محمود معروف الحمامات (تونس) ـ ‘القدس العربي’: كشفت الجلسة الاولى من ندوة تعقد هنا بالحمامات حول الدين والدولة في الوطن العربي عن التباين الواضح في قراءة ما انتجته الحركات الاحتجاجية العربية من اوضاع جديدة تتسم بهيمنة احزاب الاسلام السياسي على الحياة السياسية العربية الراهنة، ان كان من خلال محاولتها الاستفراد بالسلطة الجديدة او تشكيل تحالفات تكون فيه هي المهيمنة او الاكتفاء بالتأكيد انها القوة الاولى حتى لو لم تمارس تدبير الدولة.وقال الدكتور يوسف الصواني المدير العام بالوكالة لمركز دراسات الوحدة العربية ان اختيار موضوع الدين والدولة فرضه ما اثاره من جدل منذ اندلاع احتجاجات الربيع العربي ووصول احزاب الاسلام السياسي الى الحكم بانتخابات، مشيرا الى مواضيع مكانة الشريعة بالدستور والاسلام ونظام الحكم وهي مواضيع معقدة وخلافية.ويشارك في الندوة التي تختتم غدا الاربعاء اكثر من خمسين باحثا ومفكرا عربيا يبحثون ويتجادلون في ‘كيف يمكن للسياسة أن تمارس الآن وفي المستقبل في الوطن العربي بشكل يقارب إشكالية الدين والدولة بفهم إسلامي معاصر يستوعب العصر ومتغيّراته، ويرفع عن الدولة والمجتمع عبء أزمةٍ في العلاقة بين الدينيّ والسياسيّ’.واكدت بريجيتا هولس العاني مديرة المعهد السويدي بالاسكندرية المساهم في تنظيم الندوة ان نجاح ثورات الربيع العربي وما تبعه من صعود التيار الاسلامي للحكم ومن زيادة حدة الاستقطابات بين التيارات العلمانية والدينية يقلل من فرص عمل هذه التيارات مع بعضها البعض ويؤكد على ضرورة ايجاد نماذج ثقافية تساهم في التقليل او الحد من الانقسامات الداخلية وتساعد هذه الدول على المضي قدما في ظل قلق من امكانية وجود حلول للقضايا الاجتماعية والاقتصادية.واضافت هولس العاني ان ظاهرة الاستقطابات والانقسام بين الاسلاميين والعلمانيين تحتم علينا التفكير في امكانية ايجاد نماذج ثقافية يقبلها الجميع مع طرح سؤال عن النموذج المطلوب الاوروبي الامريكي ام التركي او دول اسلامية اخرى نجحت في تحقيق تقدم ثقافي واقتصادي او تجارب اخرى يمكن تطبيقها وتساءلت ان كان التيار الاسلامي الذي وصل للحكم يقبل تقديم تنازلات في موقفه من بعض الحريات مقابل الحفاظ على علاقة طيبة مع بقية التيارات.واشارت مديرة المعهد السويدي الى ان حالة الاستقطاب بين العلمانيين والاسلاميين اكتسبت زخما على حساب المناقشة الجادة للمشاكل التي تواجه الدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية.وقدم الباحث المغربي عبد الاله بلقزيز المداخلة الاولى في الندوة وحملت عنوان الدين والدولة في المجتمع العربي المعاصر نظريا وتاريخيا واستشرافا تناول فيها إشكالية الدولة والدين في سياقاتها الفكرية، وأنماط العلاقة التي نشأت بينها في تاريخ الإسلام وأوروبا الوسيطة والحديثة، والجدل المعاصر الجاري حولها في الوطن العربي مستشرفا صورة مستقبلية لهذه العلاقة في ضوء صعود الحركات الإسلامية وتجدّد حضور الديني في المجال السياسي، كما في ضوء الحاجة إلى توفير حلٍّ تاريخي لجدليةٍ قد تهدّد المجتمع بالاستقطاب والدولة بالتأزُّم.وصنف بلقزيز أنواع العلاقة التي قامت بين الدولة والدين في التاريخ السياسيّ المدوَّن، بثلاثة أنماط رئيسَة هي: نمط الدولة المتماهية مع الدين، الدولة الثيوقراطية (الدينية) القائم حُكمُها على ادّعاء تطبيق أحكامه، والدولة القائمة شرعيتُها ـ وأحياناً بالتجاوُر مع شرعيات أخرى ـ على الدين، وهي الدولة السلطانية (دولة الخلافة وما تساقط منها من دويلات في تاريخ الإسلام) المتوسلة إياه أداةً من أدوات تبرير نظام الحكم وسياساته، ثم الدولة المحايدة تجاه الدين/ الأديان، الدولة الإمبراطورية من النمط الآسيوي القديم (الصينية واليابانية والإيرانية القديمة) وهي الدولة العلمانية الحديثة القائمة على شرعيات مدنية بشرية، لا مكان فيها لأيّ نوع من أنواع استغلال الدين في السياسة.وقال ان هذه النماذج الثلاثة لعلاقة الدولة بالدين ليست قاطعة في التمايز والمفاصلة، وإنما يحدث أن يتخلّل الواحد منها بعض ملامح الثاني كأنْ يَستعير نموذجُ الدولة المُتَأَدْيِنَة بعضاً من سمات الدولة الثيوقراطية والدولة العلمانية، أو كأن تستعير الدولة العلمانية الحديثة والمعاصرة بعضَ مضمونِ الدولة الثيوقراطية فتتحول العلمانية، في النمط الوضعي الفرنسي مثلاً، إلى عقيدة دينية مقدسة للدولة… لا تَقْبل الانتهاك.ولاحظ ان احزاب الاسلام السياسي تتمسك بالمتغيرات وتقبلها كأساس وثوابت فيما تضع الثابت احيانا في امكانية التغيير واكد عبد الاله بلقزيز ان الديمقراطية تيمة الفعل السياسي في الوقت الحالي والتي تطمح اليها الشعوب ليست فقط صناديق الاقتراع وانما واساسا الحرية وعقد اجتماعي يتوافق عليه والتمايز بين المجال الديني والسياسي.