عند مندور، مبهما وغير واضح، لأن روح العلم، لا تختلف عن مكوناته المفهومية والمنهجية، وانطلاقا من ذلك، سيرفض محمد مندور المنهجية النفسية بل وكل المنهجيات الأخري، التي تستند علي علوم خارجية لمقاربة الظاهرة الأدبية. هكذا في رده علي الناقد خلف الله، يعتقد مندور بأن: (الإنتاج الأدبي لا يفسره علم النفس؛ فهذا العلم لا يسعي إلا إلي إدراك القوانين النفسية العامة، التي قد تفسر حياة الأفراد العاديين إذا صح أن هؤلاء، يتشابهون. وخالقو الأدب لا يخضعون للتحليل النفسي، ولا ينجح علم النفس في دراسة شخصياتهم: لأن نفوسهم نفوس أصيلة، بكل نفس منها حقائق، فكيف نريد أن نطبق عليهم قوانين علم النفس العامة؟ ولأن النفوس ـ في رأي مندور ـ وحدات غير متشابهة في خصائصها المميزة، أو بلغة أخري فعلم النفس يسعي إلي تعميم قوانينه وتقنيناته المنهجية، علي كل الذوات، مع العلم بأن هناك اختلافات أنطولوجية بين هذه الذوات، ومندور بهذا التصور وضع يده علي مجموعة من الحقائق المتقدمة جدا: أن مفهوم الشخصية كما تشكل عند علماء الاجتماع، يخترق أي محاولة لتعميم حقائق نفسية نظرية مجردة لا توجد إلا في ذهن الناقد، وإسقاطها علي ذوات متعددة. كل شخصية لها طابعها الوجودي، الذي يعطيها تفردها. كذلك أن مفهوم التحليل النفسي تحكمه خلفية ميتافيزيقية، لأنه يتأسس علي مقولات التعميم، والاختزال، وكذا الحصر. وبالتالي فالناقد، لا يؤمن بالاختلافات، بل يؤسس عمله علي مفاهيم الأصل، والوحدة، والتماثل.

إن محمد مندور كما قلنا سابقا، لم يقتصر علي مهاجمة وجهة نظر خلف الله، وإنما تجاوز ذلك إلي نقد كل مشروع نقدي ينطلق من مبدأ إسقاط العلم علي الأدب، نظرا لاختلاف طبيعة الحقلين، وخصوصية كل، واحد منهما. فالاستعانة: ( بالعلوم محنة ستنزل بالأدب، لأن معناه الانصراف عن الأدب وفهم الأدب، والفرار إلي نظريات عامة لا فائدة منها لأحد. وموضع الداء في النقد الأدبي بحسب مندور ـ أن بعض النقاد لا يخضعون أنفسهم للنص الأدبي، وإنما يحمل كل منهم فكرة مسبقة في مسألة من المسائل التي يثيرها، في حين أن النضج الأدبي المنشود هو أن يخضع الناقد للفن، وينتزع منه مدلوله، بدلا من أن يملي عليه رأيا. وانطلاقا من هذا المبدأ يدعو مندور إلي استقلال الأدب، وإلي أن يحبس الناقد نفسه في الأدب. لهذا حث مندور، النقاد علي البقاء في حدود المعطيات الداخلية للنص، والبحث عن تجلياته الأدبية. فالنص لا يكتسب شرعيته إلا من إطاره الداخلي، وحضوره في ذاته. سيبحث مندور، عن أصول منهجيته، يستقي منها مفهومه للدراسة الداخلية للنص. وقد وجده في المنهج اللغوي: وإذ يستمد هذا المنهج أسسه ومقوماته من اللغة فإن المعرفة التي ينبغي أن تتوافر للناقد ليست معرفة نظرية بل معرفة لغوية وفنية، تكتسب بالدربة، وبدراسة علوم اللغة، لا بدراسة المنطق والسيكولوجيا والجمال وما إليها. استقي مندور هذا المنهج من التراث النقدي العربي القديم، ومن اطلاعه علي لانسون، والتصورات اللسانية لفرديناند دي سوسير وكذا كتابات عالم الأصوات الفرنسي أنطوان مييه Antoine meillet. بالنسبة لتأثيرات النقد القديم، أكد مندور، بأن هذا النقد كانت تتوفر له معرفة لغوية واسعة، بل ان ناقدا مثل عبد القاهر الجرجاني ـ والذي أعجب مندور به كثيرا ـ في تصوراته النقدية، استند إلي نظرية في اللغة، تساير التصورات اللسانية الحديثة، ونقصد بذلك نظريته في النظم، التي تمثلت في أن اللغة عبارة عن مجموعة من العلاقات، وهو نفس التصور، الذي أكده دي سوسور: ( يري مندور أن منطلق الجرجاني ونقطة الارتكاز في منهجه هي أنه يفرز ما يقرره علماء اللغة اليوم من أن اللغة ليست مجموعة من الألفاظ بل مجموعة من العلاقات. وعلي هذا الأساس بني الجرجاني كل تفكيره اللغوي وقد استضاء مندور في دراسة الجرجاني، أو بعثه بعثا جديدا بالمناهج الألسنية المعاصرة، فربط بينه وبين مدرسة دي سوسورو مييه، وقد توقف مندور طويلا عند نظرية النظم عند الجرجاني، وأولاها أهمية كبيرة، إذ العبرة عند الجرجاني ليست باللفظ في ذاته، وإنما هي بالنظم). وجد مندور في الجرجاني إذن ـ الذي يتقاطع في تصوره اللغوي للنص، مع ما وصل إليه الفكر اللغوي الغربي، وكذا الممارسة النقدية ـ المبدأ المنهجي، الذي كان يتبناه، ألا وهو البقاء في حدود ما يبوح به النص، والوقوف علي خصائص النص الجمالية، وعدم تجاوزه إلي إطارات أخري. فالجرجاني في تصوره لتفاعل المكونات اللغوية للنص الأدبي، من خلال نظرية النظم بمضمونها الذي يؤكد علي أن الكلام يبني بعضه علي بعضه، سيشكل الثابت المرجعي، للناقد محمد مندور، في مرحلته الجمالية، الذوقية، من مشروعه النقدي، إذا اقتنعنا بتأطير محمد مندور، ضمن لحظتين نقديتين أساسيتين: هناك لحظة النزعة الجمالية الإنسانية، ثم المرحلة الإيديولوجية، حينما أخذ محمد مندور يدعو إلي تبني النهج الواقعي الاشتراكي. يمكن أن نختزل أهم تصورات محمد مندور، ونزوعها الجمالي الذوقي في مرحلته النقدية الأولي، كما عبر عنها في كتابه الميزان الجديد في ـ النقد هو الدراسة الموضعية للنص الأدبي. وبذلك يصبح الأداة الوحيدة لتمييز الأساليب المختلفة، يضع الإشكال لـــــكل لفظة، ومتي اتضحت معالم المشكلة التي تثيرها حلت علي الفور، لأن الصعوبة الحقيقية كامنة، فــــي القدرة علي رؤية المشاكل، لهذا كان النقد الأدبي بمثابة وضع مستمر للمشاكل.2 ـ وضع المشاكل إذن لا يدخل في اختصاصات علم الجمال أو علم النفس ولا أي علم آخر، وإنما هو الذوق الأدبي كملكة غير ضبابية أو غيبية أو مبهمة. وإنما حصيلة التأثيرات الواعية واللاواعية، أو هي رواسب العقل الخفي التي يمكن صقلها بالمران المستمر.3 ـ لقد استفاد مندور من أستاذه لانسون، فهو علي رأس الدعاة، إلي الأخذ بالنقد التأثري شرط اصطناع الحذر حتي يصبح الإحساس وسيلة مشروعة للمعرفة. تلك إذن أهم الملامح المفاهيمية للممارسة النقدية عند محمد مندور، والتي أسست أبعادها النظرية المنهجية في المرحلة الأولي من مسيرته النقدية. التي تحددت تاريخيا مباشرة بعد عودته من فرنسا، حيث جاء عمله في الميزان الجديد، ليضع للممارسة النقدية العربية أسسها النظرية والمنهجية، وذلك انطلاقا من الأصول النقدية التي تشبع بها أثناء دراسته في فرنسا.

أما اللحظة الثانية في الممارسة النقدية عند محمد مندور، فيمكن أن نسميها باللحظة الواقعية الاشتراكية، حينما تعرف علي النهج الاشتراكي سنة 1956، مما أثر علي كتاباته النقدية في الشعر، والمسرح، والرواية، ومبينا علي المستوي المنهجي خلال هذه الفترة، البعد الاجتماعي والواقعي. وبالتالي ربط العمل بلحظته التاريخية وبالمعطيات الاجتماعية والسياسية، ويتجلي كل ذلك في قراءته التطبيقية للشعر، والمسرح وكذا القصة، ثم الرواية. فمع ثورة الضباط الأحرار لسنة 1952، سيرفع محمد مندور شعار ومبدأ الأدب نقد الحياة داعيا إلي الالتزام في الأدب، والاهتمام بالفن القصصي، كما دعا إلي القصة الواقعية، الملتزمة بأداء وظيفتها الاجتماعية، وهكذا حدد مندور المنهج الإيديولوجي، انطلاقا من فهمه النظري للأدب الواقعي، في ثلاث مهام أساسية: 1 ـ تفسير الأعمال الأدبية والفنية، وتحليلها مساعدة لعامة القراء علي فهمها وإدراك مراميها القريبة والبعيدة، وفي هذه الوظيفة يعتبر النقد عملية خلاقة قد تضيف إلي العمل الأدبي، أو الفني قيما جديدة. 2 ـ تقييم العمل الأدبي، والفني، في مستوياته المختلفة، أي في مضمونه وشكله الفني، ووسائل العلاج كاللغة في الأدب، والتكوين والتلوين وتوزيع الضوء والضلال في التصوير.3 ـ توجيه الأدباء والفنانين في غير تعسف ولا إملال، ولكن في حدود التبصر بقيم العصر وحاجات البشر ومطالبهم وما ينتظرونه من الأدباء والفنانيـن) تلك إذن باختصار شديد أهم التجليات النقدية، عند محمد مندور أحد رواد المنهج التاريخي في النقد العربي، وأحد الذين دعوا إلي تأطير الممارسة النقدية العربية في بناءات مفاهيمية، مستلهما في ذلك النموذج الحضاري الغربي وخاصة المدرسة الفرنسية، التي استقي منها أصوله النظرية والمنهجية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية