تبون يكرس العبارة المتداولة شعبياً “لكل رئيس جزائري دستور جديد”

سليمان حاج إبراهيم
حجم الخط
2

الدوحة ـ”القدس العربي”:راهن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون منذ انتخابه خلفاً لسلفه المخلوع عبد العزيز بوتفليقة في 12 كانون الأول/ديسمبر، على تعديل الدستور، واعتبر المسار خطوة من أجل بناء “جمهورية جديدة” على حد وصفه.

الرئيس الذي اعتلى سدة المرادية (مبنى الرئاسة الجزائرية) لم يشذ عن العبارة المنتشرة في الأوساط الشعبية والأكاديمية، القائلة إن لكل رئيس دستور خاص به.

أول دستور للجزائر بعد استقلالها عام 1962 عن فرنسا، وضعه الرئيس الراحل أحمد بن بلة عام 1963 الذي أسس جمهورية ذات حزب واحد، وهو جبهة التحرير الوطني، ويختار كل مرشح قبل أن ينتخب عليه الشعب. ورئيس الدولة فيه قوي الجانب، والمجلس الوطني ينتخب على القوانين الجديدة. وأكد الدستور على حقوق أساسية للكل. لكنه لم يعمر طويلاً بعد أن انقلب عليه وزير دفاعه والرئيس الراحل هواري بومدين عام 1965 وعطل كل المؤسسات، وحتى الدستور.

وبعد انقلاب 19 حزيران/يونيو 1965 أصبح”مجلس الثورة” هو المشرّع الفعلي. إلى غاية صدور دستور 1976 أي دستور الرئيس بومدين الذي كرّس مبادئ النظام البومديْني الاشتراكي الأحادي.

دستور تلك الفترة أكد أهمية النظام الاشتراكي، وأممت معظم الشركات والأراضي الفارغة والتجارة الخارجية.

بعد وفاة الرئيس استمر الشاذلي العمل بالوثيقة مع تعديلات طفيفة، حتى ثورة الشعب في تشرين الأول/أكتوبر 1988 وتوجه الدولة نحو  الانفتاح الديمقراطي، تكرس المسعى عبر دستور الرئيس الشاذلي بن جديد في 23 شباط/فبراير 1989.

تخلى هذا الدستور الذي كان من يوصف رجل الإصلاحات مولود حمروش أحد مهندسيه، عن النظام الاشتراكي للدولة، وعن هيمنة الحزب الواحد على الدولة، وأقر التوجه الليبرالي، وحرية إنشاء الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام.

وفي 3 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 جرى استفتاء شعبي حول دستور الشاذلي بن جديد، ونال موافقة الشعب، وشكّل تحولاً سياسياً عميقاً في حياة الجزائر المستقلة، من خلال إقراره التعددية السياسية والإعلامية.

لم يعمّر دستور التعددية طويلاً، وكان مصيره مثل سابقيه، بداية جُمّد العمل به مطلع التسعينيات، بعد استقالة (أو إقالة) الشاذلي مطلع 1992 ودخول البلاد في أزمة أمنية وسياسية، عقب إلغاء الجيش نتائج انتخابات نيابية فازت فيها “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” الحزب المحل.

راهنت السلطة التي كانت تدار من قبل المجلس الأعلى للدولة، على إعادة تنظيم المشهد السياسي، منذ اختيار الرئيس السابق اليمين زروال من قبل أركان النظام السابق وعلى رأسهم الجيش والمؤسسة الأمنية.

وبعد انتخابه مباشرة أعلن زروال عن دستور جديد، عام 1996 في وقت حرج، حيث كانت الجزائر غارقة في العشرية الدامية بفعل العنف المسلح، الذي تلى توقيف المسار الانتخابي في بداية التسعينيات.

عرضت الوثيقة على الاستفتاء الشعبي في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 1996 ونالت موافقة الشعب (وفق التصريحات الرسمية آنذاك) وكانت إشارة انطلاق عهد الرئيس الجديد الذي ترك عباءة الجيش، ليدشن عهده الجديد بدستور، يحمل اسم اليمين زروال.

وحدد هذا الدستور العهدات الرئاسية بعهديتن فقط من خمس سنوات لكل واحدة، بعدما كانت مفتوحة من قبل، وهي سابقة في تاريخ البلاد.

كما حافظ الدستور الجديد، شكلياً على التعددية السياسية، مثلما كانت في دستور سلفه (الشاذلي) واستمر العمل به حتى إعلانه في 11 أيلول/سبتمبر 1998 نيته مغادرة السلطة، حيث من المفترض أن تنتهي عهدته الرئاسية الأولى في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وأعلن عن تنظيم انتخابات جديدة بسبب فضائح ميزت عهده، وصراعات كبيرة بين أجنحة بارزة في السلطة، وبعض السياسيين، انتهت بإقالة مستشاره الخاص، اللواء محمد بتشين. كما رافق تلك الفترة انفلات أمني، لا يزال يطرح الكثير من التساؤلات.

الرئيس المخلوع عبد العزيز بوتفليقة ردد منذ استلامه مقاليد الحكم سنة 1999 أنه يرغب في تعديل الدستور. وكان يؤكد أنه لا يريد أن يكون مجرد ربع رئيس، في إشارة إلى ما كان يدّعيه من تدخل الجيش في السلطة في خطاباته الشهيرة، التي صرح بها للصحافة الفرنسية، وإعلانه أن الجيش يتحكم في السلطة.

لم ينتظر كثيراً وكان أول تعديل في 10 نيسان/ابريل 2002 وحينها أُدرجت لأول مرة مادة تتعلق بالأمازيغية، وهي المادة 3 مكرر التي نصت على أن “تمازيغت هي لغة وطنية تعمل الدولة على ترقيتها وتطويرها بكل تنوعاتها اللسانية عبر التراب الوطني”. ومضى بوتفليقة نحو إجراء تعديل آخر هو الثاني، جرى في 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2008 وأقر خمس نقاط أهمّها على الإطلاق فتح العهدات الرئاسية وعدم تقييدها باثنتين مثلما نص على ذلك دستور 1996. وسمح التعديل الذي كان هدفه الرئيسي استمرارية بوتفليقة، للرئيس المخلوع الاستمرار في الحكم حتى إزاحته بسبب الحراك الشعبي في 2019.

لم يكتف بوتفليقة أثناء وجوده في السلطة بالتعديلات التي أجراها على دستور سلفه زروال، حيث أنه في السادس من شباط/فبراير 2016 صادق البرلمان على ثالث تعديل دستوري في عهده، وكان من أهم مواده الجديدة “القديمة” إنهاء فتح العهدات الرئاسية والعودة إلى نظام العهدتين، كما كان في دستور 1996 بالإضافة إلى ترقية الأمازيغية إلى لغة رسمية بعدما كانت لغة وطنية فقط، وإلغاء أي عقوبة سالبة لحرية الصحافي، ليكون رسمياً هذا هو دستور بوتفليقة.

وجاءت محاولات الرئيس الجديد، عبد المجيد تبون، الذي وصل الحكم، في خضم حراك شعبي يشهده الشارع الجزائري، لتكرس المقولة الشعبية، لكل رئيس جزائري دستور جديد. مع تهكم الكثيرين أن الدول المتقدمة لم يعدل دستورها لمئات السنين، وربما أجريت تعديلات طفيفة على مواد لا غير.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية