حتى منتصف الثمانينات من القرن الماضي، لم يكن تتار القرم قد أعيدوا من منافيهم إلى موطنهم شبه جزيرة القرم على الرغم من إنهم لم يتركوا فرصة أو مناسبة، أو حتى بلا مناسبة، إلا وكانوا يطالبون بالعودة، إلا أن السلطات السوفييتية كانت تصر على عدم إعادتهم، بالرغم من إثارتهم حيث وجدوا، قلاقل ومشاكل وتظاهرات احتجاج واشتباكات مع سلطات الأمن، فضلا عن قطع طرق وتخريب وتعطيل مصالح. وكي تكون أصواتهم لها الصدى الواسع، وتحت أضواء أجهزة الإعلام، خصوصا العالمية منها، فقد نقلوا تظاهراتهم إلى العاصمة السوفييتية موسكو، وكانوا يشدون صفوفهم ويتجمعون من بقية أنحاء الاتحاد السوفييتي وصولا إلى موسكو، كي يواصلوا الضغط وإثارة القلاقل من أجل إسماع أصواتهم إلى المسؤولين بهدف إعادتهم إلى ديارهم. مثلهم مثل الشعوب والمجموعات القومية التي تم تهجيرها من بلادها وأوطانها الأصلية أثناء وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بتهمة التعاون مع القوات النازية التي غزت الاتحاد السوفييتي، أو التراخي في المقاومة كالشاشان والأنغوش والقارتشاي والبلكار وغيرهم. وعلى الرغم من نفي تهمة التعاون مع النازيين عن هذه الشعوب في القرارات والقوانين التي صدرت في عهد رئيس الوزراء السوفييتي نيكيتا خروتشوف، وقضت بإعادتهم إلى بلادهم وتعويضهم، ومساعدتهم في بناء حياة جديدة تراعى فيها خصوصياتهم اعتبارا من العام 1957، إلا أن تطبيق هذه القرارات على أرض الواقع أخذ وقتا، فبعضهم أعيد في ستينات القرن الماضي. أما قرار تبرئة تتار القرم، فإن صدوره تأخر إلى العام 1967. مع ذلك فإن تطبيق هذا القرار تأخر طويلا وبقي حبرا على ورق، وكان يمنع على أي تتاري من القرم العــــودة إلى وطــــنه بشكل حازم ومتشدد. إلا أن الأمور أخذت طرقــا اخرى، إذ عندما أخذت تظاهرات الاحتجاج تزداد وتشتد وتطالب بالاستقلال في الفضاء السوفييتي جميعه تقريــــبا، واندلعـــت اشتباكات ومواجهات عنيفة ودامية أحيانا في أغلب الجمهوريات وعواصمها ومدنها الكبيرة، فإن السلطات السوفييتية أعادت أعدادا من تتار القرم إلى بلادهم في العام 1988، بعد أن كانت قد ألحقت شبه جزيرة القرم إداريا بجمهورية أوكرانيا في العام 1954، أي زمن رئاسة نيكيتا خروتشوف للوزارة السوفييتية. وخروتشوف كما هو معروف من أصول أوكرانية. وبعد أن كان عدد تتار القرم نحو خمسة ملايين نسمة، بحسب ما جاء في كتاب ‘المسلمون في الاتحاد السوفييتي’ للدكتور محمد علي البار هناك تحفظ على دقة الرقم فإنه لم يبق منهم على قيد الحياة إلا من أسعفته عوامل البنية الجسمية الذاتية القوية، وتوافر ما يمكن أن يقيت ويبقي على الحياة، وهم في الوقت الحالي، وبعد مضي ربع قرن على عودتهم إلى شبه جزيرة القرم من منفاهم في سيبيريا وكازاخستان لم يتجاوز عددهم 300 ألف نسمة، مع آلاف آخرين ظلوا في المنافي، نظرا لظروف واسباب عدة. فلماذا تم تأخير عودتهم إلى بلادهم بالرغم من إصدار القرارات التي تسهل هذا الأمر من قبل السلطات العليا؟ انتقلت شبه جزيرة القرم إلى تبعية الخانيات التتارية التي قامت في منطقة حوض الفولغا وفي المنطقة الممتدة بين البحر الأسود وبحر قزوين، وصولا إلى تهديد موسكو ومنطقتها اعتبارا من القرن الثالث عشر الميلادي، إلا أنه وعندما قويت دولة الروس، وضعفت خانيات التتار من الآتين من وسط آسيا في القرن الخامس عشر وما تلاه، فإن شبه جزيرة القرم خضعت للروس اعتبارا من العام 1783 في زمن الإمبراطورة كاترين الثانية. وعندما حصل الصراع على المنطقة بما فيها شبه جزيرة القرم، استنجد تتار القرم بالأتراك العثمانيين، وهذا الأمر كان من تحصيل حاصل صراعات أتباع الديانات والشعوب في تلك المرحلة. إذ انحاز التتار المسلمون إلى الأتراك العثمانيين المسلمين، في حين إن الأمبراطورية الروسية كانت حامية الأرثوذكس المسيحيين، خصوصا بعد سقوط القسطنطينية عاصمة البيزنطيين في أيدي الإمبراطورية العثمانية. تحتل شبه جزيرة القرم موقعا استراتيجيا في الجانب الغربي من البر الروسي، وتقع على، أو بالقرب من البحرين الأسود وأزوف، وتقترب من الجهة الغربية الروسية، مكونة شبه جزيرة كرش التي تكون باقترابها من البر مضيق كرش الذي يصل بحر أزوف بالبحر الأسود. تبلغ مساحة شبه جزيرة القرم 26.150 كم مربع، ومن مدنها المهمة: يالطا التي عقد فيها المؤتمر الشهير بعد الحرب العالمية الثانية بين الرئيس الأمريكي روزفلت والرئيس السوفييتي ستالين، وبانحجة سراي العاصمة العثمانية القديمة في شبه الجزيرة، ومدينة سيفاستوبول مقر الأسطول البحري الروسي في المنطقة، ومدينة سيمفيربول العاصمة الحالية. وتضم شبه الجزيرة حاليا نحو 60 بالمئة من عدد سكانها من الروس ونحو 25 بالمئة من الأوكرانيين ونحو 12 بالمئة من التتار. لذا لم يرغب السوفييت في إدخال عنصر جديد في مرحلة ما، يمكن أن يشوش على هذا الموقع الاستراتيجي إعادة التتار إلى وطنهم أو يمكن أن يثير لهم المشاكل ووجعا للرأس من احتمال أن يقوم تحالف بين التتار والأتراك من جديد، خصوصا وأن الحرب الباردة كانت في أوجها فضلا عن انحياز الأتراك إلى الطرف الآخر وعضويتهم في الحلف الأطلسي. لا يمكن اعتبار ضم شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا التي كانت جمهورية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي في العام 1954، خارج السياقات والسياسات التي كانت متبعة في الاتحاد السوفييتي، منذ أن قامت الثورة في العام 1917، إذ أنه ومنذ أن أخذت القيادة السوفييتية بالتفرغ لإدارة ما ورثته عن الإمبراطورية الروسية الشاسعة والواسعة بأقاليمها ومناطقها وجمهورياتها الواسعة الأرجاء، وبعد انتصارها على الروس البيض وحلفائهم من الدول الغربية، فإن تلك القيادة أخذت تعيد النظر في الكيانات القائمة، خصوصا وأنها تبنت سياسة أممية تقوم على ركائز من بينها دمج الشعوب، ومحاولة التغلب على النزعات القومية الشوفينية والتعصبات الدينية والجهوية، حيث أن حساسيات الماضي وصراعاته لم تكن قد غابت بعد عن أذهان الشعوب وتجاربها. من هنا بدأت سياسة الإلحاق والدمج والفصل والوصل، تأخذ أبعادها التطبيقية لتتوالى فصولا، منذ أيام قيادة فلاديمير لينين للدولة في عشرينات القرن الماضي، واستمرارا مع تسلم جوزيف ستالين مقاليد الأمور، وصولا إلى نيكيتا خروتشوف ومن تلاه من قيادات. على هذه القاعدة، لم يكن غريبا أو مستغربا إلحاق كيانات مثل أبخازيا وأجاريا وأوسيتيا الجنوبية وضمها إلى جمهورية جورجيا الاتحادية، علما ان جمهورية أوسيتيا الشمالية ذات الحكم الذاتي ألحقت بالمركز في موسكو. ومع أن أبخازيا فيها أغلبية من المسلمين وكذلك أجاريا، فإن السياسة الرسمية كانت تؤكد على النزوع لإلغاء هذه التمايزات، ومحاولة دمج الشعوب، خصوصا الصغيرة منها بكيانات أكبر للوصول إلى الوحدة في الفضاء السوفييتي. كذلك فإنه تم على سبيل المثال إلحاق ناغورنو كاراباخ بجمهورية أذربيجان الاتحادية السوفييتية، علما أن أغلب سكان كاراباخ هم من الأرمن، كما تم ضم جمهورية ناختشيفان ذات الحكم الذاتي والواقعة في الأراضي الأرمنية إلى أذربيجان وأغلب سكانها من المسلمين. كما وتم إلحاق الأنغوش بالشاشان وإعلانهما جمهورية واحدة ذات حكم ذاتي من ضمن الاتحاد السوفييتي، وكذلك بين الكراتشاي والشركس، وهناك عشرات الكيانات التي أقيمت تحت مسميات جمهوريات ذات حكم ذاتي أو مناطق أو اقاليم .. إلخ . لذا فإن إلحاق شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا، لم يكن خارج سياق سياسات الضم في ذلك الاتحاد. ولم يكن لأصول خروتشوف الأوكرانية التأثير الحاسم في هذا الأمر. إلا أن السياسات اللاحقة وعدم منح الأقليات حقوقا متساوية مع المركز المحلي، وهي من صميم الحقوق في ‘أخويات الشعوب’ التي كرستها القوانين النظرية في هذا المجال، كاللغة والجامعات والمدارس والثقافة والإعلام والوظائف والحقوق في ميزانيات مناسبة من المركز المحلي وغير ذلك، كل ذلك أدى إلى تراكم السلبيات التي أفضت إلى اشتباكات وعلاقات متوترة بين الكبير والصغير من تلك الشعوب، وبين المركز المحلي والأقاليم التابعة له. وهذا ما استمر حدوثه قبل وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي في تسعينيات القرن الماضي وبعده في جورجيا على سبيل المثال مع الجمهوريات التابعة لها: أوسيتيا الجنوبية وأجاريا وأبخازيا، أو بين ناغورني كاراباخ وارمينيا من جهة ضد جمهورية أذربيجان من جهة ثانية. إن التكوينات القومية والدينية للشعوب تحتاج إلى معالجات وسياسات تختلف عما سبق، وإلى تعديلات تتوافق مع مصالحها واحتياجاتها الحقيقية.