تبعات الإصلاح الاقتصادي مسؤولية جسيمة… وعدم قدرة الأغلبية على التحمل أهم ما يخيف السلطة

حسام عبد البصير
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: للبسطاء على الخريطة العربية حقهم في الفرح هذه الأيام، أولئك الذين لم يجدوا منفذا للتفاؤل سوى اسم “فلسطين” تلك الدولة بناسها وأرضها ومائها وحجرها، التي لم تمت في وجدان أي منهم.. فلسطين ذلك البلد الذي أشاد بجنده نبي الإسلام في صحيح السنة، فلم يفلح شذاذ الأفاق من عرب ومن عجم، أولئك الذين تآمروا على الأقصى وما حوله من بلدات، في كسر إرادة شعب الجبارين. لم تفلح اموال المهرولين ولا المزورين في أن تزيف تاريخ الشعب المناضل منذ 70 عاماً، ذلك الذي ورث أحفاده وديعة الحلم، بل نجح الأبناء في أن يعيدوا تدفق الأمل في نهر العرب الآسن. ولليوم الرابع على التوالي منحت العملية التي نفذها المقاومون الفلسطينيون أداة جذب لصحف القاهرة، التي تحلق منذ فترة خارج اهتمامات الجماهير، حيث تسابق كبار الكتاب في الإشادة بالقضية وأهلها، وسعوا لاستعادة الأمل الهارب على أيدي شذاذ المهرولين والمطبعين والناشرين لخطب الهزيمة والاستسلام. ومن أبرز تقارير صحف الخميس 9 سبتمبر/أيلول، دعا الدكتور أسامة الأزهري مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية وأحد علماء الأزهر الشريف، إلى مبادرة لجمع كل الأطراف الرياضية من فريقي الأهلي والزمالك، في جلسة في مسجد الفتاح العليم، وطي صفحات الإساءة والشتائم بين عموم الفرق الرياضية، وتوجيه الطاقة السلبية إلى نجاح وليس صراع. وقال الأزهري: “يؤذيني أذى كبير أن أرى أبناء بلدي يهين بعضهم بعضا، وتنتقل الشتائم للمؤسسات الكروية والسخرية والخوض والتطاول ورفع القضايا إلى المحاكم”.
وحول القضية الأهم: عقد وزير الخارجية سامح شكري ونظيراه وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي ووزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي، اجتماعا تشاوريا، أمس الخميس، في قصر التحرير في وزارة الخارجية، قُبيل بدء أعمال الدورة العادية 156 لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري. وصرّح السفير أحمد حافظ، المُتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، بأن اللقاء استهدف مناقشة آخر تطورات القضية الفلسطينية والجهود المبذولة خلال الفترة الماضية للعمل على إعادة الانخراط في مسار السلام، وإطلاق عملية تفاوضية جادة وبناءة تستهدف التوصل لتسوية شاملة وعادلة على أساس حل الدولتين، تضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

ليس سينمائياً

لم يكن هروب ستة أسرى فلسطينيين من سجن «جلبوع» الإسرائيلي شديد الحراسة، كما قال عبد الله السناوي في “الشروق”، مشهدا هوليووديا مقتطعا من شرائط سينما، بقدر ما كان تعبيرا حقيقيا عن إرادة شعب قابع تحت الاحتلال، ينهض مرة بعد أخرى كالعنقاء من تحت الرماد، ليؤكد حقه في الحياة والحرية. الرموز أهم من الوقائع والسياق يضفي عليها معانيها ورسائلها إلى المستقبل المنظور، حيث يوشك الشرق الأوسط أن يدخل مرحلة جديدة بالانسحاب الأمريكي المتوقع من العراق. نحن أمام خرائط متحولة واتصالات، واجتماعات تجري لإعادة ترتيب الأوراق، حتى لا تفلت التفاعلات على النحو الذي أعقب الانسحاب العشوائي من أفغانستان.
القضية الفلسطينية عقدة الموقف كله، حيث يراد تحجيم إيران بالعودة إلى الاتفاق النووي أو بغيره، وتمكين إسرائيل من التمدد بغير ممانعة كبيرة باسم أحاديث مخاتلة جديدة عن السلام والتطبيع، وقدرتها على ملء الفراغ الاستراتيجي الذي يعقب الانسحاب الأمريكي، بما يحمي مصادر النفط. هكذا فإن حادث الهروب بتوقيته ومغزاه وتداعياته، يتجاوز بكثير وقائعه المثيرة، وملف الأسرى نفسه، إلى مستقبل القضية الفلسطينية بكل ملفاتها المعلقة، القدس والمستوطنات وطبيعة الدولة المقترحة وحق العودة المنصوص عليه في القوانين الدولية، ولا يملك أحد حذفه بجرة قلم. في لحظة تأهب لإعادة ترتيب أوزان القوى في الشرق الأوسط، يؤكد الفلسطينيون الحقيقة الأساسية في اللعبة كلها، أنه لا يمكن المضي في ألعاب ترتيب الإقليم بتجاهل حقوقهم المشروعة. أهم رسالة حملها الهروب الكبير «إننا هنا»، أصحاب قضية وأصحاب حق، ولا يمكن تجاوز قضيتنا بسطوة القهر. بالإصرار والدأب على حفر نفق في زنزانة بملاعق طعام تمكن ستة أسرى من اكتساب حريتهم، رغم المطاردات بالطائرات وحواجز التفتيش في كل مكان، والمداهمات التي لاحقت كل من يفترض أنه على علاقة بهم. كان ذلك معنى رمزيا ملهما لقدرة الإنسان على تحدى جبروت القوة.

هيبة زائفة

“إسرائيل الآن جولييت والفلسطينيون ديفيد.. وأنا مع ديفيد”.. هكذا واجه الموسيقار اليونانى ميكيس ثيودراكيس إسرائيل بحقيقتها، مستلهما القصة التوراتية الشهيرة. ذلك الموسيقار الذي استدعاه عبد الله السناوي، مستعينا هذه المرة بالإرث الإغريقي، فإن إسرائيل المدججة بالسلاح تشبه أسبرطة تحارب شعبا أعزل، نساء وأطفالا. لم يعد ممكنا الادعاء بأن إسرائيل المحاصرة تواجه عالما عربيا لا يريد أن يعترف بحقها في الوجود، الحقيقة الماثلة أنها من يقمع ويقتل، يتوسع ويهجر قسريا، يمارس العنصرية داخل الدولة العبرية نفسها ضد مواطنيها العرب. القضية الفلسطينية اكتسبت زخمها من عدالتها، وقد جسد ثيودراكيس، الذي رحل قبل حادث الهروب بساعات قليلة، رمزيتها في مواقفه المناصرة، فوحدة المصير الإنساني تلهم أحرار العالم. فكرة المقاومة داخل الأراضى الفلسطينية المحتلة تكتسب مشروعيتها من القوانين الدولية، رغم فوارق القوة مع سلطات الاحتلال. بقوة الرموز والمعاني بدا الفلسطينيون في الضفة الغربية وغزة وخلف الجدار والمخيمات والشتات موحدين وجدانيا مع الأسرى الستة الذين اكتسبوا حريتهم بالأظافر، يوزعون المشروبات والحلوى في الشوارع احتفالا بالحدث ومغزاه، لا يحفلون كثيرا بأي تنظيم سياسي ينتسبون، فهم فلسطينيون أحرار من حقهم الحرية. أحد الأسباب الإضافية للاحتفاء الفلسطيني بالهروب الكبير هو كسر هيبة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وإثبات عجزها أمام إرادة الحياة والحرية، بقدر كسر هيبة منظومتها الدفاعية أمام صواريخ المقاومة الفلسطينية، أثناء الحرب الأخيرة على غزة. المعنى أنها ليست قوية إلى حد الاستهانة بحقوقنا ووجودنا نفسه، وأننا لسنا عاجزين إلى حد الانصياع لما تقرره. الحقائق الفلسطينية أكدت نفسها بوحدة وجدان جماعي تشبه ما جرى أثناء الانتفاضة التلقائية دفاعا عن المسجد الأقصى أمام محاولات اقتحامه من جماعات المستوطنين، كما في الشيخ جراح، دعما لأهله ضد محاولات تهجيرهم قسريا. كان ذلك دليلا مستأنفا على «وحدة الشعب والقضية» رغم الشقاق والانشطار بين «فتح» و«حماس»، فالقضية أكبر من الفصائل، ولا يمكن تجاوزها بالتدليس والتخاذل.

نجحوا والسلام

التقارير التي خرجت عن سجن الجلبوع الإسرائيلي تقول، إن هناك استحالة أن ينجح معتقل واحد في الهروب من خلف أسواره، ومع ذلك يقول عمرو الشوبكي في “المصري اليوم”، هؤلاء ليسوا مساجين عاديين إنما هم 6 فلسطينيين أسرى حرب بين سلطة احتلال وشعب يقاوم بالسلم والعنف لتحقيق حريته واستقلاله. لقد استغل الأسرى الستة فتحة في مبنى السجن كانت في أساسات المبنى أسفل الأرض، وحفروا النفق الذي خرجوا منه إلى خارج أسوار السجن. واللافت أن مصلحة السجون الإسرائيلية أعلنت عند إنشاء هذا السجن في 2004 أنها «استخلصت العبر من محاولات الهرب في سجني مجدو وشطة.. ولن يهرب أحد من جلبوع». وتبين من التحقيقات أن الفلسطينيين الستة – الذين ينتمى 5 منهم لتنظيم الجهاد، وواحد لكتائب شهداء الأقصى، الجناح العسكري لحركة فتح – هربوا في نحو الساعة الواحدة، وأن اكتشاف هروبهم كان في الساعة الثالثة فجرا من قبل مزارعين إسرائيليين يعملون في مناطق زراعية على بعد عدة كيلومترات من السجن، أي أن إدارة السجن الأكثر تحصينا لم تعرف بهروبهم إلا بعد ساعتين، ومن مواطنين إسرائيليين.

عاصمتها القدس

تاريخيا، والكلام ما زال لعمرو الشوبكي، غالبية الهاربين من السجون ليسوا أصحاب قضية عادلة، فكثير من زعماء المافيا والعصابات الكبرى نجحوا في الهروب من السجون بتواطؤ في أغلب الأحيان مع السجان، كما أن السينما العالمية كانت حافلة بقصص الهروب لمئات المساجين في قالب مليء بالإثارة والتشويق، لكن هذه المرة خرج معتقلون أصحاب قضية ورغم أنف سجانيهم المحتلين، كما أن إصرارهم على حفر نفق استمر لأشهر، بكل ما يمثله ذلك من مخاطرة كبرى في حال انكشافهم، عكس رغبة عميقة في الحياة الحرة، ومواجهة المحتل مهما كان الثمن. ستظل إرادة الشعوب أقوى من جبروت وظلم الاحتلال، وإن القضية ليست في فرص نجاح الفلسطينيين الستة في الهروب الدائم من قبضة الاحتلال (فرص إعادة القبض عليهم ما زالت كبيرة)، إنما في قوة إرادتهم وإصرارهم على مواجهة الاحتلال. يقينا، أن الحياة خارج السجن، ولو مطاردا، أفضل من الحياة داخله، كما أن في هذه الحادثة رسالة للعالم كله بأن سلطة الاحتلال ليست في مأمن، مهما بَنَتْ من سجون شديدة الحراسة، ومهما استمرت في قمعها لنضال الشعب الفلسطيني في الاستقلال والحرية. إن هروب الأسرى الفلسطينيين الستة من سجن الجلبوع لن يُنهى الاحتلال، ولكنه سيُساهم في إضعافه، والتأكيد على أن إرادة الشعوب لا تُواجه بالقمع والسجون، وإنما بإعادة الحقوق لأصحابها. قوة الإرادة التي جسدها الفلسطينيون الستة هي جزء من إرادة النضال الفلسطيني، سواء في غزة أو الضفة الغربية أو بين عرب إسرائيل، من أجل الحرية وبناء دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، وحصار سلطة الاحتلال.

سنحررها يوماً

أهم ما كشفت عنه واقعة الهروب الكبير التي نفذها 6 أسرى فلسطينيين من وجهة نظر محمود الحضري في “البوابة”، أن هناك وهما اسمه «القوة الصهيونية» في الأراضي الفلسطينية تحت الاحتلال، بل أقل ما يقال عنها إنها بالونة أمنية إسرائيلية ضعيفة، يفضها ويفرغها دبوس صغير. الوقائع التي جرت ليست فيلما سينمائيا، أو من خيال مؤلف ولمسات مخرج، بل هو واقعة حقيقية، من أسرى فكروا وخططوا واستخدموا أقل القليل المتاح لديهم من أدوات، ليثبتوا للعالم أن المعركة مع الاحتلال ليست في حمل البندقية والمدفع، بل في كشف عوراته، وإذلال قوته الغاشمة ضد من هم تحت قوى الاحتلال، وأن البحث والوصول إلى تحقيق الحرية معها هو فعل قائم، ولن يتم توقف البحث عنه وتحقيقه. ما جرى من أسرى سجن جلبوع هو عملية إذلال لهذا المحتل المتغطرس، الذي يعتبر نفسه قوة لا تقهر، فإذا بسجناء في زنازين ضيقة، محدودة المساحة، ووسط حراسات شديدة استطاعوا أن يجدوا لأنفسهم منفذا نحو الحرية، واستخدام أدوات بسيطة، ليظلوا شهورا في حفر نفق من قلب الزنازين إلى خارج أسوار السجن. وفي اللحظة المناسبة والتوقيت الأنسب، خرج الأسرى الستة لنسيم الحرية، ليخرجوا ألسنتهم لهذا العدو الذي يستخدم كل أدوات التأمين في سجونه الحصينة، وشديدة الحراسة، فقد استغرقت عملية الهروب، أو قل لفظ أدق «الفرار» 19 دقيقة ليبتعدوا عن سجن جلبوع الإسرائيلي، ويصلوا في موقع آمن ما زال مجهولا حتى الآن عن الأمن والمخابرات الإسرائيلية.

ذل الإسرائيليين

واقعة الفرار المُذلة للأمن الإسرائيلي وفق رأي محمود الحضري، دفعت رئيس وزراء إسرائيل نفتالى بينيت، ليخرج ويصف حادث الهروب بأنه «حدث خطير»، مضيفا – بعدما أجرى اتصالات مع وزير الأمن الداخلي عومر بارليف – «إن هذا حدث خطير يلزم جميع الأجهزة الأمنية بالتحرك». ووصف مسؤول كبير في الشرطة الإسرائيلية حادثة هروب الأسرى الفلسطينيين من سجن جلبوع بأنه أحد أخطر الحوادث الأمنية بشكل عام. حتما سيأتي يوم تظهر فيه الحقائق التي قام بها الأسرى الستة لتنفيذ عملية الهروب الكبيرة، وستذكر سجلات التاريخ قصصا سيرويها محمود عبدالله عارضة، ومحمد قاسم عارضة، ويعقوب محمود قادرين وأيهم نايف كممجي، وزكريا الزبيدي، ويعقوب انفيعات- وأغلبيتهم محكوم عليهم بأحكام مدى الحياة، وسيروون كيف انتزعوا حرياتهم – ولو لبعض الوقت – من بين متاريس ومدافع الاحتلال، ليقولوا للعالم نحن أقوى من قوى الصهيونية والعدو الإسرائيلي المحتل. وضعف الأمن الإسرائيلي جسدته قيام إدارة السجون بمجموعة من الإجراءات العقابية، التي قامت بها ضد الأسرى في سجونها، بإغلاق منافذ بيع المواد الغذائية في السجون، وإعادة توزيع الأسرى وفق انتماءاتهم السياسية الفلسطينية، بل وصل الأمر إلى إغلاق أقسام أسرى الجهاد الإسلامي وتوزيعهم على السجون، وسط مخاوف وتحذيرات من موجات تصعيد خطيرة وسط الإجراءات العقابية على الأسرى، بينما يرتعد الأمن من عمليات مشابهة. وهذا الهوان الإسرائيلي، الذي كشفته عملية الفرار الكبرى، قيام سلطات الاحتلال بعمليات استدعاء لعائلات الأسرى يؤكد أن هذه الهالة – التي تحيط إسرائيل بها نفسها، مجرد وهم، وأنها أضعف من «بيت العنكبوت».
قد لا نحتمل

يرى مرسي عطا الله في “الأهرام”، أن القدرة على تحمل المسؤولية وحتمية الإيمان بأداء الواجب قبل المطالبة بالحق هو أهم ما يغيب عن السلوك العام في وطننا منذ سنوات بعيدة، وما زالت هذه القدرة غائبة حتى اليوم عن قطاعات عريضة من المجتمع، أغلبها يتحدث عن الأماني المشروعة والأحلام الوردية من مقاعد المتفرجين وبسياط الناقدين، دون أن يقدم دليلا على أنه يستشعر أهمية تحمله للمسؤولية كمفتاح ومدخل للتعلق بالأماني والاستغراق في الأحلام. ما يجري على أرض مصر في السنوات الأخيرة بإرادة سياسية صلبة، ربما يشكل خطوة مهمة على طريق طويل سعيا للوصول إلى بوابة المعجزات، ولكن بقية الخطوات ترتبط بمدى قدرة الشعب على تحمل المسؤولية باستحداث سلوكيات إيجابية لدعم الإرادة السياسية، وحماية كل ما يتم إنجازه من العبث والفوضى اللذين يمثلان أخطر آفات، وأبرز أعراض غياب المسؤولية الكامنة عند الفرد إزاء المسؤولية الواجبة تجاه الوطن. لا أتجاوز الحقيقة إذا قلت: إن مصر خاضت في السنوات الأخيرة مع حكم الرئيس السيسي تجارب صعبة فيها كثير من القسوة والشدة الاجتماعية لكلفتها العالية لكن كل تجربة منها وفقا لمعطياتها ونتائجها الأولية حتى الآن تمثل تحديا للمستحيل.

أسباب الفوضى

يواصل مرسي عطاالله قائلا، إن المضي قدماً في تجربة الإصلاح وجني ثمارها لن يضمن استمرارها سوى نمو وتصاعد الشعور الصادق لدى كل فرد من أفراد المجتمع، بالقدرة على تحمل المسؤولية في حماية وصيانة ما تحقق على الأرض. ربما يساعد على فهم ما أقول ذلك الاقتباس من مقال شهير قرأته في طفولتي على صفحات مجلة “الاثنين والدنيا”عام 1951 للفنان القدير يوسف وهبي يقول فيه: عندما كنت أمضي إجازة العام الماضي في أوروبا زرت لندن واستأجرت شقة مفروشة لإقامتي، وما أن وضعت حقائبي فيها حتى زارني مستأجر الشقة العليا وسألني عن مواعيد نومي ويقظتي.. ودهشت في مبدأ الأمر ولكنني بعد أن عرفت السبب أيقنت أن نجاح هذه المجتمعات الأوروبية في حياتها الاجتماعية يعود بلا ريب إلى معرفة كل فرد منهم بما له وما عليه.. لقد كان سبب الزيارة والسؤال أن جاري يرغب في تنظيم مواعيد لعب أطفاله بالحديقة بحيث لا تقع في أوقات نومي فتضايقني.. وهذه الواقعة يستعيدها ذهن الكاتب باستمرار كلما وقع بصره على أوجه الفوضى في حياتنا. إن نجاح الدولة من نجاح الفرد ونجاح الفرد يتوقف على سلوكه ومدى احترامه لحقوق الغير.

قرار مصيري

قرار حكومي يرى جلال عارف في “الأخبار”، أنه ينبغي أن يتعاون الجميع لتنفيذه على خير وجه.. بعد شهور وابتداء من مارس/آذار المقبل، لن يكون هناك مجال لاستيراد بضائع أجنبية إلا بالمواصفات التي تطبق في أوروبا. هذا قرار يصلح أوضاعاً خاطئة استمرت سنوات طويلة منذ أن تركنا الحبل على الغارب مع الانفتاح العشوائي الكارثي. في ظل هذا الانفتاح العشوائي، تحول السوق المصري إلى «مكب» لنفاية البضائع الأجنبية، لتطرح بكميات هائلة وأسعار قليلة تضرب الصناعة الوطنية في مقتل، وتحقق للسماسرة والغشاشين ثروات هائلة على حساب المستهلك، الذي يدفع في النهاية ثمن كل الأخطاء، ويجد نفسه ضحية لعبة فاسدة يشتري فيها سلعة رديئة تفقد صلاحيتها للعمل بعد أيام، أو تتسبب في خسائر أفدح، كما رأينا في سنوات سابقة مع ما سببه استيراد إسمنت فاسد أو حديد لا يصلح للبناء أو مواسير وتوصيلات كهربائية «أدت لكوارث». لقد تخلصنا من سلبيات كثيرة للاستيراد العشوائي الذي أضر بالصناعة الوطنية وبالمستهلك معاً. أغلقت أبواب الربح الحرام أمام مستوردي الأغذية الفاسدة، وأمام محترفي إغراق السوق لصالح المنتج الأجنبي ولو كان الثمن إغلاق آلاف المصانع، كما حدث في قطاع النسيج والملابس الذي بدأ يسترد عافيته. تخلصنا من الكثير لكن بقي السوق متاحاً أمام طوفان السلع المستوردة بأردأ المواصفات، وهو الأمر الذي ينتهي مع القرار الجديد الذي يدخل حيز التنفيذ في مارس/آذار المقبل، والذي لا يسمح بدخول السلع المستوردة إلا إذا كانت بمواصفات أوروبية. المستهلك المصري يستحق الأجود من كل السلع. والصناعة المصرية عليها أن تنافس الإنتاج المستورد الجيد، بما هو أفضل وأقل سعراً. هذا هو التحدي الحقيقي الذي لا بد أن نربحه.. وسنربح السباق لأن صناعتنا بخير حين ننحاز جميعاً لكل ما «صنع في مصر» وحين نقف بحزم ضد السمسرة والفهلوة والإنتاج العشوائي الذي دفعنا فواتيره الباهظة من «اللحم الحي» كما يقولون.

آفة قديمة

اعتبر المستشار بهاء أبو شقة رئيس حزب الوفد تعطيل القوانين، كارثة تصيب الحياة بالشلل والفوضى والاضطراب، وتجعل الناس في حيرة من أمرهم، وتخلق أزمة حقيقية بين المواطن والسلطة التنفيذية، على مستوياتها كافة، لأن ذلك يعطل المصالح وينشر الروتين والبيروقراطية، وكل الظواهر السلبية، التي تنشر الآفات في المجتمع.. واستكمالاً للقوانين غير المفعلة التي تصيب بالكوارث، نتحدث اليوم عن القوانين والقرارات المنظمة لاستصلاح الأراضي، وكلنا يعلم أن هناك مساحات كبيرة من الأراضي الصحراوية، تم بيعها خلال المرحلة الزمنية الماضية في زمن الفساد الذي استشرى، وكلنا يعلم أن هذه الأراضي تم بيعها برخص التراب، وإن جاز التعبير قلنا إن هناك مساحات شاسعة من هذه الأراضي خاصة الواقعة على الطريق الصحراوي بين القاهرة والإسكندرية، ولم يتم استغلالها الاستغلال الأمثل.. والمعروف أن هذه الأراضي عندما طرحتها الدولة للبيع، استولى عليها قلة من رجال الأعمال، ولم يقوموا بزراعتها طبقا للعقود المبرمة معهم.. لا يخفى على أحد أن آلاف الأفدنة التي تم الاستيلاء عليها، قام أصحابها بتقسيمها إلى مساحات صغيرة، بعد بناء مبنى صغير عليها بزعم أنه «فيلا»، وبدأت عمليات التجارة فيها بملايين الجنيهات.. والغريب في الأمر أن الذين اشتروا هذه الأراضي، غالبيتهم لم يسددوا الأموال البخسة للدولة، رغم المكاسب المالية الضخمة التي حققوها من وراء بيع الأرض.. ونعرف أيضاً أن معظم حائزي هذه الأراضي آلت إليهم ملكيتها بطرق ملتوية.. ولأن القوانين المنظمة لذلك معطلة وغير مفعلة، وجدنا هذه الفئة من الناس قد تحايلت على الدولة في زمن الفساد، وتملكت مساحات كبيرة من الأرض بهدف الزراعة.

أستاذة واشنطن

لم يغب عن مخيلة الدكتورة منار الشوربجي في “المصري اليوم” طوال الأسبوع الماضي تلك العبارة اللافتة التي قالها وزير الخارجية الأمريكي في لقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالى بينيت. فعندما روج الأخير لاستقرار الحكم في إسرائيل حاليا، بعدما شكل حكومته الائتلافية التي تضم أطرافا من اليمين واليسار، علق وزير الخارجية الأمريكي قائلا إن «هناك ما يمكننا أن نتعلمه منكم ونحن نتطلع لأن تعلمونا إياه». فإسرائيل، عند الوزير الأمريكي نموذج للديمقراطية التي تحتفي بالتعددية وتقبل فيها الأطراف المختلفة العمل معا، مهما كانت اختلافاتهم السياسية. وتبني إدارة بايدن لتلك الفكرة، التي روج لها لوبي إسرائيل في واشنطن، عشية الزيارة، هو بمثابة المزيد من التأكيد على أن القضية الفلسطينية تأتي في ذيل أولويات الإدارة التي لن تُقدم، على الأرجح، إلا على «إدارة الصراع» لا تسويته، غير أن حكاية «النموذج الإسرائيلي» تلك لم تكن وحدها على أجندة لوبي إسرائيل. فلم يكن أقل دلالة أن اللوبي، بمنظماته وشخوصه كافة، تبنى علنا وضمنا رسالة مؤداها أن بايدن أكثر احتياجا لبينيت من احتياج الأخير له. فزيارة بينيت جاءت في خضم عملية الانسحاب من أفغانستان، وفور التفجير الذي طال محيط مطار كابول. ومن هنا كان مضمون الرسالة أن عملية الانسحاب خصمت من مصداقية أمريكا وثقة حلفائها ببايدن. وبايدن يحتاج للتحالف مع إسرائيل، ليستعيد ثقة باقي الحلفاء.

حرب وشيكة

الحقيقة التي انتهت لها الدكتورة منار الشوربحي، أن إسرائيل كانت من بين أكثر الدول معارضة للانسحاب الأمريكي من أفغانستان، لأنه كان يضفي الشرعية على الاحتلال الإسرائيلي. غير أن اللوبي سعى للاستفادة من الانسحاب، عبر عقد مقارنة تستغل الفشل الأمريكي في أفغانستان كفرصة للهجوم على الفلسطينيين، وتبرير المزيد من الطلبات الإسرائيلية، والتأكيد على إطلاق يد إسرائيل في اتخاذ القرارات التي تناسبها. فقد كتب أحد رموز اللوبي قائلا، إن أمريكا فشلت في بناء الديمقراطية في أفغانستان «مثلما فشلت إسرائيل في بناء نظام حكم فلسطيني ديمقراطي». وكتب آخر ليعقد مقارنة أخرى بين طالبان وكل من حزب الله وحماس، مشيرا إلى أن أكثر ما يؤرق إسرائيل هو أن الولايات المتحدة «حين تفاوضت مع طالبان تخلت عن تدخلها دوليا من أجل دعم الديمقراطية». ومن ثم، فإن الدول الحليفة صار عليها ضرورة الاعتماد على نفسها فقط لحماية مصالحها وأمنها. وقد استُخدم ذلك المنطق كمبرر لمطالبة بينيت بزيادة المساعدات الأمريكية والحصول على المزيد من الأسلحة الأكثر تقدما. أكثر من ذلك، كان وراء هذا المنطق ذاته، على ما يبدو، رسالة ضمنية مؤداها أن إسرائيل لن تنتظر الموافقة الأمريكية عند توجيه ضربة لإيران. وتلك الرسالة الأخيرة من الخطورة بمكان إذا ما وضعت في سياق ما حدث في إسرائيل قبل أسابيع من زيارة بينيت. وقتها تم استدعاء سفراء الدول الأعضاء في مجلس الأمن لدى إسرائيل للاجتماع بوزيري الدفاع والخارجية الإسرائيليين. وفي الاجتماع، قال الوزيران إن التقديرات الإسرائيلية تقول إن إيران إذا استمرت بالوتيرة الحالية التي تسير بها في تخصيب اليورانيوم، فإنها ستصبح دولة نووية في غضون سبعين يوما. لذلك، فإن السؤال الأهم على الإطلاق، بعد الزيارة، هو ما إذا كانت إسرائيل ستقدم قريبا على توجيه ضربة للمنشآت النووية الإيرانية، دون التشاور المسبق مع واشنطن التي تريد إحياء الاتفاق النووي مع إيران.

نجني الثمار

بعض الناس يتصور كما أشار إليه فاروق جويدة في “الأهرام”، أننا يمكن أن نعتاد على القبح كما أعتدنا أن نعايش الجمال.. والفرق كبير أن تفتح عينيك على حديقة أو أن تشاهد مقلب زبالة أو أن تذهب إلى مكان يتكدس الناس فيه، أو أن تدخل مكانا راقياً نظيفا، ونحن نعتاد علي الأشياء.. وهناك إنسان تعلم أن يكون مهذباً مترفعاً في كلامه وحديثه ومعاملاته.. وهناك من اعتاد أن يكون فجاً رخيصاً، والفرق مجرد كلمه بسيطة اسمها الأخلاق.. والفرق أن هناك إنسانا أحسن الأهل تربيته وسلوكه وإنسانا آخر فسدت أخلاقه ولم يجد من يرشده.. وهناك مناخ يروج للقبح ومناخ آخر يصنع الجمال، في الفن يوجد صوت جميل وصوت قبيح.. وهناك أخلاق نبيلة وأخرى قبيحة.. والأنهار أحيانا تتلوث والقلوب يصيبها الترهل والخمول.. وهناك وجوه تشع بالنور ووجوه أخرى معتمة.. والإنسان هو الذي ينشر القبح كلاماً وصورة وفعلاً، وهو صانع الجمال والبهجة.. وأحيانا تقتحم خفافيش القبح حياة الناس وتتغير الألوان والوجوه والملامح، وتطل على الأفق أشباح مخيفة تشبه البشر، ولكنها في الحقيقة مجرد أسماء وعناوين.. لأن القبح كثيراً ما يكذب ويرتدي أثواب الجمال، ولكن الحقيقة سرعان ما تظهر لا تتعامل مع القبح، حتى لو غير ثيابه ألف مرة.. إن الفن القبيح سيبقى مرفوضا حتى لو وجد من يروج له.. والكلام الساقط لن يجد مكانا في ساحة الأخلاق والترفع، وتجار الرذيلة لن يجدوا مكانا في ساحة الفضيلة حتي لو غيروا مئات الأقنعة.. وأصوات النفاق لن تكون صوتاً للحق ومن زرع الصبار لن يجني ثمار النخيل.. وعلى الإنسان أن يحسن الاختيار في حياته وهل يزرع النخيل أم يزرع الحشائش.. كل إنسان في هذه الحياة يجني ثمار ما غرس قبحاً أم جمالاً فضيلة أم رذيلة.. وقبل ذلك هل اختار الأخلاق طريقا أم سلك النفاق موطناً وملاذاً.

لا تغضبوا

دعا محمد بركات في “الأخبار” بألا نسمح لمشاعر الغضب والإحباط وردود الفعل الساخطة، التي تملكتنا جميعا جراء الأداء المؤسف وبالغ الضعف، للمنتخب القومي لكرة القدم أمام منتخب الغابون، أن تقودنا إلى ضباب الرؤية وغياب الثقة والاستغراق في جلد الذات. وفي يقيني أنه من الخطأ تصور أن ما جرى في هذه المباراة، وفي المباراة السابقة لها مع منتخب أنغولا من فقر واضح في الأداء، رغم الفوز الهزيل بهدف يتيم، هو التعبير الصحيح أو الترجمة الواقعية، لوضع وقيمة مصر على الخريطة الرياضية لكرة القدم الأفريقية. ومن الخطأ الجسيم كذلك أن يتصور البعض، أن ما جرى في هاتين المباراتين يمثل حقيقة الإمكانات الكروية المصرية، على المستويين القاري والدولي، انطلاقا من مقولة «ليس في الإمكان أفضل مما كان»، ذلك غير صحيح بالمرة. وفي هذا الإطار، أرى ضرورة أن نسعى للخروج الإيجابي والسريع، من حالة الغضب الشديد والسخط البالغ التي تملكتنا، جراء المستوى المتواضع جدا الذي ظهر فيه منتخبنا خلال المباراتين. وعلينا أن ندرك أننا لا نملك رفاهية الوقت، حيث أن المسابقة تجري بالفعل والتصفيات جارية حاليا، ولذا يجب أن ننتهي من اختيار وتحديد المدرب الجديد، إن لم نكن قد انتهينا من ذلك بالفعل خلال الساعات الماضية. ليس هذا فقط، بل علينا أن نبدأ فورا في البحث الجاد والدراسة الموضوعية والعلمية الواعية، للأسباب التي أدت بنا إلى ما نحن عليه الآن من ضعف عام لمنظومة كرة القدم المصرية، التي أصبحت في حالة يرثى لها بشهادة الخبراء. وعلينا ونحن نفعل ذلك أن ندرك أننا في زمن تحولت فيه كرة القدم في العالم كله، من مجرد رياضة للتسلية، إلى صناعة كاملة وشاملة قائمة على أسس فنية وإدارية ، بعيدا عن العشوائية والمجاملات وغياب الكفاءة والفساد المالي والإداري.

تفاءلوا

من بين الداعين للتفاؤل عادل السنهوري في “اليوم السابع” يقول: تابعت زيارة الرئيس السيسي إلى ميناء الإسكندرية بالأمس ضمن زياراته المتكررة للوقوف على عملية التطوير الضخمة التي تجري في الميناء التجاري الأقدم في مصر، وهي عملية تطوير شاملة للميناء ليصبح بلغة الأرقام واحداً من أكبر موانئ البحر المتوسط، من حيث التطوير وتطبيق النظم التكنولوجية الحديثة والمناولة، وربما تدفع عمليات التطوير التي تتجاوز الـ 8 مليارات جنيه، إلى أن يصبح ميناء الإسكندرية واحداً من أكبر 9 موانئ عالمية مع ميناء هامبورغ الألماني وميناء أنتويرب البلجيكي وروتردام الهولندي ولوس أنجلس الأمريكي وميناء دبي وقوانتشو الصيني وبوسان الكوري وميناء هونغ كونغ، وليس هناك وقت للندم والبكاء على اللبن المسكوب في تأخير عملية تطوير الموانئ التجارية المصرية، التي تقع على أهم بحرين حيويين للتجارة العالمية وهما البحر الأحمر والبحر المتوسط، تطوير هذه الموانئ قبل 30 عاما كان يمكن أن يقود عملية تنمية اقتصادية شاملة لمصر، التي تقع في موقع جغرافي متميز في وسط العالم ويمر من خلال شريانه الحيوي في قناة السويس حوالي 12% من إجمالي التجارة العالمية. فهناك موانئ نعرفها جيدا ساهمت في تطوير مدن ودول، بل ذاعت شهرة الميناء عن المدينة التي يقع فيها. وكان يمكن أن يحدث ذلك في مصر التي لديها حوالي 15 ميناء تجاريا أهمها على البحر المتوسط ميناء الإسكندرية ودمياط وبورسعيد، وعلى البحر الأحمر السويس والعين السخنة، إضافة إلى الموانئ الأخرى، والكثير من الموانئ النوعية مثل الموانئ البترولية والموانئ التعدينية والموانئ السياحية وموانئ الصيد. لكن غابت الرؤية والإرادة والطموح أيضا للأسف. وأكد الكاتب على أن الرئيس السيسي يجاهد منذ توليه الحكم لاختزال الوقت في عملية التطوير للموانئ المصرية في إطار عملية تنمية شاملة متزامنة للبنية الأساسية لمصر من طرق وجسور وسكك حديدية، وتطوير شبكة الاتصالات وفقا للمعايير العالمية وبما يحقق أهداف التنمية المستدامة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية