لا أحد يعرف كيف يحمل في عينيه الزمن بثقله، يحمله بحروبه كلها، وبتاريخه الموجع. إنه زمن من الفراق وفصول من اللوعة وسنين طويلة من النزوح والقهر. عيناه المتعبتان تطلان على مدافن الأهل والجيران والأصدقاء، وفي تجاعيده ترى طرقات الماضي، طرقات لم يبق منها شيء، بعد أن قصفها المحتل مراراً وتكراراً.
ذلك العجوز المتعب، الطاهر الطيب، أخذه الاحتلال أسيراً. لقد انتشر مقطع فيديو لذلك الرجل المسن المنهك على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي وتداوله رواد الـ»سوشيل ميديا» بكثافة لما يحمله من قهر وألم وأمل لا يُقهر.
حين رأيته شهقت في البكاء. تمنيت لو أستطيع أن أقبل جبينه، أن أنحني على يده وأطلب منه الغفران. إنه رجل بعمر الهزيمة الإنسانية. وبعمر هزيمة العرب!
كل تجعيدة على وجهه تحمل حكاية، وكل نظرة من عينيه تعبر عن ألم دفين. لقد شهد كل الحروب، ولكن حرب السابع من أكتوبر/تشرين الأول ليست كسابقاتها. إنها الأشرس والأعنف على الإطلاق. حرب إبادة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
لقد جاءت هذه الحرب لتترك في قلب العجوز ندوباً لا تندمل، وذكريات تحطمت تحت أقدام الغزاة. رغم ذلك، حاول الرجل السبعيني أن يقف كالشجرة الراسخة في الأرض، متجذراً في تاريخه، رافضاً أن ينهار أمام قسوة الزمن وجبروت الاحتلال.
ولكنهم جردوه من ثيابه! نعم لقد جرد جيش الاحتلال الإسرائيلي – الجيش الأكثر أخلاقية في العالم – رجلاً عجوزاً من ثيابه. ولم يكتف الجنود بذلك، بل جلدوه بقوة،جلدوه بدون رحمة، جلدوه حتى أخرجوا الدماء من تجاعيده العميقة، وصل صراخ الجد إلى السماء، ولكنها لم تمطر.
جدنا هو رمز لمعاناة أمة بأكملها، أمة تعيش تحت وطأة الاحتلال وتسعى وبكل بساطة لتحقيق حلم الحرية. هذا العجوز يمثل الجيل الذي شهد كل النكبات والنكسات، ورأى بيوت القطاع تُهدم، وأراضيه تغتصب، وكرامته تهدر! لقد شهد الزمن الذي انزلقت فيه غزة تحت التراب.
هكذا يفرك عينيه فتنهمر الدموع لتتغلغل في لحيته البيضاء الطويلة. راح يبكي وكأنه ينعى تاريخاً من الصمود والتحدي. يبكي ظلام الأيام وجورها وغدرها.
ثم يقول وهو مكلل بالألم والحسرة: اعتقلني الجيش الإسرائيلي من 150 يوماً. ربطوا عيني حتى أظلمت الدنيا، وكبلوا يدي إلى الخلف وبدأوا يضربونني بكل قوتهم يميناً وشمالاً. لقد ضربوني وأهانوني؟!
لكنه، ورغم كل ذلك العذاب والقهر، الذي شهده خلال أيام طويلة من الجلد المستمر، لم يتردد أن يؤكد وبأعلى صوته، وبكل ما يحمله العنفوان من معنى وبقوة جبارة، وكأنه يتماسك من جديد: من يقول إنها إسرائيل فهو خاطئ خاطئ. إنها فلسطين المحتلة. لقد كرر كلمة خاطئ مرتين وكأنه يود نقشها في عقل وقلب كل من يسمعه. وكأنه يرغب بأن يمنحنا تلك القوة التي لا تقهر وتلك الإرادة التي لا تنكسر.
إنه يجسد روحاً تأبى الانحناء، رغم كل الظروف، روحا تظل متشبثة بالأمل رغم ظلام الأيام. لقد ذكرنا بكلماته القليلة أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحرية تستحق كل التضحيات.
لقد علمنا ذلك الجد دروساً في الصبر والتحمل. كما برهن لنا أن القوة الحقيقية تكمن في القدرة على الوقوف مرة أخرى بعد كل سقوط. والنصر لا يأتي إلا لمن يستحقه، لمن يناضل من أجله بكل ما أوتي من قوة وعزيمة.
ومن هذا الجد إلى جد آخر وحكاية مؤلمة جديدة، ولكنها لا تفرق كثيراً عن الحكاية الأولى. إنه جد فلسطيني تعدى عمره 85 سنة. يقول بكل حسرة وألم: لم تمر علي مثل هذه الحرب. إنها حرب الدمار. لقد دمروا دورنا وخربوا ديارنا وقتلوا أطفالنا وولادنا!؟
تسأله مراسلة إحدى القنوات: كم مرة نزحت يا حاج؟
يرد وهو يحاول أن يقلّب ذاكرته: 56 و 48 وهذه المرة، ولكن هذه الحرب مختلفة جداً.. حرب دمار.. دمار.. دمار للشعب الفلسطيني.
كلمة دمار كانت تطارده أو كان يطاردها، ولكنها كانت متعلقة بحاجبيه المنحنيين وبأسنانه، التي أسقطها الألم ولحيته التي استفرس بها الغبار.
إنها حرب الأقفاص. لقد استبدل الاحتلال السجون بالأقفاص وتعامل مع الأسرى بوحشية وكأنه يؤكد تلك العبارة «الشهيرة» التي صدرت من العدو في أول الحرب أن الفلسطينيين ليسوا سوى حيوانات بشرية!
لقد أكد العديد من الأسرى المفرج عنهم تلك الحيوانية، التي مارسها الجنود في حق كل الأسرى، مهما كان سنهم أطفالاً أو شباباً أو مسنين. أخبرونا كيف كهربوهم جميعاً، وكيف حرموهم من الطعام والشراب، وكيف أدخلوا عليهم الكلاب وهم عرايا، كي ينهشوا ما بقي من لحومهم.
وفي اللحظة التي كان الحاج يتحدث فيها بكلمات متقطعة وبنبرة محملة بالأسى، كانت عيناه تجولان في أفق بعيد، أفق ربما يحمل بين طياته ذكرى لأرض كانت يوماً ما مليئة بالحياة. كانت كلماته أشبه بنحيب الأرض المكلومة، وصوته كأنين الرياح التي تعبر من فوق بيوت مدمرة وقبور جماعية.
هذا الحاج، مثل آلاف غيره، ليس مجرد ضحية لحرب ضروس، بل هو شاهد حي على جرح ينزف منذ عقود. إنه جزء من قصة أكبر، قصة شعب يكافح للبقاء على قيد الحياة وسط ركام الحرب وتحت وطأة الاحتلال. ومع كل كلمة يقولها، يتجلى صمود شعبه، وإرادته التي لا تنكسر، وكرامته التي لا تُداس.
الحرب لم تستطع أن تنال من روح هذا الرجل ولا من إيمانه بعدالة قضيته. وبينما كان يغالب دموعه، كان يرسل رسالة للعالم بأسره: نحن هنا، ولن نرحل. لن تستطيعوا كسرنا، فكل جيل يولد هنا يحمل في قلبه بذرة المقاومة والأمل.
قد يمر العمر وتستمر الحروب، لكننا سنظل نحيا.. سنظل نحلم، ونقاتل من أجل حريتنا. لن تنطفئ شعلة الحق في قلوبنا، وسيأتي اليوم الذي نرى فيه وطننا حراً، حتى وإن لم نحيا لنشهده، فإن أبناءنا سيحملون الراية، ويكملون المسيرة.
كاتبة لبنانية