تجارب التاريخ: اعتداءات الإسرائيليين على الحرم القدسي الشريف عبث ببرميل بارود

وديع عواودة
حجم الخط
0

يوحّد الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر ويدفعهم جميعا للمواجهة

الناصرة ـ «القدس العربي»: في مثل هذه الأيام كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية قد اندلعت نتيجة عوامل عميقة متراكمة سببها المركزي الاحتلال وغطرسته، وكانت زيارة رئيس حكومته الراحل أرئيل شارون للحرم القدسي الشريف عود الثقاب الذي أشعل برميل الغضب في فلسطين من بحرها إلى نهرها وتسبب ببحر من الدّم في طرفي الصراع. وكان الحرم القدسي الشريف هو القاسم المشترك الأكبر والأهم بين الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر داخل الوطن وفي الشتات بصفته معلما دينيا وطنيا تاريخيا وحضاريا من الطراز الأول. كان الحرم القدسي الشريف المحفز والمسبب لكثير من الهبات والانتفاضات الفلسطينية منذ وطأت أقدام الصهاينة فلسطين طمعا بها وبتغيير ملامحها وبتهويدها. جاء الانفجار الكبير عام 1929 على خلفية هذه الأطماع بالذات في الحرم القدسي الشريف وفي حائط البراق الذي تعتبره الصهيوينة «حائط المبكى» وترى في المسجد الأقصى «هيكل سليمان» المزعوم. في تلك الهبة التي عرفت بـ«هبة البراق» اشتعلت نيران المقاومة نصرة للحرم القدسي الشريف من الخليل إلى صفد في الجليل وقتل وجرح فيها مئات الفلسطينيين واليهود. وهكذا كان المساس بالحرم القدسي الشريف ضربا من العبث ببرميل بارود كما تجلى في عدة مناسبات أبرزها هبة القدس والأقصى عام 2000 في مطلع الانتفاضة الثانية ردا على تدنيس شارون الاستفزازي للمكان الأكثر قدسية بالنسبة لفلسطين والفلسطينيين. هذا الصرح المشحون بدلالات رمزية هائلة جمع الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر في هبة جديدة تمت في مايو/أيار 2021 عرفت بـ«هبة الكرامة» انتصارا للحرم القدسي الشريف ومسيرة الأعلام وانتهاكات المستوطنين في القدس وخاصة في الحرم القدسي الشريف. في هذه الهبة عادت القوات الإسرائيلية والمستوطنون وفتحوا النار مجددا على المتظاهرين العرب الفلسطينيين ممن يحملون الجنسية الإسرائيلية داخل أراضي 48 في يافا واللد وعكا وفي بلدات كثيرة أخرى. واليوم تبدو الأجواء الراهنة مرشحة لأن ينفجر البركان الفلسطيني مجددا كونها مشبعة بالبنزين والغضب على غطرسة الاحتلال المتمثلة بقتل واعتقال وإهانة الكبير والصغير من الفلسطينيين علاوة على انتهاك متصاعد في العام الأخير للحرم القدسي الشريف من ناحية التعداد غير المسبوق للمستوطنين المقتحمين له ومن ناحية مخططات تقاسمه مكانا وزمانا كما يتجلى في صلوات تلمودية فيه وفي ازدياد المؤيدين للانتهاكات من قبل الشارع الإسرائيلي الذي ينزع نحو اليمين ويؤازر المستوطنين.

أعياد لليهود واعتداءات على الفلسطينيين

كما في العام الماضي تشهد الأيام الأخيرة اقتحامات المستوطنين لباحات المسجد الأقصى تزامنا مع الأعياد اليهودية التي لم تنته بعد، واعتدت قوات الاحتلال يوميا بالضرب على المرابطين والصحافيين واعتقلت عددا من الفلسطينيين داخل الحرم القدسي.
وذكرت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس أن مئات من المستوطنين اقتحموا الحرم القدسي في يوم واحد، وذكرت مراسلة «الجزيرة» أن هذا العدد هو أقل مقارنة بأيام سابقة في المناسبات والأعياد اليهودية، وهو ما يعني أن منظمات الهيكل التي تحشد لتنفيذ اقتحامات واسعة أخفقت في بلوغ ألفي مقتحم. ويشدد الفلسطينيون على أن اقتحامات المستوطنين للأقصى مهما كان عدد المشاركين فيها يمثل انتهاكا صارخا لحرم المسجد الشريف ولوضعه التاريخي، خصوصا وأن الاقتحام يجري بحماية قوات الاحتلال. وقال الهلال الأحمر الفلسطيني إن طواقمه تعاملت مع إصابات يومية عند مداخل الحرم جراء الضرب والدفع، وأخرى جراء استنشاق غاز الفلفل. في المقابل، رابطت مجموعة من الشبان داخل المسجد القبلي للتصدي لهذه الاقتحامات، مصحوبا بعبارات التكبير للاحتجاج على انتهاك حرم المسجد الأقصى الشريف. وكان الاحتلال منع أعدادا كبيرة من المصلّين ممن هم دون سن الأربعين من الدخول وأداء صلاة الفجر في المسجد الأقصى، فدفع ذلك عشرات من المصلين إلى أداء الصلاة والاعتصام عند الأبواب، تحديدًا عند باب الأسباط. ولا تزال الشرطة وحرس الحدود تنشر داخل القدس المحتلة آلافا من عناصرها، بذريعة تأمين طقوس الأعياد اليهودية ودعت هيئات فلسطينية إلى المزيد من شدّ الرحال إلى المسجد المبارك لحمايته من اعتداءات الاحتلال والمستوطنين.

حسابات الانتخابات

ووسط كل ذلك شهدت الأراضي الفلسطينية إجراءات عسكرية وأمنية واسعة اشتملت على إحكام الحصار العسكري للضفة وإغلاق معابر قطاع غزة، وأعزت سلطات الاحتلال لكافة الإسرائيليين حمل سلاحهم الشخصي خلال توجههم للصلاة بالكنس في إنحاء مختلفة متذرعة بتلقيها نحو 50 إنذارا ساخنا حول هجمات فلسطينية محتملة خلال الأيام الحالية. ولا يمكن فصل التصعيد الإسرائيلي وانتهاكات الاحتلال اليومية التي قتل فيها أكثر من 100 فلسطيني في الضفة الغربية منذ بدء العام واعتقال المئات في مداهمات همجية يومية في الليل النهار عن حسابات السياسة الإسرائيلية الداخلية إذ تحاول «حكومة التغيير» برئاسة يائير لابيد صد المزاودات والاتهامات بالضعف الموجهة لها من قبل معسكر اليمين المعارض بقيادة بنيامين نتنياهو عشية انتخابات الكنيست الخامسة والعشرين في الفاتح من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل وسك حالة تعادل شديد بين المعسكرين المتصارعين على الحكم. وقد أقر بذلك وزير السياحة الإسرائيلي الأسبق عوزي برعام (حزب العمل) الذي قال في تصريحات لراديو «الناس» الذي يبث من مدينة الناصرة داخل أراضي 48 إن هذه العمليات الإسرائيلية تأتي كي تمنع عملية فلسطينية قبيل الانتخابات معتبرا أن مثل هذه العملية ستؤدي لسقوط «حكومة التغيير» وحظوظها في البقاء في السلطة وتشق الطريق أمام عودة نتنياهو. وتابع «تدلل تجارب الانتخابات الإسرائيلية أن عملية تستهدف إسرائيليين جنودا أو مدنيين تؤدي لتعزيز قوة المعارضة وتضرب مكانة الائتلاف الحاكم لأنها ببساطة تفتح الباب للمزاودة والتضليل ولذا تسعى حكومة لابيد لمنع هذه الضربة من خلال هذه المداهمات والاعتقالات التي تزيد عن حدها أحيانا ومن شأنها أن تسبب هي بالذات بانفجار وعمليات فلسطينية». في هذا السياق كان معهد دراسات الأمن القومي التلابع لجامعة تل أبيب قد حذر من تصعيد الاحتلال ضد الفلسطينيين ومواصلة إحراج قوات الأمن الفلسطينية وإضعاف السلطة الفلسطينية داعيا للتعاون معها وتعزيز قوتها كوسيلة أكثر نجاعة لمنع الانفجار الكبير المحتمل خاصة من الحرم القدسي الشريف.

ردود الفعل

وتواصل الرئاسة الفلسطينية التحذير من أن استمرار التصعيد الإسرائيلي في المسجد الأقصى وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة سيقود إلى الانفجار، وأضافت في بيان أصدرته -على خلفية استمرار اقتحامات المستوطنين تحت حراسة قوات الاحتلال إلى المسجد الأقصى- أن ذلك يؤجج التوتر.
كما ندد محمد بركة رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون العرب داخل الخط الأخضر – في بيان- من الممارسات في الحرم القدسي، محذرا من أن ذلك سيؤدي إلى انفجار الأوضاع. ومن جانبها، دعت حركة المقاومة الإسلامية «حماس» للنفير العام لمواجهة اقتحامات المستوطنين والاعتداءات على المرابطين. كما دعت الجبهة الشعبية لوحدة ميدانية في مواجهة قوات الاحتلال ومجموعات المستوطنين المقتحمة للمسجد الأقصى. كما طالب الأردن السلطات الإسرائيلية بالكف الفوري عن جميع الممارسات والانتهاكات بحق المسجد الأقصى المبارك، واحترام حرمته، وقالت الخارجية إن هذه الممارسات استفزازية تجري بحماية الشرطة الإسرائيلية. أما الولايات المتحدة والدول الأوروبية فتعي مخاطر هذه الانتهاكات للقدس واللعب بالنار في الحرم القدسي الشريف لكنها تكتفي حتى الآن بدعوات فارغة للطرفين بضبط الننفس. وعلى الأرض تزداد مخاطر الانفجار نتيجة تصعيد ما يعرف بجمعيات الهيكل انتهاكاتها ومحاولاتها استغلال التراجع العربي الإسلامي وانشغال العالم في قضايا أخرى من أجل استنساخ تجربة الحرم الإبراهيمي في الخليل وتقسيم الحرم القدسي الشريف بين المسلمين واليهود.

نقطة التحول

وتوضح جمعية «عير عميم» الإسرائيلية أن العام 2000 كان نقطة تحوّل للجماعات الدينية المسماة بجمعات الهيكل المزعوم المختلفة التي يجمعها دمج الأساس الديني والقومي والغيبي عقب نشوب الانتفاضة الثانية المصادفة ذكراها السنوية هذه الأيام وبعدما صارت تحظى بدعم سلطات الدولة. وتشدّد الدراسة على خطورة هذه المسيرة التي توظّف الدين لأهداف قومية في مكان يعتبر بؤرة التوترات السياسية والدينية بمستوى عال، وهي تحرص على القول إنها لن تعنى بالعلاقة التاريخية والدينية بين اليهود وبين الحرم القدسي الشريف، وتؤكد أنها تلقي الضوء على عالم جماعات الهيكل بكل ما فيها وما يترتب عليها. ولذا برأيها فإن الدعم الحكومي الإسرائيلي لجماعات الهيكل من شأنه منح الشرعية للادعاء بأن إسرائيل تنوي المساس بقدس أقداس الإسلام وبالتالي تعزيز المركب الديني للصراع القومي بالأصل. الدراسة الشاملة وغير المسبوقة تشير أن الجماعات اليهودية تعمل عادة في إطار القانون، لكن قسما غير قليل منها يتخطاه ويتجاوز ما تسمح به الديمقراطية وحرية التعبير ويقوم بالتحريض ضد المقدسات الإسلامية وبأفعال تعرض السلم للخطر. وتحمل الجمعية حكومة الاحتلال مسؤولية منع تغيير أنظمة العبادة في الحرم القدسي الشريف ومنع التحريض والمس بالمقدسات الإسلامية. وتوصي الدراسة بأن تتخذ إسرائيل عدة إجراءات أولها تطبيق القانون لمكافحة التحريض والعنصرية وملاحقة المربين والحاخامات وقادة حركات الهيكل الداعين لهدم المساجد في الحرم القدسي الشريف. كما توصي بزيادة المراقبة على مضامين التعليم التي تنقل بواسطة هذه الجماعات وضمان تعددية الأفكار والروايات أمام الطلاب ولإشراك جهات دولية بهذه المسؤولية ولزيادة التعاون مع الأردن والسلطة الفلسطينية ومع مؤسسة الوقف. وشددت الدراسة على حيوية توقف القيادات السياسية والحاخامات عن أي دعم لمحاولات تغيير «الوضع الراهن» في الحرم وتضيف «يحظر على قادة الدولة الصمت لأسباب مختلفة على أفكار ومحاولات لتغيير الوضع الراهن في الحرم أو لهدم الأقصى وقبة الصخرة لأن ذلك سيقود لكارثة». ولذلك كشفت الدراسة الإسرائيلية عن وجود دعم منهجي مؤسساتي واسع ماديا، سياسيا ومعنويا لجماعات الهيكل رغم خطورة ذلك حتى لو كان بدوافع الحصول على مكاسب انتخابية، مؤكدة مشاركة ست وزارات في العقد الأخير بدعم جماعات الهيكل. وتبرز وزارة التعليم الإسرائيلية في توفير الدعم لهذه الجماعات ماليا وبنشر مضامينها وأفكارها في مناهج التدريس وبرعايتها رغم تحريضها الواضح أحيانا على المسلمين ومقدساتهم.

بقرة حمراء

ونوهت الدراسة أن سياسة الحفاظ على «الوضع الراهن» في الحرم القدسي والذي تحظر صلاة اليهود فيه قد صادقت عليها المحكمة العليا عام 1980 لدوافع أمنية، لكن شهادات متزايدة تفيد بأن شرطة الاحتلال صارت تسمح بصلوات صامتة. وحسب فتاوى يهودية معينة تحظر زيارة اليهود للحرم القدسي ليس لأنها ملك للمسلمين بل لأنهم عاجزون اليوم عن تطهير أنفسهم، وتعتبر هذه الفتاوى أن اليهود اليوم أنجاس نتيجة احتكاكهم بموتى، أما عملية تطهرهم فهي غير ممكنة في أيامنا لأنها تحتاج لطقس خاص تستخدم فيها رماد بقرة حمراء غير موجودة رغم محاولات متكررة للعثور على مثلها. ومع ذلك قالت الدراسة تشهد السنوات الأخيرة عملية تغيير في تعريف الحظر الديني المذكور إذ يتيح عدد متزايد من الحاخامات زيارة بعض الأماكن المحددة في الحرم الشريف والواقعة خارج موضع الهيكل الثالث المزعوم. وفعلا في نظرة للخلف وإلى الواقع اليوم فقد صدقت توقعات الجمعية في قرائتها وتحذيراتها. وكشفت الدراسة وقتها أن التغيير في الرؤية الدينية بدأ غداة توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 والخوف من إنجاز تسوية مع العالم الإسلامي تشمل تنازلا عن «جبل الهيكل». وفي رد على ذلك زاد أعضاء «الحركة من أجل بناء الهيكل» كمية ووتيرة زياراتهم للحرم ووجدوا بحاخامات المستوطنين حلفاء لهم الذين أفتوا بجواز الزيارة للمرة الأولى عام 1996. واليوم يدعو حاخامات صهاينة كثر وبوضوح لزيارة الحرم فيما يدعو بعضهم لبناء الهيكل المزعوم مقابل تحفظات آخرين لدواع دينية وسياسية، لكن بعض المتحفظين يدعون لتغيير أنظمة العبادة في المكان بواسطة فعاليات تربوية، ثقافية وسياسية من أجل تمكين اليهود من الصلاة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية