تامرا

حجم الخط
0

كاظم الحلاقعلى مسافة قصيرة من بيته خرج رجل بصحبة طفلته البالغة من العمر ثلاثة عشرة شهراً وكلبه. قاد سيارته الى منطقة الهضاب حيث درب التنزه المحبب الى قلبه. الطفلة كانت ترقد في حامل الاطفال المثبّت في مقعد السيارة الخلفي بينما الكلب يجلس الى جوار الرجل وهو يخرج رأسه من النافذة الامامية مطلاً على غابات الصنوبر المترامية على جانبي الطريق. احس الرجل بسعادة طاغية لم يعهدها منذ سنوات، لكن ثمة شيء خفي نغص عليه احساسه، وخزة بالكاد يشعر بها تنذره بأنَّ هذه السعادة التي يحسها تخفي فاجعة موشكة على الحدوث، الا انه تجاهل ما شعر به، لقد اختبر مرات عديدة في حياته اذا ما اشار بارومتر السعادة الى الدرجة القصوى فإن شيئاً لا تحمد عقباه يوشك على الحدوث الا انه تجاهل الانذار. أوقف الشاحنة على مبعدة حوالي عشرة امتار من مياه الخليج وذهب للتمشي، لم يكن احد في المكان الا بعض الصقور تحلّق بعيداً في السماء. وضع الرجل ابنته ‘ تامرا’ على ظهره في حامل الاطفال وكلبه ‘ ماني ‘ هكذا كان يناديه، يتمشى امامه متشمماً الارض الرطبة.. اخذ الرجل يتطلع باعجاب شديد الى المكان وهو يغذ الخطى في الدرب الترابي الضيق؛ لقد اعتاد على التنزه في الهواء الطلق مع الكلب في عطل نهاية الاسبوع الى جوار الخليج الصغير الذي لا يبعد سوى ميلين عن منطقة ‘ فلاك ستاف’ في ولاية أريزونا الاميركية حيث يعيشون. الخليج كان على الدوام جافاً الا ان السماء قد جادت بثلج غزير فاكتست قمة الجبل الوحيد في المنطقة باللون الابيض، وحينما قدم الربيع اخذ الماء الذائب يجري بصوت مسموع في الكثير من الامكنة التي اخذت تصب في الخلجان الصغيرة. الزهور الحمر والبيض والبنفسجية تنتشر بين الاعشاب وبعض اجمات الاشجار المختلطة بنبات الشوفان. قضوا اكثر من ساعة في الطريق، كان الرجل راضياً بالمتعة التي نالها من مشواره الاسبوعي، ثم اخذ يتحدث الى نفسه: ‘حينما تبلغ تامرا السابعة او العاشرة من العمر ستأتي معي للتمشي وسنقضي اوقاتاً ممتعة تفوق الوصف’. بعد ان عادوا من مشوارهم رأى الكلب حيواناً غريباً اشبه بالقنفذ لكنه بحجم اكبر كأنه قطة ضخمة يخطو بين أجمة الأشجار فاخذ ينبح عليه، خرج الحيوان من الأجمة الى درب صغير واخذ يزفر زفرات عميقة تجاه الكلب كما لو انه ألد اعدائه، انتصبت الاشواك التي كانت تنسدل على جسد الحيوان فبدا اكبر من حجمه الاولي بثلاث مرات. كان يبدو ثمة شعور عدائي بدأ ينمو داخل الكلب فهجم على الحيوان محاولاً عضه الا ان الاخير ادار جسده للكلب محرراً اشواكه التي أخذت تنبت حول فم الكلب ورقبته.. كان كلاهما في وضع شديد الاضطراب الا ان حالة الكلب كانت تدعو للرثاء، انغرزت حول فمه اكثر من ثلاثين شوكة، عوى الكلب بألم فاثار شفقة مالكه فوضع الاخير طفلته على الارض جوار الجانب الاخر من الشاحنة واخذ يخيف الحيوان الشبيه بالقنفذ برميه باحجار صغيرة فولى هاربا داخل الأجمة، ثم أخذ يربت على ظهر الكلب محاولاً تعزيته وهو يزيل الاشواك عن وجهه وجسده، لم يكن هذا التشاجر الاول ل ‘ ماني’ مع القنافذ، قبل سنتين تقريباً حدث ايضاً شجار بينه وبين حيوان اخر، في تلك المرة قذف الحيوان ‘ ماني’ بحوالي ثمانين او مائة شوكة. عاد الرجل بعد حوالي عشرين دقيقة الى المكان الذي وضع فيه ابنته فلم يجدها بمكانها. اعترته الحيرة وانتابه الرعب من اختفائها، وعلى الرغم من نور الظهيرة الساطع بدا كما لو أن ظلاماً اخذ يحيط بوجهه، تطلع للمكان بجنون، فتش عنها في الأجمة فلم يجدها، ذهب الى المياه التي لم تكن عميقة، خاض فيها واخذ يفتش بيديه في تيار الماء البارد فلم يجدها. ظن الرجل بأنّ قوة سحرية اخفت جسد الفتاة وانها تريد ان تلعب بعقله لبعض الوقت ثم ستظهرها ثانية، لكن احساسه تمزق ارباً حينما وقعت عيناه على جسدها.. لقد زحفت من المكان الذي وضعها فيه الى مياه الخليج و جرفها التيار حوالي عشرين متراً الا ان صخرة اعترضت جسدها. وبقلب محطم اقترب منها جاهشاً في البكاء، اخذت الدموع تتدفق من عينيه ودون وعي تقريباً وجد نفسه ينحني ليلتقطها من المياه. حمل تامرا بين يديه في منتهى الحنان وارتعش جسده حين شعر كم بدا وزنها ثقيلاً بسبب المياه التي دخلت رئتيها، كانت اعضاءها الصغيرة مرتخية وقد ازرق جلد صدرها العاري، في مقدوره ان يرى ان جزءاً من حياته قد مات في تلك اللحظة، لقد اكفهرت سحب السماء في عينيه، ها هي الهدية الصغيرة الت قدمتها له الحياة استعادتها ثانية.. اتصل بسيارة الاسعاف وقدمت بسرعة وهي تعوي بصفارتها. جلس الكلب على مبعدة وأخذ يرقب الرجل بنظرات مريبة الا ان المالك نادى عليه واصطحبه وهو يتبع سيارة الاسعاف بشاحنته. انخرطت ام تامرا في بكاء مرير حينما سمعت بموت طفلتها وقدمت لتبقى الى جوارها في المشفى بينما كان يتوجب على الرجل العودة الى عمله.

حاول الاطباء اعادة تامرا للحياة لثلاثة ايام الا انها كانت في شبه غيبوبة. وقرابة الخامسة فجراً، في اليوم الرابع غادرت تامرا الحياة. دفنها الاب الى جوار قبر امه، محاولا قمع الشعور بالاثم الذي كان يحرق احشائه كما تحرق النار الهشيم، لقد لام الرجل نفسه بانه لم يكن حذراً بما فيه الكفاية ليضع ابنته في مكان آمن كذلك عن عجزه وضعفه في تقبل حياة الكلب الذي بدا كأنه قدر بائس لا فكاك منه، كان الكلب بعمر اربع سنوات، وقد ولد في حرب الخليج وحصل عليه الرجل هدية من أمه حينما كان جرواً وبسبب حمايته للبيت، تعلقت به الام كثيراً لانه انقذها ذات ليلة من خطر لصوص كان على وشك الحدوث، ومنذ ذلك الوقت اهتمت به كثيراً، كانت تعتبره وليدها الثاني، وحينما كانت تحتضر اوصت ابنها العناية به قائلة: ‘ اعتبر الكلب’ ماني’ أخاً لك’، وعلى الرغم من شعوره بالنفور وكراهيته العميقة للكلب اخذ الرجل يهتم به ويغدق عليه الدلال والهدايا احتراماً لذكرى الأم. انه بلون بني وحجم متوسط وببقعة بيضاء حول فمه. لقد شعر الرجل بأنّ ‘الاخوة’ التي قدمتها له امه لم تجلب له الا النكد والرفقة السيئة والذكريات المريرة. بقي الكلب في البيت بعد موت تامرا بضعة ايام، وعلى الدوام كان يجلس في زاوية غرفة المعيشة ويرقب الرجل بعينيه الصفراوين الكريهتين او يأتي ليتشمم قدميه كما لو انه يطلب المغفرة الا ان الرجل كان يتجاهله. كانت الافكار البغيضة المرتبطة بالحادث تهاجمه بين يوم واخر واحياناً بين ساعة واخرى منغّصة عليه أوقات حياته، وكلما حاول كبتها او دفعها عن ساحة تفكيره كلما ازدادت وتيرة ترددها على ذهنه. لقد شعر الكلب بانه صار منفراً لدى صاحبه فيحاول التصرف بوداعة او يذرف الدمع احياناً كما لو انه لم يكن مذنباً او مسؤولاً عن الدمار الذي لحقبحياة مالكه، الا ان الرجل أحس بأن وجود الكلب معه قد جلب الشؤم لحياته ولولا شجار الكلب مع الحيوان لما ماتت الطفلة. وبعد بضعة أسابيع بينما هو يعزم على زيارة قبري ابنته وامه وضع مسدسه في جيب بنطاله مصمماً على قتل الكلب حينما تحين الفرصة. كان الرجل يتمشى وحيداً في الدرب الخالي المفضي الى المقبرة، مستغرقاً في افكاره الحزينة وعندما التفت رأى الكلب يتبعه لاهثاً بلسانه الطويل المتدلي من فمه الذي تساقطت الانياب عنه. وقف متحسساً المسدس ومنتظراً اللحظة المناسبة، الا ان صورة امه المحبوبة قفزت الى ذهنه. اخذت تتقاذفه امواج الصراع ومشاعر الاثم والشكوك والمخاوف وسياط الافكار المتسلطة فتراجع عن قراره. ظن انه ليس ثمة حل يعيد السلام الى ذهنه الا الهروب من المدينة بأسرها ومن تلك العشرة ‘والاخوة’ الزائفة التي فرضتها عليه أمه واللجوء الى مكان بعيد لعل الجرح الغائر في قلبه يندمل وينسى ذكريات موت ابنته الأليمة. كاتب عراقي مقيم في أميركا[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية