تبديد الوهم

حجم الخط
0

تبديد الوهم

رشاد أبوشاورتبديد الوهم كان لا بدّ أن يصعقنا المشهد، ففيه من إهانة وطننا، وشهدائنا، وأمهاتنا، وعذاب بناتنا وأولادنا، مذبوحين، أو هائمين، تائهين علي الرمل، كميّة من الابتذال غير مسبوقة منذ بدأت مسيرة (أوسلو) الكارثيّة…لكن من يعرفون رئيس السلطة، ومن سمعوه يبشّر بدولة (ولو علي مزبلة) ـ وهذا من أقواله المأثورة ـ فليس ماوتسي تونغ، وجيفارا، وعز الدين القسّام، وجمال عبد الناصر، وهوشيمنّه، ومانديلا، وحدهم أصحاب الأقوال المأثورة ـ لم يفاجأوا بما رأته عيونهم من مشهد عار لا ينسي، ولا يغتفر…ارتمي رئيس السلطة علي كتف ايهود أولمرت ـ خذني بحنانك خذني، فأنت الحضن الدافئ والملاذ ـ بينما الأشلاء علي الرمل، وفي الشوارع وتحت الدمار، لم تجمع، ولم تدفن، وإيهود يعلن من فوق منبر حاملي نوبل للسلام: (أرض إسرائيل من النهر إلي البحر)! (لن نعتذر عن قتل المدنيين …)، وهذا ما دفع صحافيا فلسطينيا منحازاً (لمسيرة السلام)، أن يخرج ليعلن لقناة الجزيرة وهو يرتجف حنقاً: أولمرت جاء بخطاب حرب، إنه سيغوص في دم الفلسطينيين حتي شعر رأسه، أولمرت لا يريد سلاماً…رئيس السلطة بحسب مراسل الجزيرة، استدرج من رئيس المؤتمر إيلي فيزل، الكاتب عديم الأهميّة، المشهور بالابتزاز، أحد أبرز المتاجرين بمعاناة اليهود كما يصف أمثاله نورمان فنكلستين في كتابه (صناعة الهولوكوست)، لتتحوّل الجلسة إلي وصلة ندب، وعاصفة من الدموع، ولطم علي الضحايا اليهود!لا، لم يستدرج رئيس السلطة، فهو سادر في خطابه البائس، رغم كّل ما كتبناه عنه، ونبهناه له، فهو في شرم الشيخ، وفي العقبة ،كان يندمج في حفل التأبين المتواصل منذ عشرات السنين، بحيث تحسبه من آل الضحايا، في حين يتلكّأ في مجاملة بيوت العزاء الفلسطينيّة، أو يتجاهلها حتي لا تلحق به شبهة التعاطف مع (الإرهابيين) الفلسطينيين! في المدينة الورديّة العريقة، مدينة البتراء، مدينة الأنباط العرب الأقحاح ـ غريب أن فيزل وأولمرت لم يدّعوا بعد أن أجدادهم هم بناة البتراء ـ التقي حملة نوبل للسلام، ولكن غاب واحد من حملة نوبل للسلام، غيّب هذا الواحد بالسّم، ونسي وطويت صفحته، فللسلام جنود من عسل، يؤدّون مهمتهم الحلوة ببراعة !…غاب ياسر عرفات عن مؤتمر السلاميين، ولم يطالب بالتحقيق في (موته) أخوه في المسيرة، ولا أقول السلاح، لأن أبا مازن ينفر بطبعه من مجرّد ذكر كلمة (السلاح). لم يمّر أبومازن علي ذكر عرفات، ولا تذكّره زملاؤه نوبليو السلام! أي عربي رأي مشهد العناق والوله، استنتج بان الحّب من طرف واحد، لأن الحب علاقة متكافئة بين طرفين، وبين أبي مازن وأولمرت لا تكافؤ، فالمحتّل شرس ،عدواني، مغرور بقوّته، مخّه مسكون بالأساطير، لا يقبل بغير مسح الفلسطينيين حتي لا يبقي منهم من يذكّره بحقّه، وبأنه سيعود إلي بيته، وسيبني وطنه، ويصحح هذا الغلط التاريخي المفتعل والباطل. أولمرت يريد أي فلسطيني كراحاب في سفر الخروج، زانية خائنة، تؤمّن علي حياتها مقابل خيانتها لأهلها ووطنها! ..أي فلسطيني بخّاصة، وعربي بعامة، رأي المشهد، استذكر لقاءات أبومازن مع الفلسطيني إسماعيل هنيّه، وقارن.مع أولمرت يرتمي أبومازن علي صدره ويمرّغ الرأس علي كتفه، رغم صد أولمرت وبروده، ومع إسماعيل هنيّه يجلس متوتراً، مبوّزاً، مربّد الملامح، يودّ لو تنخسف الأرض بالفلسطيني الطيّب إسماعيل هنيّه، الصبور، والمؤدّب، والصدر الأخوي الرحب ..تري: هل يجب أن يكون إسماعيل هنيّه يهودياً حتي تحبّه يا رئيس السلطة، وتهّش وتبّش في وجهه؟!تبديد الوهم:أبدأ بمطلع تلك الأنشودة التي أنشدتها حناجر فدائيين رحلوا وكلماتها في افواههم، وحلوقهم، وقلوبهم :طالعلك يا عدّوي طالع من كّل بيت وحارة وشارع هذه العمليّة، عملية (الوهم المتبدّد)، عملية كرم أبوسالم، محرجة لجيش الدفاع، فأن يحفر (الفدائيون) الفلسطينيون الأرض، وينبعثوا من رحمها، وأن يباغتوا جيش الاحتلال، فإن الأنشودة تتألّق من جديد، وهي تعبّر عن روح شعب، ولا داعي لمزيد من الأوصاف …فبعد مشهد رئيس السلطة، وبعد خطاب أولمرت، ملأ المشهد الفلسطيني المقاوم الشاشات، مثيراً بكّل المقاييس، فلا الجدار، ولا الحواجز الإلكترونيّة، ولا أجهزة الرّصد الأمريكية الدقيقة، ولا قطع الأموال، ولا الحصار والتجويع، ولا… قادرة علي أن تطفئ روح المقاومة، وقدرة المقاومين علي الابتكار، والمباغتة …عمليّة نظيفة، دقيقة، استهدفت موقعا عسكريّاً محصناً، لم يسقط فيها مدنيون، ولذا فهي محرجة جدا لأكثر من طرف! الناطق بلسان رئاسة السلطة صرّح: لقد فوجئنا بهذه العمليّة المحرجة، فنحن كنّا في حوار…ألا تنّص وثيقة الأسري علي المقاومة بكّل السبيل؟ المقاومة بالسلاح، بقدر المستطاع، هي الخيار الأبرز، فلماذا فوجئتم؟ طبعاً، هم لايريدون عمليات عسكريّة حتي تبقي (حماس) متهمة بأنها تخلّت عن الخيار العسكري!المحرجون فضحت عجزهم عملية (الوهم المتبدّد)، كما بددت وهم الاحتلال بأن الفلسطينيين يئسوا بسبب الحصار، والخنق الرسمي العربي، والاغتيالات اليوميّة…هذه العمليّة العبقريّة الكبيرة، ليست مجرّد إبداع عسكري فقط، إنها ثقافة. نعم ثقافة يا سادة، فهي خطاب سياسي نقيض لثقافة الاستجداء والارتماء في أحضان أولمرت…الأوسلويون، والفاسدون، والمشغولون بافتعال كل ما يعطّل الحياة الفلسطينيّة، بهدف العودة للتسلط علي شعبنا، صدمتهم عملية (الوهم المتبدّد)، تماماً كما صدمت وفاجأت جيش وقادة العدو..أمّا شعبنا فإنه وهو يلّم أشلاء أبنائه وبناته قد استذكر تلك الأنشودة الفدائيّة، فترحّم علي من رحلوا وهم ينشدونها، وبارك من تحبل بهم أرضنا، وتنجبهم في ساعات، فيخرجون من رحمها محاربين ليس بينهم وبين عدوهم سوي النار والحديد.لشعبنا طريق، ولمن يقبّلون عدونا ويرتمون في حضنه طريق، وطريقانا خطّان متقاطعان، ومن يخرج من عمق الأرض مشهراً سلاحه غير من يرتمي علي صدر قادة العدو.0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية