تاريخ يُنقل من جيل إلى جيل و«أما عن ست»… مع جودي القلا: مطبخ فلسطين هوية وانتماء وتراث – فيديو

حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: جودي القلا، فلسطينية ولدت في سوريا، ترعرعت في قطر، وعاشت في المملكة المتحدة. تنحدر عائلتها الفلسطينية من صفد واللد ويافا، وكان ذلك جزءا لا يتجزأ من نشأتها وتكوينها، وعلاقتها بالهوية كما تؤكد لـ«القدس العربي».
تقول «كانت عائلتي تحرص دائما على الحديث عن فلسطين، وكيف انتهى بهم المطاف كلاجئين في سوريا، ثم في قطر، ومن ثم إلى المملكة المتحدة… فضلا عن بقية أفراد عائلتي الممتدة في لبنان، والأردن، ومصر، وأمريكا. النكبة هي النقطة المركزية في كل ما حدث لنا في عام 1948. فجدي وجدتي، مثلهم مثل 750 ألف فلسطيني آخر، من فلسطين هُجّروا قسرا، ورحلّوا بوعد العودة بعد أسبوعين… ومضى الآن 76 عاما، من وجود دولة إسرائيل، التي لا تسمح للـ750 ألف فلسطيني، الذين أصبحوا ما يقرب من 8 ملايين، بالعودة».

‮«‬عندما‭ ‬توصّف‭ ‬الطعام‭ ‬الفلسطيني‭ ‬بأنه‭ ‬شرق‭ ‬أوسطي‭ ‬فحسب‭ ‬فإنك‭ ‬تسلبه‭ ‬آلاف‭ ‬السنين‭ ‬من‭ ‬التاريخ‮»‬

المطبخ محدد للهوية

تقول جودي، التي ألّفت كتبا عن المطبخ الفلسطيني (فلسطين على طبق) و»بلدي»، إن المأكولات الفلسطينية لعبت دورا كبيرا في حياتنا وفي هويتنا «ليس فقط كعرب، بل كفلسطينيين بشكل خاص»، و»على الرغم من أن أطباقنا مشابهة لتلك الموجودة في المنطقة من لبنان، وسوريا، والأردن، ومصر، إلا أن لمطبخنا هويات فريدة خاصة به».
«كنت دائما مع أمي. كانت خالاتي وعماتي في بيتنا في لندن على الدوام. فلأمي تسع أخوات، ولأبي سبع. لذا كن يأتين إلى هنا كنقطة تجمع للعائلة، وكنت أشاهدهن وهن يطهين ويصنعن الأطعمة، مثل الفطاير واليافاوية والمسخن والقزحة، والكثير من الأطباق الأخرى، التي كان يبدو أنها قد نسيت، ولكنهن ظللن متمسكات بها، مثل «البصارة» أيضا… ربما لم يذع صيت هذه الأطباق، ولكنها لذيذة جدا».
أنهت جودي دراستها الجامعية والماجستير، وأصبحت طاهية.
«على الرغم من تدريبي في المطبخ الفرنسي والبريطاني والآسيوي المنوّع والياباني والإيطالي، كنت دائما أعرف أنني أريد العودة إلى جذوري لأن هذا هو ما يمثل هويتي. شعرت بأن طهي أطباقي الخاصة كان أكثر طبيعية من طهي مأكولات المطابخ الأخرى».

«ثقافة الطهي الشعبية»

«أعتقد أن ثقافة طهينا هي ثقافة المجتمع، الطهي المجتمعي. هذا هو السبب في أن الكثير من الأطباق تتطلب وقتا طويلا لتحضيرها، وهو ما اكتشفه الناس، بمجرد شرائهم العديد من كتب الطبخ من الشرق الأوسط. أردت تغيير ذلك لجعله أسرع قليلا للناس، لتقليد الأطباق الكلاسيكية مع الحفاظ على نزاهتها».
في «فلسطين نحن مجتمع مجزأ جدا، في هذا الزمن من حياتنا، يعيش المرء وحده، مشغولا، ولديه الكثير من الأمور ليفعلها. أردت لهم أن يحفظوا الشعور المنزلي عندما يحضرون طبقا، ويتذكرون أمهم، أو جدتهم، أو أختهم أو عمهم أو أباهم، أيا كان».
«إنه تاريخ. يُنقل من جيل إلى جيل. ونسمع الكثير من الصهاينة يتحدثون عن ذلك. (يقولون) لم يكن هناك شيء اسمه فلسطين. (يقولون) الفلسطينيون لم يكونوا موجودين. لكن كيف لم نكن موجودين ونحن رعينا تلك الأرض لآلاف السنين، وخلقنا هذه الوصفات والأطباق التي نُقلت من السلف إلى الخلف؟».

مطبخ فلسطيني

تعترض جودي على نسبة المطبخ الفلسطيني إلى مطبخ «الشرق الأوسط» بشكل عام، وتعترض كذلك على المصطلح.
«في العالم الغربي يسمى بطريقة خاطئة، يوصف أحيانا بأنه إسرائيلي، أو متوسطي. «الشرق الأوسط» كلمة لا أحب استخدامها لوصف طعامنا، فما هو الشرق الأوسط؟ يمكنك القول، أوه، إنه مثل الطعام الأوروبي، لكن لديك العديد من البلدان في أوروبا، مثل ألمانيا والنمسا، وفرنسا، وإسبانيا وإيطاليا. لكل منها طريقة مختلفة في الطهي. وعندما تعمم الطعام الفلسطيني بوصفه من الشرق الأوسط، فإنك تسلبه آلاف السنين من التاريخ».

من كل فلسطين

نسألها، ولكن المطبخ الفلسطيني نفسه، متنوع في الجغرافيا… مأكولات منطقة قد تختلف عن أخرى!
«نعم، تحدثت إلى الكثير من الناس، عندما كنت أؤلف الكتاب. بالطبع، عائلتي تنحدر من ثلاث مناطق في فلسطين. اللد ويافا قريبتان جدا إلى بعضهما، وقريبتان من غزة. لذا الطعام هناك حامض وغني بالتوابل والأعشاب، مع الكثير من الخضروات وزيت الزيتون والسمك. عائلتي من جهة الأب من صفد، وهي أقرب إلى الجبال قرب لبنان، وطعامهم غني أكثر بالحبوب ومنتوجات الأرض واللحوم، وأطباق اللبن. التقيت بالعديد من الفلسطينيين من جميع الأنحاء، وكلهم شرحوا لي أطباقهم الخاصة. على سبيل المثال، في الخليل، لديهم طبق «القدرة» الخاص جدا بهم. وتطهى المقلوبة في كل مكان، ولكن كل في كل منطقة تصنع بشكل مختلف. أحدهم أحضر لي بعض «المقلوبة» إلى نادي العشاء الخاص بي. كان من غزة، وكانت مختلفة تماما عن مقلوبتي، لكن ليست خاطئة».

المسخن… الطبق الوطني

«الجميع يعرف أن المسخن هو الطبق الوطني التقليدي لفلسطين. يعد لموسم حصاد الزيتون، للاحتفاء بزيت الزيتون. ثم يطهى البصل في الكثير من زيت الزيتون، ببطء، حتى يصبح حلوا. ويصنع مع السماق والدجاج، والخبز، والطابون الذي يعمل على الصخور، والصنوبر إذا كان متوفرا، وبعض البقدونس. إنه بسيط. أظن نسميه «طعام الفلاحين»، لكنه أكثر من ذلك. أصبح طبقا يمثل الفلسطينيين».

دوالي العنب

«ورق العنب أو ورق الدوالي. وعلى الرغم من أن لكل بلد نسخته الخاصة، لكن الفلسطينيين مشهورون به. لم أذهب أبدا إلى منزل فلسطيني، في أي احتفال أو عيد ميلاد أو رأس السنة، من دون أن يقدم. إنه عمل مليء بالحب، وأعتقد بأنه يظهر التزامنا بطعامنا الذي يطهى مرارا وتكرارا».

المقلوبة

«مرة أخرى، إذا سألت أي عائلة، سيكون لكل عائلة طريقة مختلفة لصنعها. تصنع عائلتي المقلوبة مع الباذنجان واللحم والأرز المتبل. وعائلة أخرى ستصنعها مع القرنبيط والدجاج، أو القرنبيط والباذنجان مع الدجاج. كل ذلك يعتمد على تقاليد العائلة. ومرة أخرى، لا يوجد أمر خطأ، بل يعتمد على إرث أجزاء مختلفة من فلسطين».

الكتاب الممنوع

لكن رحلة جودي القلا مع المطبخ الفلسطيني لم تكن سهلة، تعرضت لمضايقات الاحتلال وهي على بعد آلاف الكيلومترات من مسقط رأس والديها.
تروي جودي «تم حظر كتابي في إسرائيل، ثم تم حظري أنا أيضا. كانوا (الإسرائيليون) يتحدثون عن كتابي على الإنترنت، وفي العديد من الصحف الإلكترونية، ويقولون إن كتبي معادية للسامية لأنني لم أعترف بإسرائيل أو الإسرائيليين، وأنا لم أعترف بهم لأنهم لم يكونوا موجودين في زمن جدتي. وهذا هو الأساس. كتاباتي تعتمد على ما قبل النكبة، ما قبل الإرهاب، ما قبل الإبادة الجماعية، ما قبل الفصل العنصري. كان هناك يهود، لكن لم يكن هناك صهاينة ولا إسرائيليون. وكان يزعجهم قول هذا».

‮«‬المسخّن‮»‬‭ ‬الطبق‭ ‬الوطني‭ ‬لفلسطين‭… ‬يعد‭ ‬في‭ ‬موسم‭ ‬الحصاد‭ ‬احتفاء‭ ‬بزيت‭ ‬الزيتون‮»‬

في بريطانيا أيضا

لكن، ليس الإسرائيليون فقط، البريطانيون أيضا. «لم يرغب أحد في نشر كتابي، لأنهم شعروا بأن كلمة فلسطين كانت سياسية جدا، ساخنة جدا، إشكالية جدا! والآن، بعد ما حدث منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر، أوقف ناشري في المملكة المتحدة طباعة كتابي، «بلدي»، على الرغم من أنه يحقق مبيعات كبيرة، وناشري في الولايات المتحدة ينشره، وينشر كذلك «فلسطين على طبق». قرر الناشر قطع العلاقات معي من دون أن يخبرني. واكتشفت فقط بعد عدة أشهر أن كتابي لم يعد يطبع. لم يذكروا أي سبب لذلك. اختلقوا قصة مفادها أن الكتاب لا يسير على ما يرام. لكن عندما تحدثت إلى ناشري في أمريكا الشمالية الذي يشتري كتبه منهم، فوجئ بسماع ذلك لأنه قال لي إن كتبي تباع بجنون. الناس تحب الكتب».
وتتابع جودي: «إنهم لا يحبونني لأنني مسيسة جدا، ولأنني ناشطة، ولأنني أتحدث كثيرا عن فلسطين… لكن كيف، عندما يكون الأمر الوحيد الذي يمكنني فعله هو التحدث دائما عن فلسطين، لتذكير الناس بأن القصة لم تبدأ من 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وإنما منذ عام 1948 وقبل ذلك. (…) فقدان كتابي أمر مروع. لكن عندما أرى الصورة الأكبر لما يحدث في غزة وبقية فلسطين المحتلة، فهو حقا لا شيء. بالنسبة لشخص بريطاني، يعيش في المملكة المتحدة، أن يلغي ناشرك كتابك من دون إخبارك في أهم أوقات حياتك، أي عندما تحدث مذبحة وإبادة جماعية، فإن ذلك ضربة قوية جدا لي، لأنه هذا هو الوقت الذي نحتاج فيه للحديث عن فلسطين وتسليط الضوء على فلسطين، والوصول إلى فلسطين، وما يخرج من فلسطين».

لكل وصفة قصة

«كل وصفة لها قصة. كل وصفة لها اسم شخص عاش وقد يكون لا يزال على قيد الحياة. وأولئك الذين لم يعودوا على قيد الحياة، نحن صوتهم لنستمر في إيصال أصواتهم. على سبيل المثال، يوجد «متبّل» أمي. أمي، فاديا، إنها مشهورة جدا في عائلتنا كونها طاهية رائعة. وسميت الوصفة باسمها. ثم لديك «ورق عنب» تيتا هدى، و»مسخّن»، لميا و»فلافل» دنيا. كل امرأة منهن منحتني شيئا. وهذا موجود في كتبي للأبد. إنها ذكرى لإبقائهم على قيد الحياة. إنها ذكرى لإبقاء الوصفة حية أيضا».

الجزر المحشي

وتتابع جودي «سأخبرك قصة… علمتني أمي طهو الجزر المحشي. لم أكن قد تذوقت هذا الطبق من قبل، وحاولت صنعه. استغرق الأمر 7 ساعات. وأخبرت أمي بذلك، وانه من المحال أن أضع ذلك في كتاب الطبخ لأن أحدا لن يحشو جزرا. فبدأت تضحك وقالت لي جدتك كان طولها خمس أقدام، وكانت تقصد الكهربجي ليحفر لها الجزر بمثقاب معدني ثم تعود إلى المنزل لتحشوه».

‮«‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يعودوا‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬نحن‭ ‬صوتهم‭ ‬لنستمر‭ ‬في‭ ‬إيصال‭ ‬أصواتهم‮»‬

الحرب على التراث

تقول جودي «سرقوا ليس فقط طعامنا، وهويتنا وموسيقانا وملابسنا. إذا رأيت جميع مقاطع تيك توك، فليس الأمر مخيفا فحسب، بل هو مثير للقلق لأنه يشبه عقلية مرضية. يرتدون ملابسنا بعد أن قتلونا. يطهون طعامنا في مطابخنا بوصفاتنا. يعزفون أغانينا بينما يقتلوننا. إذا، هناك شيء مثير للاضطراب جدا يحدث، ويمكن للناس رؤيته. يستخدمون كلماتنا، يصنعون وصفات تعتمد على طعامنا، ثم يطلقون عليها اسم «إسرائيلي». يقول الناس إن الطعام ليس بالأمر الكبير. الطعام أمر مهم جدا. إنه أحد أكبر أجزاء هويات الناس».

«إنها الطريقة التي تتصل بها بالأرض، وتستخدم ما هو متاح لك لخلق شيء يمكن تحديده كثقافتك أو طعامك أو تاريخك.
(..) استولوا على بيوتنا، وأخذوا حياتنا، وأخذوا ملابسنا، وأخذوا موسيقانا، وكلماتنا. وفي النهاية، سينهار ذلك لأنه غير مستدام».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية