دمشق ـ «القدس العربي»: شهدت العاصمة السورية، أمس الإثنين، اعتصاما لافتاً لتجار دمشق أمام وزارة العدل، إثر إصدار الأخيرة الثلاثاء الماضي قراراً بتشكيل لجنة لإعادة النظر في الإيجارات القديمة التي تخضع للتمديد الحكمي أو ما يسمى في سوريا «الفروغ» في ظل توقعات بأن يكون نحو نصف محال دمشق يخضع لهذا النظام وبما يهدد بإخلاء التجار لمحالهم لصالح المالكين الأساسيين.
وتصاعد التطور أمس بشكل ملحوظ على أثر احتجاجات قادها المئات من تجار دمشق أمام وزارة العدل في منطقة المزة، وذلك بعد أيام من وقفة احتجاجية مشابهة أمام غرفة تجارة دمشق، في منطقة الحريقة في قلب دمشق القديمة.
ورفع المحتجون شعارات كتبوها على لافتات تقول: «نحن أصحاب حق، الفروغ ليس باغتصاب وإنما عقد وكرامة، صاحب الفروغ يملك 90 ٪ من قيمة العقار ومالكه 10 ٪، نطالب الدولة حماية حقوق المالكين بالفروغ، تملكنا بالفروغ تحت سقف القانون ولم نعتدِ على حقوق أحد، نطالب الرئيس أحمد الشرع بالحفاظ على حقوقنا»، وغيرها الكثير من العبارات التي طالبت بإنصافهم.
المرسوم 121
وأصدر رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، في الثالث والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي المرسوم رقم 121 لعام 2025، بينما أصدرت وزارة العدل السورية الثلاثاء الماضي بيانا أوضحت فيه أن المرسوم يقضي بإعادة تشكيل اللجنة القضائية المختصة بالنظر في الاعتراضات المقدمة من المواطنين السوريين المتضررين من قرارات وأوامر عرفية صدرت خلال فترة تطبيق قانون الطوارئ، والتي استمرت لنحو 50 سنة، في عهد النظام المخلوع.
وذكر البيان أن إعلان حالة الطوارئ في سوريا في المرسوم رقم /51/ لعام 1962، تبعته سلسلة من القرارات العرفية والأوامر، أدت إلى الاستيلاء على أملاك للمواطنين، لصالح متنفذين، والمرسوم 121 يهدف إلى تمكين المواطنين الذين لم يتمكنوا سابقاً من تقديم اعتراضاتهم، أو الذين يمتلكون أدلة جديدة، من اللجوء إلى اللجنة القضائية المختصة التي ستُعاد هيكلتها بموجب هذا القرار.
كما منح المرسوم للجنة الحق في إعادة النظر في القرارات السابقة عند توفر معطيات قانونية جديدة. وقالت الوزارة إن النظام البائد حاول في أعقاب انطلاق الثورة السورية القيام ببعض الإجراءات الشكلية مثل إلغاء حالة الطوارئ وتشكيل لجان للنظر في الاعتراضات، غير أن تلك اللجان لم تتمكن من أداء مهامها بشكل مستقل وفعّال بسبب القيود المفروضة على عملها.
واعتبر بيان العدل أن المرسوم الجديد يأتي في إطار خطة أشمل لإزالة الآثار القانونية الجائرة التي خلفتها أوامر وقرارات النظام المخلوع، وتشمل هذه الخطة إصلاحا بنيويا في المؤسسة القضائية.
كما تشمل الخطة مساءلة القضاة الذين ساهموا في ارتكاب انتهاكات قانونية أو تغطيتها، ورفع الحجوزات الملقاة بموجب قرارات الأجهزة الأمنية وإلغاء آثار المحاكم الاستثنائية، مثل محاكم الميدان ومحاكم الإرهاب، عبر لجان قضائية مختصة شكّلها مجلس القضاء الأعلى.
التجار يحذرون
وطالب التجار المحتجون أمام وزارة العدل، بإلغاء قرار تشكيل اللجنة، معتبرين أنه لا يحق لها أن تخرجهم من محلاتهم باعتبار أنهم أصحاب حق، أي أنهم دفعوا من قيمة العقارات التي استأجروها، بما يعني أن قيمة الفروغ الذي دفعوه لبعض المحال وصلت إلى 90 ٪ من قيمة العقار، ولذلك أصبحوا مالكين لهذه المحال وفي حال إخراجهم منها فإنه يجب أن يدفع المالك المبلغ ذاته وفق قيمة العملة الصعبة وقت التسديد، والتي تصل في بعض الأحيان إلى مئات الآلاف من الدولارات.
بعد تشكيل وزارة العدل لجنة للنظر في الإيجارات القديمة
واعتبر بعض التجار أن السير بهذه الآلية وفق المرسوم ستؤدي إلى تدمير صورة البلاد وستهرّب المستثمرين، وقال آخر إنه إذا هربتم التجار فإن البلد سيسقط.
ومنذ صدور المرسوم التشريعي رقم 111 لعام 1952، خضعت العلاقات الإيجارية في سوريا لنظام قانوني استثنائي يقوم على مبدأ التمديد الحكمي وتحديد بدل الإيجار، حيث قيّد المرسوم حرية التعاقد بين المؤجر والمستأجر، وجعل من عقد الإيجار عقداً ممتداً حكماً، بغض النظر عن إرادة المؤجّر، ما أدى إلى إشكاليات قانونية واسعة وأثار جدلاً مستمراً حول مشروعية هذا التقييد على حقوق الملكية.
وحسب قانونيين مختصين فإن التمديد الحكمي يعني أن المستأجر قبل عام ألفين أي من تاريخ تعديل القانون، عندما يقوم باستئجار محل فإنه يدفع قسما كبيرا من قيمة العقار، وهو ما يسمى بالفروغ وبالتالي عندما يريد المالك إخراجه من المحل فإنه يجب عليه أن يدفع القيمة ذاتها التي دفعها المستأجر، وهذا ما جعل عددا كبيرا من المستأجرين يستعصون في العقارات لفترات طويلة، وحتى الآن هناك آلاف المحال التجارية في دمشق تخضع لهذا القانون.
وأصدرت وزارة العدل الشهر الماضي قراراً بتشكيل لجنة مؤلفة من مجموعة من القضاة يرأسها رئيس محكمة النقض محمد السليمان لإعادة النظر في الإيجارات القديمة.
تطمينات من العدل
وعلى أثر الاحتجاجات أمام وزارة العدل، التي تصاعدات الهتافات فيها لدرجة أن المحتجين طالبوا الوزير مظهر الويس بأن يخرج من مكتبه وأنهم لن يخلوا محلاتهم مهما كان الثمن، طلب الويس من المحتجين تشكيل وفد منهم لمقابلته والاستماع لمطالبهم، وبالفعل تمت مقابلة الوفد الذي خرج بأجواء إيجابية من اللقاء.
وحسب مصادر قضائية مطلعة على الملف فإن الويس أكد أنه لم يصدر أي قرار من اللجنة بإخلاء التجار للمحلات المستأجرة بإيجارات قديمة، وأن اللجنة تدرس موضوع تعديل القانون بالاستماع إلى كل الأطراف وليس لطرف واحد.
وبينت المصادر في تصريح لـ«القدس العربي» أن الويس وعد الوفد أيضاً بأنه سوف يتم التوسع في اللجنة الحالية ليكون هناك ممثلون عن التجار حتى لا يكون هناك ظلم لطرف على حساب طرف آخر، ولن تكون هناك إجراءات إلا بعد الاستماع لكل الأطراف وتعديل القانون، مؤكدة أنه تم إرسال تطمينات للتجار بأنهم باقون في محلاتهم ولن يخرجهم أحد منها.
ورأت المصادر أن هذا الملف شائك وخصوصاً أن نصف محلات دمشق يخضع لإيجارات قديمة وبالتالي فإن هناك الآلاف من التجار المعنيين بهذا الملف، مشيرة إلى أن اللجنة المخصصة لدراسته من المتوقع أن تقوم بجولة على العديد من المحافظات للاستماع لكل الآراء من المالكين والمستأجرين والقانونيين وحتى الحياديين، وأنها سوف تأخذ كافة المقترحات في الاعتبار.
مالكون: محلاتنا محتلة
والتقت «القدس العربي» عدداً من المالكين الأصليين لبعض المحلات، فأكد محمد وهو صاحب محل في سوق ساروجة في منطقة البحصة القريبة من دمشق القديمة، أنه مالك لمحل تجاري أجّره والده في سبعينيات القرن الماضي، وأنه حاول مراراً إخراج المستأجر منه، لكنه لم يستطع، بحكم أن القانون يمنعه من ذلك، مؤكداً أن محله اليوم يصل سعره إلى مئات الملايين، فبأي حق سوف يعطي نسبة كبيرة من قيمته للمستأجر الذي استفاد منه طول خمسين سنة وورثه لورثته من بعده وكأنه أصبح إيجارا ينتهي بالتمليك، على حد تعبيره.
وذكر صفوان، وهو يمثل حوالي ألفي مالك لمحلات في باب توما وساورجة وكفرسوسة أن رسالته للجنة المشكلة من وزارة العدل أن المالكين لن يصبروا على المستأجرين ولو يوماً واحداً، واصفاً أن ما يحدث هو سرقة لملكيتهم، وأن الملكية مصانة في الدستور، وأن حصول المستأجر على تعويض أو قيمة الفروغ الذي دفعه مخالف حتى للشريعة الإسلامية، معتبرا أن ما يتم هو احتلال، وأن الفروغ الذي دفعه المستأجر عند استئجار المحل هو ضمن عقد أيجار وليس عقد بيع، موضحاً أن عقد البيع يتم في الطابو (السجلات العقارية) وليس في المالية ومن هذا المنطلق فإنه بأي وجه حق سوف يشارك المستأجر المالك في قيمة العقار.
ولفت أن هذا المشكلة بدأت في خمسينيات القرن الماضي وبدلاً من أن يتم حلها، صدرت قوانين في زمن حكم حزب البعث المنحل تكرس هذا المبدأ، وفي عام ألفين تم تعديل قانون الإيجارات إلا أنه أبقى على الإيجارات القديمة ولكن أعطى للمالك وللمستأجر أيضاً حق تخمين أجرة العقار مرة ثانية، ما دفع إلى ازدياد أعداد الدعاوى في محكمة بداية الصلح المدنية، ما شكل ضغطاً كبيراً على القضاة.
غرفة التجارة تتحرك
وعقدت غرفة تجارة دمشق اجتماعاً استثنائياً لمجلس إدارتها الأحد، ناقشت فيه تداعيات قرار وزارة العدل، وطالب مجلس إدارة الغرفة بتنظيم ندوات حوارية موسعة حول الموضوع، داعياً إلى توسيع عضوية اللجنة لتشمل ممثلين عن الأسواق التجارية المتأثرة وغرف التجارة في مختلف المحافظات، لضمان تمثيل عادل وشامل.
الاجتماع توسع لاحقاً ليشمل رؤساء لجان قطاعية وتجاراً من مختلف المهن، إضافة إلى خبراء قانونيين، حيث طالبوا بتأجيل القرار، محذرين من تداعياته «الوخيمة» على استقرار السوق التجاري السوري.