تجارة الرقيق: هكذا استعبدوا البشر ويستعبدونهم

حجم الخط
0

تجارة الرقيق: هكذا استعبدوا البشر ويستعبدونهم

د. سعيد الشهابي تجارة الرقيق: هكذا استعبدوا البشر ويستعبدونهم احتفلت بريطانيا الشهر الماضي بمرور مائتي عام علي صدور اول قانون يمنع الاتجار بالعبيد، غير ان ثمة تساؤلات كبيرة أثيرت في هذا المجال: هل حقا انتهت تجارة العبيد؟ وما هو المبرر الاخلاقي لتلك التجارة في عالم كان يتحدث عن التطور الديمقراطية في عصور التنوير و الثورة الصناعية و النهضة ؟ واين كان رجال الدين والمثقفون والاعلاميون من تلك الممارسة غير الانسانية؟وماذا عن العبودية المعاصرة المتمثلة بالاتجار بالبشر وسوق العمل التي تتعاطي مع عمالها بعقلية الاستعباد، وتوظيف الاطفال الذي لا يمكن اعتباره الا نوعا من الرقيق؟ ثم ماذا عما جري في الحرب العالمية الثانية من استخدام النساء كرقيق جنسي ورفض الدول التي مارست ذلك تقديم اعتذار مناسب؟ هذه التساؤلات طرحت في الاجواء الاحتفالية التي تسابق فيها الساسة لابراز الجانب الانساني في قوانين منع العبودية وغض النظر عما مارسه أسلافهم مع قطاع واسع من البشر بدون حق مشروع في ذلك الاستعباد. مع ذلك يمكن القول ان احياء الذكري فتح ملف العبودية وتجارة الرقيق في العالم الجديد وسلط الاضواء علي الحالة النفسية لدي الاقوياء ماديا، الذين يرون في الاستعباد جانبا آخر من المتعة واللذة والنشوة الزائفة بالعظمة. واذا كانت تجارة الرقيق تعكس سقوطا انسانيا علي مستوي المشاعر والاخلاق، فانه، برغم القوانين التي تمنعها، ما تزال ثمة معاملات تؤكد استمرار عقلية الاستعلاء والاستعباد والاستخفاف بحقوق البشر. فماذا عن الاعتقال التعسفي وممارسة التعذيب في السجون؟ وماذا عن الثقافة الملازمة للاستراتيجيات العسكرية للدول الكبري خصوصا الولايات المتحدة الامريكية، التي تسعي ضمنا، لاستعباد الشعوب الاخري والهيمنة ليس علي خيراتها ومقدراتها فحسب، بل التحكم في نمط حياتها، وحرمانها حق تقرير المصير، وابقائها مرتهنة، بشكل جماعي، لتلك القوي؟ أوليس العراق اليوم مستعبدا بشكل غير مسبوق عندما تطالب حكومته بدفع ديون وتعويضات؟ العبودية ممارسة قديمة تعني ان يملك انسان إنسانا آخر، كما يمتلك السيارة والمنزل. ووفقا للقوانين التي كانت سائدة في عصور العبودية التقليدية، فالعبد يعتبر ملكا خاصا، ويحرم من اغلب الحقوق التي يتمتع بها الاشخاص الاحرار. كان هناك نوعان من العبيد: اشهرهما المستخدم في المنازل وثانيهما العبودية المنتجة، التي تعني استخدام العبيد في الزراعة والاعمال الاخري، وكان هذا النوع منتشرا في روما واليونان، والعراق والصحراء الافريقية والشمال الغربي الامريكي. ومن اقدم حالات الاستعباد ما كان يحدث في عهد حكم سلالة شانج بالصين ما بين القرن الثامن عشر والثاني عشر قبل الميلاد. وانتشرت العبودية في الهند القديمة في القرن الاول قبل الميلاد. وبرغم عدم توثيق تلك الظاهرة، فقد اكتشفت بشكل واضح في القرن التاسع عشر عندما بدأ المستعمرون البريطانيون بدراستها بهدف القضاء عليها. فمثلا في العام 1841 كان هناك حوالي تسعة ملايين مستعبدين في الهند. وتشير الوثائق الي انه في العام 1086 كان عشرة بالمائة من سكان بريطانيا مسجلين كـ مستخدمين وهو مصطلح يقرب كثيرا من العبودية، وان كانوا يتمتعون بحقوق اوسع نسبيا من العبيد. وانتشرت تجارة الرقيق في افريقيا في العصور الاسلامية، وبلغ عدد الذين شملتهم تلك التجارة خلال ثلاثة عشر قرنا (ما بين 650 و 1905 ميلادية) في منطقة الصحراء الافريقية والمحيط الهندي 18 مليونا. اما الاوروبيون فقد بدأوا الاتجار بالرقيق الافريقي علي الساحل الغربي من القارة السوداء في النصف الثاني من القرن الخامس عشر. وتذكر الارقام انه بحلول العام 1867 تجاوز عدد الذين تمت المتاجرة بهم كعبيد 60 مليونا. فقد تم شحن الافارقة الي العالم الجديد كعبيد. وفي رسالة كتبها ألفونسو، ملك الكونغو، في 18 تشرين الاول/ اكتوبر 1526 الي ملك البرتغال، جواؤ الثالث، جاء وصف مختصر ودقيق لحالة الاسترقاق التي كان الافارقة يعانون منها: انهم يقبضون علي اعداد من رعايانا السود، الاحرار والمحررين منهم، وحتي النبلاء وابناء النبلاء، وحتي افراد عائلتنا . وبرغم ان الاستعباد ظاهرة قديمة منذ آلاف السنوات، فان ما شهده العالم علي مدي القرون الاربعة الممتدة ما بين القرن الخامس عشر والتاسع عشر، لم يحدث من قبل، اذ تم استعباد اكثر من ستين مليونا من قارة واحدة فقط. بدأت حركة القضاء علي العبودية والاتجار بالرقيق في العالم الغربي بخطوة مهمة قامت بها مجموعة الكويكرز الانكليز في 1783، عندما قدموا اول عريضة ضد العبودية الي البرلمان. وتواصلت الفعاليات المضادة للعبودية علي مدي الثلاثين عاما اللاحقة حتي صدر قانون الغاء العبودية في آذار (مارس) 1807، وهو القانون الذي منع تجارة الرقيق مع افريقيا، وفي 1833، منعت تلك التجارة في كافة انحاء الامبراطورية. اما الولايات المتحدة الامريكية فقد اتخذت في 1807 اولي الخطوات للقضاء علي العبودية، عندما اصدر الكونغرس قرارا بمنع مستعبدين جددا ابتداء من العام 1808. ومضي نصف قرن قبل ان توافق المحافظات الجنوبية علي ذلك، الامر الذي ادي الي اندلاع الحرب الاهلية، قبل ان يصدر الرئيس ابراهام لينكولن اعلان الحرية في الاول من كانون الثاني (يناير) 1863. وجاءت التعديلات الدستورية رقم 13 لالغاء العبودية في 1865. اما في افريقيا فقد ساهمت عصبة الامم بعد الحرب العالمية الاولي في انهاء تجارة الرقيق بمساعدة الدول الاستعمارية، وفي الثلاثينات من القرن الماضي تم الغاء العبودية بشكل قانوني في كل من ليبيريا واثبوبيا. وبعد الحرب العالمية الثانية صدر الاعلان العالمي لحقوق الانسان والعهد الاوروبي لحقوق الانسان اللذان اعتبرا العبودية غير اخلاقية وغير قانونية. لا شك ان القوانين التي صدرت لالغاء العبودية كان لها اثر كبير في الغاء تلك الممارسة غير الانسانية، وما تبعها من تطور في القيم الانسانية في مجال المساواة بين البشر وتحرير الانسان من العبودية. مع ذلك لا بد من القول بان قطاعات من المسلمين استمرت في استخدام الرقيق عبر القرون السابقة، برغم التعليمات الاسلامية التي تسعي للقضاء عليها. وصاحبت الفتوحات الاسلامية ممارسات لا تنسجم مع روح الاسلام، ومنها الاتجار بالعبيد. اما الغربيون فقد غرقوا في تجارة الرقيق حتي الثمالة، وخلفوا إرثا ثقيلا ينوء بالظلم واللاانسانية، ما تزال آثاره تهيمن علي أفريقيا والمنحدرين منها. وما يزال المثقفون السود والسياسيون يشعرون بثقل وطأة تلك الحقبة التي امتدت قرابة القرون الثلاثة، والتي تعرض العبيد خلالها لأبشع المعاملة علي ايدي سادتهم البيض، خصوصا في الولايات المتحدة. كان اولئك الصنف المستضعف من البشر محكومين بقوانين تنظم أنماط العنف المستخدم بحقهم وحجمه. وكثيرا ما ادت العقوبات الفورية لهم للوفاة والعاهات الخطيرة. وقد كان لاخراج فيلم الجذور Roots قبل ثلاثين عاما اثره في اعادة فتح ملف الاستعباد في الولايات المتحدة، اذ كشف للرأي العام المعاصر شرور تلك المعاملة غير الانسانية التي تعرض لها السود في سوق النخاسة الامريكية. وثمة كتب وتقارير غير قليلة تتطرق للاستعباد واساليبه وطرق معاملة المستعبدين من السود علي ايدي البيض بدون رحمة او انسانية. وتتحدث الوثائق، بالاضافة لسوء المعاملة والعنف المقنن ضدهم، عن حركة نقلهم من السواحل الغربية لأفريقيا الي الموانئ الاوروبية والامريكية، حيث يتم تحميلهم كالاسماك المعلبة علي ظهر السفن بشكل مضغوط لا يتيح لهم مجالا للحركة، وما اكثر الذين قضوا اختناقا نتيجة تلك الظروف. ذلك الارث ما تزال اصداؤه تتردد في العالم الحديث. صحيح ان العبودية بشكلها القديم قد توقفت بشكل عام، ولكن ثمة اساليب جديدة في التعامل مع البشر اصبحت لا تقل وحشية وهبوطا عن اساليب الماضي. فما يزال اللغط يهيمن علي العلاقات بين اليابان من جهة وكوريا والصين من جهة اخري حول استخدام النساء من هاتين البلدين كأسيرات من اجل الجنس من قبل اليابانيين. وما يزال الساسة في طوكيو يرفضون تلك المقولة، بينما يصر الكوريون والصينيون علي ذلك، ويطالبون اليابان بالاعتذار والتعويضات. ان استعباد النساء من اجل الجنس ظاهرة مستمرة حتي اليوم. وتشهد العواصم الغربية تصاعدا لظاهرة الاستعباد الجنسي لأعداد كبيرة من النساء من اوروبا الشرقية، وهناك شبكات واسعة تستغل الحاجة المادية في بلدان المعسكر الشيوعي السابق وتتاجر بهن من اجل الاستغلال الجنسي. وثمة وجه آخر للاستعباد المعاصر، يتمثل باستمرار الاستعباد باشكاله الحديثة. وفي الاسابيع الاخيرة تكثفت جهود مجموعات مسيحية امريكية بهدف مكافحة هذا النمط من الاستعباد. وتقوم هذه المجموعات الكنسية بالترويج لما تسميه التغيير المثير الذي يهدف لمكافحة الاتجار بالبشر والعمالة بين الاطفال واشكال العمل التي يصبح العمال المحتاجون فيها مرتهنين لاصحاب العمل بشروط وروابط تجعلهم اسري لهم. وتجدر الاشارة الي ان المجموعات الكنسية التقليدية كانت حتي الستينات من القرن الماضي تعارض منح السود حقوقا مساوية للبيض في الولايات المتحدة. ولا شك ان استمرار شعور البعض بالاستعلاء علي الآخرين يؤكد عمق ظاهرة الاستعباد التي ربما انتهت اسما، ولكنها ما تزال تفرض نفسها علي المجتمعات الغربية خصوصا بلحاظ الحاجة المادية للكثيرين من ابناء هذا الكوكب. انه تعبير عن غياب التوازن في العلاقات من جهة، والجشع المادي من جهة اخري، والتخلف الاخلاقي وغياب الضمير الانساني لدي اصحاب الاموال الذين لا يحترمون القيم الانسانية التي تساويهم ببقية البشر. وما السعي الامريكي المتواصل للهيمنة علي اراضي الغير بالقوة، ونشر الجبروت الامريكي في كافة اصقاع العالم عن طريق القوة العسكرية تارة والابتزاز السياسي تارة اخري، الا ممارسات تعمق ظاهرة العبودية بانماط حديثة بعيدا عن روح القوانين والمواثيق الدولية التي تؤكد علي تساوي البشر في الحقوق والواجبات علي اختلاف السنتهم والوانهم واعراقهم. ان هناك اليوم خشية من تكرر ظاهرة العبودية والاستعباد علي ايدي القادة الجدد المتحكمين بشؤون هذا الكوكب، وهو خطر حقيقي يتم بموجبه استعباد البشر والهيمنة علي اراضيهم وممتلكاتهم ومقدراتهم بعناوين شتي، ومبررات بلا حدود. ان من الضروري ان تتوجه انظار العالم الي ظاهرة الاستعباد هذه لمواجهتها بشكل فاعل ومنع استشرائها في الجسد الانساني بدعاوي باطلة واعذار غير واقعية. ونظرا لخطر الوضع، تجدرالاشارة الي وجود عدد غير قليل من المواقع الالكترونية المهتمة بقضية العبودية والاستعباد، تحذر بشكل مستمر من استمرار هذه الظاهرة بأشكال شتي وأعذار واهية، مطلوب من المفكرين والمثقفين اعادة النظر في اساليب تثقيف الجماهير ضد عودة هذه الظاهرة الكريهة التي حولت ملايين البشر الي مستويات هابطة من العيش والمعاملة، برغم ما يرفع من شعارات حول المساواة والانفتاح وحقوق الانسان. لا بد من استحضار وعي جماهيري فاعل بهدف تثقيف الناس وتحويل القضية الي هم يفرض نفسه علي الآخرين بدون تكلف. مطلوب من الساسة الغربيين تقديم الاعتذارات غير المشروطة عما اقترفه آباؤهم من انتهاكات لحقوق الانسان تواصلت علي مدي اربعة قرون، واعادة بناء الروح الانسانية علي اسس جديدة من الاحترام المتبادل والشعور بالمساواة بدون تدخل من جانب الانسان فيها. ان الغرب هو المتهم الاول بارتكاب الفظائع في الدول الفقيرة في العصور السابقة والغابرة، وذلك خلال سعيه المتواصل لبناء حضارة زائفة تأسست علي جماجم الابرياء واجساد الضحايا من كل حدب وصوب. ألم يحن الوقت للانسانية لتستيقظ من سباتها وتبدأ مشوارا جادا علي طريق الحرية للجميع، بدون استثناء؟ 9

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية