تانغو من راقصٍ واحد!

حجم الخط
0

خيري منصور

أحيانا تدفع العزلة الانسان الي ان يلعب مع نفسه رغم صعوبة انشطاره الي فريقين، بحيث تبدو اللعبة خرقاء كلعبة تنس بلا شبكة، ورقصة التانغو مع الذات، هي أشبه بتقبيل الذات، الذي لا يتم الا عبر المرايا وعلي نحو وهمي بحيث لا تلامس الشفتان سوي سطح من الزجاج والزئبق البارد.. ان الحياة عندما تتحول الي مونولوج بلا نهاية، او عادة علنية لفرط التكرار تصبح كما لو أنها تتأرجح علي تخوم العدم، فالوجود هو كما يقول سارتر ارتطام الوعي بشيء ما، وذلك بخلاف ما يقوله الظاهراتيون الذين جعلوا الاشياء موجودة بذاتها وبمعزل عن الوعي البشري الذي يتحقق وجودها من خلاله، وهذا ما جسّده أدبيا كتّاب الرواية المضادة، وبالتحديد روب غرييه، فالمحبرة موجودة خلف الجدار علي مكتب، سواء لمسناها وشاهدناها ام كانت في مهب النسيان الأبدي.

وكلّما فرضت العزلة نفسها كموضوع بتأمل تذكّرت نمطين من العزلة، الأول لبرديائيف الذي غرّد خارج السرب في بواكير الحقبة الماركسية والثاني لألبير كامو الذي حذف الفاصل بين العزلة والوصال ما دام الفنان كما يقول يكون ذاته والآخرين معا اذا استطاع تحقيق التوازن، فهو يبتعد ليقترب، أي ليري المشهد بكامل أبعاده، بعكس من تتفلطح انوفهم علي الزجاج او اللوحة فلا يرون اكثر من مساحة العَيْن!

وما اعنيه برقصة التانغو براقص واحد، هو الرقص مع الذات، علي ايقاع يشبه العزف المنفرد، بحيث تكون العزلة قد بلغت ذروتها والعزلة مصطلح يتجاوز الدلالة المتداولة له، انها احيانا انفصال وتهميش، وقد تعيشها مجموعة بشرية وليس فردا واحدا، وقد تكون اطروحة الطاهر بن جلّون عن ذروة العزلات التي يعيشها المهاجرون الي فرنسا نموذجا لما أعنيه بالعزلة التي تشمل جماعات، وقد تنتهي الي ضمور اعضائهم كما لاحظ بن جلون في اطروحته، فالنفسي ليس معزولا عن الحسي والجسدي، وثمة جدلية لها عدة تجليات تحكم هذه الثنائية، ان من يرقص التانغو مع ذاته هو كمن ينام مع نفسه، او يزدوج كنوع من الافاعي المكتفية بذاتها والتي يتعايش ذكرها وأنثاها في الجسد ذاته… ومن عاشوا طفولات عربية مثلنا خصوصا في الريف والبادية، لا بد أنهم أدركوا ولو بعد حين أن الرقص مع الذات هو نتيجة حتمية لفائض المكبوت، ولثقافة الحرمان التي تفرز انماطا بالغة الغرابة من الشيزوفرينيا الوبائية اي التي لا يعاني منها افراد فقط بل تشمل مجتمعات!

وحين قرأت قبل أعوام مقالة آسرة عن رقصة التانغو لوندي بونافنتورا وترجمها عبد الاله النعيمي في مجلة أبواب العدد ( 33 ) اعادتني المقالة الي صباي في القاهرة، والي ذلك المعهد الذي يحمل اسم روبير في ميدان طلعت حرب في القاهرة.

لم اكن قد جرّبت الرقص ولو لمرة واحدة خارج ما كان سائدا من فولكلور وهو دبكة ذكورية لا تشارك فيها النساء في قرانا.. اخذني صاحبي اللبناني الي ذلك المعهد لنتعلم الرقص وقال لي ان الهدف هو تحصيل حد ادني من المهارة التي تحول دون ان ندوس علي اقدام الراقصين في اي ملهي ليلي.

وكانت رقصة التانغو الأولي التي لثغت بها قدماي وخفق لها القلب خجلا واضطرابا في آن في ذلك المعهد، وقد سرت قشعريرة في جسدي سرعان ما تحوّلت الي اشارة تعجّب مما أحس به وما افكر فيه.. لم يخطر ببالي قبل أربعين عاما ان كاتبا مثل بونافنتورا سيقول بأن التانغو غواية طقوسية فهي صبوة رجل للعثور علي امرأة وامتلاكها، وهي تعكس رغبة المهاجر المستميتة في التحكم بمصيره، والراقصان غالبا ما تكون حركاتهما الرشيقة بحثا يمارسه كل طرف وهو يقترب من الآخر لاكتشاف ما لم يكتشفه قبل الرقصة وفي الاحوال العادية للكائن.

ہہہان راقص التانغو مع نفسه، هو ذلك المستوحش الذي ينادم ظلّه، واحيانا يغني ليسمع صوته ويطمئن علي كونه حيّا، فالرقصة آخر شيء يعنيه في أقاصي العزلة، لأنه يشبه ذلك الرجل الذي تحدّث عنه ابن سينا وهو يحاول البرهنة علي وجود الروح، فهو يسبح في فضاء، ولا تتماس اعضاؤه… لكنه يدرك ذاته، وجوهر وجوده.

والموسيقي التي تتطلبها رقصة كهذه مع الذات هي بخلاف الايقاعات كلّها، انها صمت له حفيف، واحيانا همسات متعاقبة يهمسها الراقص في أذنه، فلا يسمعها سواه، وقد يبدو من هذه التداعيات ان المقصود هو الكائن الذي يتعدد في وحدته، والحقيقة ابعد من هذه الرياضة الذهنية، انها من ابتكار الجسد والحواس وفائض الشبق والشوق للخروج من سجن الذات، لهذا لم يجد احد دارسي تجربة فازلاف نجنسكي وهو راقص باليه من امهر راقصي عصره فرقا بين ما يكتبه هذا الراقص بقدميه وذراعيه ومجمل جسده وبين ما كتبه شعراء وفلاسفة بأصابعهم والسّيرة الذاتيه لنجنسكي تجزم بأنه من هؤلاء الذين رقصوا مع انفسهم فقد كان كما يقول كولن ولسون من سلالة اللامنتمين والمستوحشين الذين يبحثون عبثا عن هدف لحياتهم… واذا كانت الاغنية تتعفن كما يقال اذا ابتعدت عن الجسد، فإن الموسيقي تصبح شيئا كهذا مهددا بالتعفن والاستنقاع اذا نأت عن الجسد، لأن الرقصة هي اخيرا اللغة الأصيلة التي عبّر بها الكائن عن فرحه وحزنه علي السواء، وقد تكون رقصة زوربا كما قدّمها ببراعة انطوني كوين فور سماعه بنبأ موت ابنه، هي ذروة التعبير عن هذه اللغة الكونية!

ہہہفي أحد مقالاته قارن سلامة موسي بين ما يسمي الرقص الشرقي والرقص الاخر… فوجد ان الراقصة الشرقية تتأمل جسدها بانفعال نرجسي، فهي ترقص للآخرين اما راقصة البالية مثلا فهي في ذروة الاستغراق تعبر بالجسد عن شيء آخر لا علاقة له بالجسد، فهي فيه وخارجه في لحظة واحدة، وبالرغم من أن ملاحظات موسي وهو تنويري بامتياز تبدو أولية ومجرد ملامسة للظواهر، الا انها تحتوي في العمق علي جذور اركيولوجية، والانطلاق منها قد يؤدي الي حفريات لا يستهان بها. ان ما كتب عن الرقص بغير الجسد والقدمين يبقي كالكتابة عن الرسم، ترجمة غير امينة لأسلوب في التعبير، فاللوحة لا تتحول الي نص لغوي الا اذا هشمت تماما، وخير وسيلة لشرح معزوفة موسيقية هي اعادة عزفها!

والانسان الذي يرقص مع ذاته او مع الاخر لن يندفع الي هذا التعبير الا اذا عزّ لديه التعبير بوسيلة أخري كاللسان.

لكن الفارق بين من يراقص نفسه ومن يراقص كائنا آخر، وبالتحديد امرأة، هو كالفارق بين من يقبّل نفسه عبر المرآة وبين من يقبّل انثاه.. فالانسحاب الي الداخل، والانكفاء داخل شرنقة يشح فيها الهواء ويتأكسد بالوحشة والانطواء لا يأتي لمجرد ان الذات تشعر بالاغتراب، انه محاولة تعويضية عن الآخر المفقود.

فالاخرون ليسوا جحيما علي الدوام كما قال سارتر في مسرحيته الشهيرة الحلقة المفرغة والتي ترجمت الي العربية بعنوان جلسة سرية، وهم ايضا ليسوا نعيما، انهم ضروريون لاستكمال نصاب الرقصة، سواء كانت الحياة بمجمل تفاصيلها او التانغو في ذروة العناق والافتراق.

ہہہفي مقالة ويندي بونافنتورا التي اشرت اليها وهي مكرسة لما يسميه معركة الجنسين رقصا في بيونس ايرس، تصبح رقصة التانغو عكس ما يعرفها الذين لم يجربوها، فهي ليست مزيجا من الايروتيكية والاثارة الجنسية، حتي لو كان المشهد كما يصفه!(نساء في جوارب شبكية سوداء وكعوب عالية وتنانير براقة تنتهي عند الفخذ، وفحول ذوو شعر فاحم مصفوف وشيء من الكرش الناتيء) انها رقصة محفوفة بالمتاعب.

ان التانغو هو فكرة حزينة قابلة للرقص، وقد لا تنفرد هذه الرقصة بما يسميه الفكرة الحزينة، فكل فرح هو رقصة علي تخوم البكاء الغامض بسبب ذلك الحنين الأشد غموضا الذي يجتذب القدمين نحو مكان بعيد… ان الراقص مع نفسه هو كمن يصافح نفسه لكن بيدين متعاكستين، احداهما مقلوبة بالضرورة، لكن ما يدفع الغريب الي هذه الحفلة شبه السرية في أقاصي وحدته هو حاجته الي الانشطار كي يكون اثنين، وهذا بالتحديد ما عبّر عنه عالم الجمال جويو عندما قال بأنه حين يقرأ فكرة مدهشة وهو وحيد يتمني ان يكون اثنين كي يخبر الثاني او يبوح له بانفعالاته.. وهناك عبارة اضاءت مقالة ويندي بونافنتورا مأخوذة من خوان كارلوس كويس، قد تختصر الرحيق كله في ملعقة شهد، يقول: رقصة التانغو هي رجل وامرأة يبحثان احدهما عن الاخر.. وبهذا المعني يصبح راقص التانغو مع نفسه او مع ظله هو الباحث عن ذاته وليس عن الاخر…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية