لندن-“القدس العربي”: عندما تم تطوير ميكانيكا الكم لأول مرة منذ قرن، كان الهدف بناء نظرية لفهم العالم الذري، وكان أحد مفاهيمها الأساسية، جذرياً وجريئاً ومضادا للحدس، إلى درجة أنه تم تعميمه في اللغة غير العلمية على أنه “قفزة كمّية” (أو قفزة نوعية). ويعتبر البعض أن استخدام هذا المصطلح لدى العوام للإشارة إلى حدث كبير تفوته الفكرة الأساسية وراء المصطلح، وهي أن القفزة التي يشير إليها، وهي بين “حالتين كمّية” على مستوى الذري، عادة ما تكون صغيرة، وهذا هو بالضبط لماذا لم يتم ملاحظتها في وقت أقرب. ولكن في الواقع، هذا الاستخدام العام للمصطلح يشير إلى خاصية أخرى لهذه القفزة، وهي أنها مفاجئة إلى درجة أنه افترض علماء ميكانيكا الكم أنها آنية فورية، لا تقاس بالوقت.
ولكن، تظهر تجربة جديدة أنها ليست كذلك، إذ كشف فيلم عالي السرعة لقفزة نوعية أنها بالفعل عملية تدريجية مثل ذوبان الثلج. وقال ميشيل ديفوريت من جامعة ييل إنه “إذا استطعنا قياس قفزة كمية بسرعة وكفاءة كافية، نجد أنها في الواقع عملية مستمرة”. وقد نُشرت الدراسة التي قادها زلاتكو مينيف، وهو طالب دراسات عليا في مختبر ديفوريت، الاثنين الماضي، في مجلة “نايتشر” العلمية “بالفعل، الزملاء متحمسون” واعتبر الفيزيائي ويليام أوليفر من معهد “ماساتشوستس للتكنولوجيا” الذي لم يشارك في العمل إن “هذه تجربة رائعة حقًا، مدهشة حقا.”
لكن هناك المزيد. من خلال نظام المراقبة الفائق السرعة الخاص بهم، يمكن للباحثين تحديد اللحظة التي تظهر فيها القفزة الكمية، و”التقاطها” في منتصف الطريق، وعكس اتجاهها، وإعادة النظام مرة أخرى إلى الحالة التي بدأ فيها. وبهذه الطريقة، فإن ما بدا لعلماء ميكانيكا الكم على أنه عشوائية لا مفر منها في العالم المادي، أصبح الآن قابلاً للتحكم. بكلام آخر، قد يعني ذلك أنه سيصبح بإمكاننا التحكم بالمستوى الكمّي.
وقال أوليفر: “تُظهر التجربة أن القفزات الكمية” ليست في الواقع فورية إذا نظرنا عن كثب بما يكفي لكنها عمليات متماسكة” أي أحداث مادية حقيقية تتكشف مع مرور الوقت.
تدريجة “القفزة” هي مجرد ما تنبأ به شكل من أشكال نظرية الكم، وهي تسمى نظرية مسارات الكم، والتي يمكن أن تصف أحداثا فردية. ويقول ديفيد ديفينسينزو، خبير المعلومات الكمية في جامعة “آخن” في ألمانيا إنه “من المطمئن أن تتوافق النظرية تماماً مع ما يمكن برهنته حسياً لكنها نظرية حساسة، ونحن بعيدون كل البعد عن أن نفهمها بشكل كامل”.
وقال ديفوريت إن إمكانية التنبؤ بالقفزات الكمية قبل حدوثها مباشرة تجعلها إلى حد ما كالانفجارات البركانية. يحدث ثوران عموماً بشكل غير متوقع، ولكن يمكن توقع بعض الثورات الكبيرة من خلال مراقبة فترة الهدوء غير المعتادة التي تسبقها. وقال “على حد علمنا، فإن هذه الإشارة الأولية إلى القفزة الكمية لم يتم اقتراحها أو قياسها من قبل”.
وأضاف أن القدرة على اكتشاف الإشارات السابقة للقفزات الكمية قد تجد تطبيقات في تقنيات الاستشعار الكمية. ويعطي مثال الساعة الكمية حيث أنه “في قياسات الساعة الذرية، يريد المرء مزامنة الساعة مع تردد الانتقال للذرة، والذي يكون بمثابة مرجع” ولكن إذا تمكنت من الكشف في البداية عما إذا كان الانتقال على وشك الحدوث، بدلاً من الاضطرار إلى انتظار اكتماله، يمكن أن تكون المزامنة أسرع وبالتالي تكون أكثر دقة في المدى الطويل.
ويعتقد ديفينسينزو أن آلية القياس قد تجد أيضًا تطبيقاُ في تصحيح الأخطاء في الحوسبة الكمية، على الرغم من أنه يرى أن الأمر “بعيد تمامًا” قبل أن يتمكنوا من تحقيق مستوى التحكم الضروري للتعامل مع مثل هذه الأخطاء، وسيتطلب هذا النوع من التحكم، حسب ديفينسينزو حصاد بيانات قياس هائلة.
واعتبر الكاتب العلمي فيليب بول أنه لا تكمن القيمة الحقيقية للنتيجة في أي فوائد عملية بل في ما نتعلمه عن طريقة عمل العالم الكمّي. وأضاف: “نعم، تنطلق بطريقة عشوائية – لكن لا لا تتخللها هزات فورية” معتبراً أن عالم الفيزياء الشهير شرودنغر، كان “على صواب وخطأ في الوقت ذاته”.