الناصرة- “القدس العربي”: ينبه تقرير للمركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) لتصاعد توظيف صناعات السينما الأمريكية الإنتاج السينمائي لاحتلال وتزوير وعي العالم وقلب الأشرار إلى أخيار وبالعكس. ويقول إن شركة الإنتاج السينمائي الأمريكية “مارفيل ستوديوز” أعلنت في العاشر من الشهر الجاري عن إطلاق شخصية جديدة للعب دور البطل في سلسلة أفلام “كابتن أمريكا”. الشخصية الجديدة هذه المرة هي بطل خرافي إسرائيلي على هيئة أنثى، تحمل اسم “صابرا”، تعمل لدى جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد، وترتدي لباساً من أبيض وأزرق، وتضع نجمة داود على جبينها. لاقى هذا الإعلان موجة عارمة من الانتقادات لما قد يعنيه الأمر من تطبيع صورة إسرائيل في واحد من أكثر سلاسل الأفلام شهرة وحضوراً على المستوى العالمي، خصوصا بين فئة الأطفال والشبان. لكن شركة “مارفيل ستوديوز” ماضية، على ما يبدو، في إنتاج هذا الفيلم الذي من المتوقع أن يبدأ عرضه في مايو/أيار 2024. ويلقي تقرير “مدار” الضوء على شخصية “صابرا” وأهمية سلسلة أفلام “كابتن أمريكا” بالنسبة لإسرائيل التي لا تدخر جهداً لتبييض صورتها في الإنتاج السينمائي، خصوصا في هوليوود.
الشخصية الجديدة هي بطل خرافي إسرائيلي على هيئة أنثى، تحمل اسم “صابرا”، تعمل لدى الموساد، وترتدي لباساً من أبيض وأزرق، وتضع نجمة داود على جبينها.
وقبل تناول البطلة الخرافية الإسرائيلية “صابرا”، يقول “مدار” إنه لا بد من توضيح المكانة التي تحظى بها سلسلة الأفلام التي تنتجها شركة “مارفيل ستوديوز”، فهي تابعة لامبراطورية “والت ديزني” واسعة التأثير والانتشار في هذا المضمار. هذا بالإضافة إلى ألعاب فيديو، ومطبوعات (كالبلايز، والملصقات)، وحقائب مدرسية وغيرها من الأمور التي تحمل صور الشخصيات التي ابتكرتها الشركة المذكورة وأسماءها. ومن أهم الشخصيات التي ابتكرتها “مارفيل ستوديو”: سبايدر مان، كابتن أمريكا، بالإضافة إلى فرق كاملة من الأبطال الخارقين مثل فرقة أكس من والأفينجرز وهالك.
ويضيف، في تبيان أهمية هذه النتاجات، أن هذه الشخصيات، التي باتت مشهورة، دخلت إلى كل بيت في العالم، وهي (أي الشخصيات) تعبر عن الإمبريالية الثقافية أو أمركة العالم. ويقول التقرير إن إعادة صناعة الوعي من خلال السينما، هي واحدة من أهم الأدوات المستخدمة من قبل الغرب، والولايات المتحدة تحديدا، خصوصا عندما يتم تصميم المنتج السينمائي ليحمل مضامين سياسية واضحة وخفية.
موضحا أنه لا بد من الإشارة إلى ثلاثة جوانب مرتبطة بالأفلام التي تقوم على شخصية البطل الخارق التي تنتجها شركة “مارفيل ستوديوز”: تحقق هذه الأفلام نسب مبيعات هائلة للشركة، إذ إنها في بعض الحالات تتجاوز 2 مليار دولار للفيلم الواحد، الأمر الذي حوّل شركة “مارفيل ستوديوز” إلى إمبراطورية احتكارية لا منافس لها في صناعة شخصيات الأبطال. بل إن تصدر هذه الأفلام شباك المبيعات لأسابيع عدة، يجعل هذه الأفلام مطلوبة عالميا، بحيث تطلب معظم دول العالم الحصول على نسخ مدبلجة بلغاتها الخاصة. حوّل هذا الأمر شخصيات الأفلام التي تنتجها “مارفيل ستوديوز” إلى شخصيات معروفة تقريبا في كل بيت. وفي فلسطين، فإن معظم الأطفال يعرفون تمام المعرفة الشخصيات التي ذُكرت أعلاه، بل يصعب ألا نجد منزلا لا يحتوي على رسم، أو دمية، أو حتى حقيبة مدرسية مرسوم عليها سبايدر مان، على سبيل المثال.
إعادة صناعة الوعي من خلال السينما من أهم الأدوات المستخدمة من قبل الغرب، والولايات المتحدة تحديدا، خصوصا عندما يتم تصميم المنتج السينمائي ليحمل مضامين سياسية.
ويقول التقرير إن اختراق هذه الشخصيات لكل بيت في العالم، وتحولها إلى رمز، يعتبر أمراً خطيراً، خصوصاً عندما نأخذ بعين الاعتبار البعد السياسي لكل شخصية. مثلا، أول نسخة من شخصية “كابتن أمريكا”، التي صدرت في العام 1941، أظهرت البطل الخارق وهو يصفع هتلر، حتى قبل أن تقرر الولايات المتحدة دخول الحرب العالمية الثانية. وفي مثال آخر، فإن “الرجل الحديدي” أو “أيرون مان” يعبر عن شراكة إستراتيجية بين شركة الإنتاج “مارفيل ستوديوز” والجيش الأمريكي، بحيث يتم الترويج لزي الجيش الرسمي، ورموزه وأيديولوجيته.
ويؤكد التقرير على أن معظم هذه الأفلام يقوم على فكرة الصراع بين محور الخير ومحور الشر، لكن في كل الحالات، فإن محور الخير يتمثل في الغطرسة الأمريكية المستندة إلى زبدة العلوم العسكرية التي تطورت لدى المنظومة الأمنية الأمريكية. كما أن البطل الخارق الذي يدافع عن محور الخير، يُعرض لتبييض صورة الأمريكي النموذجي التي تقوم على الذكورية السلطوية، الرأسمالية الجشعة، والغريزة الوطنية التي تتيح للبطل أن يقطع البحار ويدمر شعوباً بأكملها، لأنها لا تتوافق مع محور الخير الذي يتزعمه. ومع كل العنف والغطرسة التي يمثلها الأبطال الخارقون في هذه الأفلام، والتي يستمدونها من تفوقهم الغربي، إلا أنهم يظهرون في الأفلام باعتبارهم أبطال خير، يدافعون عن قيم العالم الحر، ويحاربون “الآخر” الشرير، المتخلف الذي يتربص بالعالم الحر ويتحين الفرصة لتدميره. منبّها إلى أن العديد من الدراسات والأبحاث تتهم شركة “مارفيل ستوديوز” بالتسويق لسياسات أمريكا الخارجية، خصوصا بعد أحداث 11/9، من خلال شيطنة “الآخر” (سواء أكان أفغانياً، أم عراقياً، أم مسلماً… إلخ)، أو من خلال تبرير غطرسة “الأمريكي” و”الغربي” ما دام يدافع عن “قيم الحرية”.
ويقول “مدار”، ضمن هذا التقرير، إن الأبطال الخارقين الذين يظهرون في أفلام “مارفيل” يتحولون إلى رمز يدخل كل بيت، ويلهمون الأطفال والشبان، ويرافقونهم في ملابسهم، وعلى شاشاتهم، وفي ألعابهم، وحتى في مخيلاتهم. في الأثناء، فإن البعد السياسي الذي تمرره شركة “مارفيل” يتغلغل إلى ذهنية المشاهد، ويتحول إلى جزء من حقائق العالم بالنسبة له. ويتابع: “من هنا، فإن الإعلان بأن الشخصية الخارقة الجديدة التي ستظهر في سلسلة “كابتن أمريكا” هي شخصية إسرائيلية يعتبر حدثاً أساسياً بالنسبة لصورة إسرائيل من جهة، وقدرتها على إيصال رسائل سياسية مشوهة إلى كل بيت في العالم من خلال الشاشة الصغيرة”.
ظهرت شخصية صابرا في العام 1980، وبشكل عابر، في فيلم “انكريدبال هولك” في العام التالي، ويرى الناقدون السينمائيون بأن صابرا في تلك الفترة كانت محاولة من الجيش الإسرائيلي لخلق نظير للأبطال الأمريكيين الذين يقودهم ستيف روجرز (وهو شخصية أساسية في أفلام “كابتن أمريكا”، الذي يرعى الأبطال الخارقين “الطيبين” ويوجههم). و”صابرا” التي ظهرت في ذلك الفيلم لم تكن البطل الأساس، وإنما لعبت دوراً مسانداً، لكنها كانت تشهر هويتها الإسرائيلية بكل “فخر” من خلال لباسها الأبيض والأزرق، والمزين بنجمة داود. ويقول إنه مع أن اسمها الأساس في الفيلم هو “روت بات- سيراف” (وهو اسم عبري أصيل)، فإنها كانت في الفيلم تحمل لقب “صابرا”، التي تعني في الثقافة الإسرائيلية: “شخص مولود في إسرائيل” (وليس المهاجر المستوطن، ربما لتحويل الإسرائيلي إلى مواطن أصلاني) ومن هنا، تعرف “صابرا” نفسها على أنها البطل الخارق المدافع عن دولة إسرائيل.
البطل الخارق الذي يدافع عن محور الخير يُعرض لتبييض صورة الأمريكي النموذجي التي تقوم على الذكورية السلطوية، الرأسمالية الجشعة، والغريزة الوطنية التي تتيح للبطل أن يقطع البحار ويدمر شعوباً بأكملها.
ولا بد من التذكير ببعض المشاهد التي لعبتها “صابرا” في الفيلم الأول الذي ظهرت فيه. بداية، تظهر “صابرا” كعميلة لجهاز الموساد الإسرائيلي، وهذا الأمر يجعلها تتصرف، على الأقل في الفيلم، على أنها غير مبالية بالسياسة، بل وأنها تمتلك وظيفة تخولها بالقيام بأي مهمة دون مساءلة البعد السياسي أو الأخلاقي لها. ويتابع التقرير: “فمجرد وجودها في جهاز “مرموق” كالموساد، يجعلها فوق أي مساءلة ذاتية لأفعالها.
تولد صابرا في مستوطنة مجاورة للقدس المحتلة، وتعمل لدى الموساد ولاحقاً في الشرطة الإسرائيلية. وفي الفيلم تبدو “صابرا” معتزة جدا بنفسها لدرجة استخدامها القوة قبل العقل. مثلا، تهاجم “صابرا” البطل الخارق “هالك” معتقدة أنه واحد من “الإرهابيين العرب”، قبل أن تدرك أنه يقف في معسكر “الغرب الحر”. وفي مشهد آخر، يتم قتل ابن “صابرا” على أيدي “الإرهابيين”، فتخرج “صابرا” في حملة انتقام للنيل من القتلة وتخرق كل القوانين والأوامر التي تأتيها من قبل قيادة الموساد لتأديب قتلة ابنها، في إشارة إلى أن الإنسان الحر، ومشاعر الأم، تبرر القتل الأهوج الذي لا يمتثل إلى “رصانة” الجهاز الاستخباراتي المسؤول. وظلت “صابرا” تظهر في مشاهد عابرة خلال أفلام ومنشورات “مارفيل ستوديوز” اللاحقة بدون أن تلعب دورا أساسيا.على سبيل المثال ظهرت في سلسلة الكاريكاتور المنشورة في 2003-2004 وهي تسند ظهرها لحائط البراق لتحميه من هجوم الأعداء الخارقين الذين تسببوا بـهزة أرضية.
إلى جانب قدراتها الخارقة، فإن “صابرا” تحمل أيضا أسلحة فتاكة لا يحملها إلا الجيش الإسرائيلي داخل الأفلام. وقد صنف موقع “سي بي ار” المختص بالرسوم الكاريكاتورية “صابرا” على أنها واحدة من أهم وأبرز الأبطال “العالميين” لتمييزها عن الأبطال الأمريكيين.
أما صحيفة “هآرتس” العبرية فاحتفلت بعيد ميلاد ظهور “صابرا” الأربعين (1980-2020) وأطلقت عليها لقب “أول بطل خارق إسرائيلي” لا بد وأن يكون معروفا في كل بيت إسرائيلي.
ولا تعتبر “صابرا” البطل الإسرائيلي الخارق الوحيد في السينما والرسومات الموجهة للأطفال والشبان، بل إنها تضاف إلى قائمة تضم بطلات إسرائيليات أخريات، وإن كانت “صابرا” هي أقواهن. ويخلص “مدار” للقول إنه مهما يكن من أمر، فإن إنتاج فيلم جديد تكون فيه “صابرا” البطل الرئيس (وليس الثانوي، كما هي الحال في السابق)، قد يجعل من “صابرا” شخصية معروفة، وربما محبوبة أيضا، في كل العالم، شأنها شأن “سبايدر مان” أو “هالك” أو غيرهما من الذين تفردوا ببطولة أحد أفلام “مارفيل ستوديوز”. ويضيف: “هذا بحد ذاته قد يساهم في تسويق فكرة أن إسرائيل جزء من العالم الحر الغربي، وأن الأبطال الخارقين يدافعون عن قيم هذا العالم الحر في وجه الأشرار والإرهابيين. هذا قد يضع شاشة ضبابية تحجب حقيقة إسرائيل القائمة على نظام الأبارتهايد، ويخفي جذور إسرائيل القائمة على الاستعمار والتشريد، ويحولها من دولة “إرهابية” تقود “معسكر الشر” إلى دولة “طيبة” تقود “معسكر الشعوب الحرة”. كما يقول إنه غير واضح حتى الآن، كيف ستساهم الانتقادات والضغوطات التي يقودها ناشطون مناهضون لسياسات إسرائيل ضد شركة “مارفيل ستوديوز” في تأجيل أو إلغاء الفيلم المزمع البدء بتصويره خلال الأشهر القادمة.