صورة ارشيفية لواحدة من المسيرات النضالية داخل أراضي 48 التي باتت محظورة اليوم
الناصرة- “القدس العربي”: تتناول ورقة موقف صادرة عن مركز “مدى الكرمل للدراسات الاجتماعية التطبيقية” في حيفا، داخل أراضي 48، أدوات كم الأفواه، والإخراس والترهيب تجاه فلسطينيي الداخل من قبل السلطات الإسرائيلية في ظل الحرب على غزة، بغية منعهم من التعبير عن مواقف معارِضة لها، ورافضة للقتل والدمار ومسانِدة للمدنيين الغزيين.
ترى الورقة أن تعريف الحكومة الإسرائيلية للحرب على أنها حرب وجودية وحرب على البيت، أو “حرب الاستقلال الثانية”، على حد تعبير نتنياهو، والأزمة الأمنية والسياسية التي تعيشها إسرائيل، منذ السابع من أكتوبر، يوفران معًا أرضًا خصبةً لإخراس أي صوت مُعارض للحرب وللقتل وللدمار، ولقمع المجتمع الفلسطيني والتعامل مع أفراده كأعداء.
تعريف إسرائيل للحرب على أنها حرب وجودية وحرب على البيت، أو “حرب الاستقلال الثانية”، والأزمة الأمنية والسياسية التي تعيشها إسرائيل، منذ 7 أكتوبر، يوفران معًا أرضًا خصبةً لإخراس أي صوت معارض للحرب وللقتل
تستغل الحكومة حالة الصدمة والحرب، والأزمات الناجمة عنهما، وحكومة الطوارئ التي شكلتها، لمحو الهامش السياسي الذي استخدمه الفلسطينيون في إسرائيل لممارسة أبسط حقوقهم، ولفرض حدود جديدة للتعبير والعمل السياسي، وذلك بواسطة طرح اقتراحات وتعديل قوانين وتبنّي سياسات تسهّل على الرقابة السياسية العمل، وتزيد من التحريض على المواطنين الفلسطينيين، وتتيح إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين.
ويوضح “مدى الكرمل” أنه منذ الأيام الأولى للحرب، بدأت المؤسسات الأمنية الإسرائيلية بسياسات إخراس الأصوات المعارِضة للحرب داخل المجتمع الفلسطيني، بمشاركة الإعلام الإسرائيلي والمؤسسة السياسية وعامة الناس في المجتمع الإسرائيلي، وباتت كل مقولة أو تصريح أو تغريدة في مواقع التواصل الاجتماعي تعبّر عن موقف مبدئي مُعارِض للحرب، وضد قتل المدنيين، أو تتعاطف مع سكان غزة، أطفالًا ونساءً وشيوخًا، تُعدّ موقفًا داعمًا لـ “حماس”. وتدلّل على ذلك بالقول: “تُرجِم هذا بواسطة حملات توقيف لعدد من المواطنين العرب بتهمة دعم الإرهاب أو تأييد “حماس”. وقد اعتقلت الشرطة الإسرائيلية العشرات، وأكثر، منهم بحجة نشر تغريدات داعمة لغزة أو متعاطفة معها، من بينهم أشخاص مؤثرون في وسائل التواصل الاجتماعي، وقيادات محلية، منهم دكتور عامر الهزيل، المرشح لرئاسة بلدية رهط، وفنانون مثل الفنانة دلال أبو آمنة، والممثلة ميساء عبد الهادي. ومنهم أئمة مساجد، ومنهم أعضاء في الطواقم الطبية يعملون في المستشفيات الإسرائيلية”. وينوه أن المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية قامت بتحذير عدد كبير من الطلبة العرب، وتعليق تعليم بعض منهم، أو طردهم، بسبب نشر مواقف معارِضة للحرب ومتعاطفة مع أطفال غزة.
هذه الملاحقة طالت أيضًا محاضرين عربًا في الجامعات الإسرائيلية، وملاحقات ضد موظفين عرب في أماكن عمل إسرائيلية عديدة، منها مؤسسات تعليمية ومؤسسات طبية، وتجاه طلبة عرب يقيمون في مدن يهودية. وقد طُرِد فعلًا عدد من الموظفين العرب من أماكن عملهم نتيجة ادعاءات بشأن نشر مواقف متعاطفة مع سكان غزة ورافضة للحرب، كما حدث مثلًا مع دكتور عبد سمارة، مدير وحدة العناية المكثفة للقلب في مستشفى هشارون في ﭘـيتح تكـﭭـا، وآخرين.
يشار إلى أنه بالتعاون مع هيئة الطوارئ العربية، المنبثقة عن “لجنة المتابعة العليا”، نشر مركز “عدالة”، في 27/10/2023، تقريرًا وثّق فيه 161حالة (لا يشمل ذلك شرق القدس) لإجراءات قانونية جنائية تجاه مواطنين عرب، وذلك على “خلفية تعبيرهم عن آرائهم في ما يخص الأحداث الجارية في البلاد”. وقد تراوحت الإجراءات القانونية بين استدعاء لتحقيق، واعتقال، وتقديم لوائح اتهام وطلبات اعتقال حتى انتهاء الإجراءات القانونية، واستدعاء “لمحادثات تحذيرية” من قِبل الشرطة أو جهاز الأمن العام (“الشاباك”). وفقًا لتقرير “عدالة”، كان ثمة 58 حالة اعتقال وتحقيق تمحورت حول منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. وكان هناك 22 حالة اعتقال على أثر المشاركة في وقفات احتجاجية. وقد بلغ عدد الإقالات من أماكن العمل، وفقًا لتقرير لجنة الطوارئ العربية، 82 حالة.
تستغل حكومة الاحتلال حالة الصدمة والحرب، والأزمات الناجمة عنهما، وحكومة الطوارئ التي شكلتها، لمحو الهامش السياسي الذي استخدمه الفلسطينيون لممارسة أبسط حقوقهم
وفقًا لتقرير “عدالة”، معظم الشبهات التي دارت حولها التحقيقات كانت المخالفة لقانون العقوبات، على نحو “تصرّف غير لائق قد يؤدي إلى الإخلال بالأمن العام”، والمخالفة لقانون مكافحة الإرهاب، نحو: “التحريض على الإرهاب” و”التماهي مع منظمة إرهابية”. وقد أُطلق سراح معظم الأشخاص الذين حُقق معهم أو اعتُقِلوا فورًا بعد التحقيق، ضمن وضع شروط مقيدة نحو: الحبس المنزلي؛ الإبعاد؛ الكفالات والضمانات المالية. إلى جانب ذلك، قُدمت 11 لائحة اتهام ضد مواطنين فلسطينيين على خلفية منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. جميع لوائح الاتهام تشمل مخالفات بحسب قانون مكافحة الإرهاب الذي صُدق عليه عام 2016، نحو: “التحريض على الإرهاب”، “التماهي مع منظمة إرهابية”.
وفي هذا الصدد، نشرت الهيئة المشتركة للكتل الطلابية (التي تضم تحت سقفها 26 كتلة طلابية عربية من مختلف الجامعات والكليات الإسرائيلية، وتعمل تحت مظلة اللجنة العربية للطوارئ) أن هناك أكثر من مئة طالب عربي في المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية جرى تحويلهم إلى لجان الطاعة في مختلف المعاهد العليا، بالإضافة إلى مئات المنشورات التحريضية على مئات الطلبة، من خلال زملاء لهم في الجامعات، وسط تواطؤ وتعاون الجامعات والكليات والنقابات الطلابية فيها. وقد بلغ هذا التحريض ذروته في الاعتداء على الطلبة في مساكن الطلبة في كلية نتانيا، وتعرض حياتهم للخطر، وإجلائهم عن مساكنهم، على أثر محاصرة مجموعة من المواطنين اليهود للمساكن وتهديدهم الطلبة العرب، دون أي تحمل لمسؤولية في ما يخص أمن وأمان الطلبة.
ويقول “مدى الكرمل” إنه منذ أن تولى بن غفـير منصب وزير الأمن القومي، حدد علنًا وبوضوح أن مهمته الأساسية هي منع وقوع أحداث مشابهة لِما حصل خلال “حملة حامي الأسوار” عام 2021، وأنه سيتعامل مع أي احتجاج بيد من حديد، وأن مهمته الأساسية هي التعامل مع الخطر الماثل من المجتمع الفلسطيني، وتعامل مع المواطنين الفلسطينيين كتهديد أمني على إسرائيل على نحوٍ علني. ويرى بن غفـير أنه بإمكان استغلال حالة الحرب والطوارئ لتنفيذ سياسته تجاه المجتمع الفلسطيني دون عوائق.
ويؤكد “مدى الكرمل” أن قمع التعبير عن مواقف سياسية معارِضة للحرب توسع في هذه الحرب وطال المؤسسات العربية الجماعية، والعمل العربي اليهودي، مثلما حصل عندما منعت الشرطة الإسرائيلية عقد اجتماع عربي- يهودي دعت إليه “لجنة المتابعة العليا” بتاريخ 26/10/2023 في إحدى القاعات في مدينة حيفا، بمشاركة أكاديميين ومثقفين عرب ويهود.
ويشدد على أن تسهيل حالة القمع السياسي والاعتقالات تحوّل إلى سياسة منهجية من قِبل الشرطة، ومن قِبل النيابة العامة التي عدلت التعليمات والإجراءات لتسهيل عمليات التوقيف والاعتقالات.
وفقًا للإجراءات التي كانت متّبعة قبل إعلان حالة الحرب، تحتاج الشرطة إلى موافقة النائب العام أو أحد نائبيه لتنفيذ اعتقال بتهم التحريض، لكن مع بدء الحرب ألغت النيابة العامة هذا الشرط، وخولت الشرطة أن تفتح تحقيقًا بتهم التحريض دون الحصول على موافقة النائب العام، ويجري الاعتقال وسط حرمان المعتقلين من اللقاء بمحاميهم. علاوة على ذلك، قدم وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفـير، اقتراح قرار للحكومة يقضي بإجراء تغييرات جذرية في تعليمات إطلاق النار الصادرة عن الشرطة.
وطبقاً لـ “مدى الكرمل”، تشهد فترة الحرب حالة تعطيل شبه تام للأدوات الديمقراطية الشكلية المستعملة في إسرائيل، منها حرية التعبير عن الرأي والحق في التظاهر ومعارضة الحرب، وتصعيد خطير في تعامل الدولة والمؤسسات الأمنية والمجتمع الإسرائيلي تجاه المواطنين الفلسطينيين.
من الواضح أنه كلما طال أمد الحرب ستزداد الهجمات والقمع تجاههم، كنوع من أنواع الانتقام تجاه كل من هو فلسطيني، ومحاولة لوضع قواعد سلوك سياسي مختلف للمواطنين الفلسطينيين يحدده الإجماع الصهيوني. من الأدوات المستخدمة في التعامل مع المواطنين الفلسطينيين حتى الآن، يمكن الاستنتاج أن المؤسسة الإسرائيلية تتعامل معهم في أوقات الأزمات الأمنية الحادة على أنهم أعداء، أو على الأقل على أنهم أعداء محتملون، وبِذا يمكن وصف ما يحدث بعودة غير معلنة إلى الحكْم العسكري.
كلما طال أمد الحرب ستزداد الهجمات والقمع، كنوع من أنواع الانتقام تجاه كل من هو فلسطيني
لافتاً إلى أن الحرب الحالية على قِطاع غزة توضح هشاشة المواطنة الممنوحة للفلسطينيين في إسرائيل وخواءها، وخضوعها التام للدوافع والاحتياجات الأمنية، ولاحتياجات الإجماع الصهيوني وشروطه.
ويتابع محذراً: “قد تتحول الإجراءات الإسرائيلية الحالية تجاه المواطنين الفلسطينيين إلى حالة ثابتة بعد الحرب إذا اقتنع الإجماع الصهيوني بأنها تعمل لصالحه، ولا تؤدي إلى رد فعلي، أو تجبي ثمنًا سياسياً. في المقابل، وضحت الحرب فشل الإستراتيجيةِ السياسية الإسرائيلية المعمول بها تجاه القضية الفلسطينية، الإستراتيجية التي عملت على الفصل بين غزة والضفة، وتجاهل الحقوق الطبيعية للشعب الفلسطيني، وتنكرت لحقه في تقرير المصير، ومنعت إقامة الدولة الفلسطينية. لذا، من المتوقع أن تعود القضية الفلسطينية لتكون محورًا أساسيًا في المشهد السياسي والحزبي الإسرائيلي بعد تجاهلها تجاهلًا شبه تام في العقدين الأخيرين”.
ويرى “مدى الكرمل” أن كل هذه التحولات توضح أهمية البدء بوضع تصورات للعمل السياسي الجماعي للفلسطينيين في إسرائيل من الآن تستند إلى قراءة التحول في المجتمع والمؤسسة الإسرائيلية، وإسقاطات الحرب الحالية على المشهد السياسي، والأهم أن تتعامل مع سؤال مضمون ومعاني مواطنة الفلسطينيين في إسرائيل، وعودة القضية الفلسطينية والاحتلال محورين أساسيين في المشهد السياسي.
ويخلص “مدى الكرمل” إلى أن هذه المرحلة توضح أهمية تضافُرِ الجهود والعمل الجماعي، وإقامة مؤسسات نقابية وخدماتية جماعية، وإعادة تنظيم لجان الطلبة الجامعيين، والحاجة إلى كل هذا، في سبيل صدّ سياسة الإخراس والترهيب والملاحقة تجاه الفلسطينيين في إسرائيل.